ثقافة

أظافر / رامي العاشق

لوحة للفنان السوري ديلاور عمر

لوحة للفنان السوري ديلاور عمر

لا نساءَ في هذه المدينة، جميعهنَّ أكلتْهنَّ الحربُ وبصقتْ أظافرهُنَّ صروحًا تذكاريّةً، في كل شارع أرى إظفرًا واقفًا يتأمّلهُ المارّة ويتصوّرون معه، يتركون تذكاراتهم عليه ويكتبون أسماءهم وأسماء من يحبّون ويلوّنونه بألوانٍ مختلفة، وحدي .. أمرّ قربه ولا أفعل شيئًا، وكلّ مرّة أمرّ قربَ إظفرٍ دون أن أهتمّ به، تصيبني لعنته، أسقطُ أو أرتطم بعمود كهرباء أو تدهسني درّاجة هوائيّة عابرة بسرعة قطار متأخّر عن موعده!

كانت جدّتي تحذّرني دائمًا من لعنة الأظافر، وتوصيني أن أدفن إظفري المقصوص في التراب، إلا أنني كنتُ أخشى أن ينمو وتصبح لدينا شجرة أظافر في بيتنا العربيّ! كنت أستغرب أن تحلّ علي لعنة الأظافر عندما لا أُبدي اهتمامًا بها، الأصلُ .. أن تحلّ على من يشوّهها ويزعجها ويكتب عليها عباراتٍ سخيفة، حتّى سألتُ أحد علماء الحضارة عن هذه اللّعنة، فأجابني: «ليس للأظافر لعنة، إنّها حرمة الموتى يا صديقي، كلّ إظفرٍ هو صرحُ فتاةٍ أكلتها الحرب، نساءُ هذه المدينة يراقبننا ويردنَ منّا أن نحترم أضرحتهنّ، ليس للأظافر لعنة، وإن كان هنالك لعنة، فهي لعنة النّساء لا الأظافر!».

منذ ذلك اليوم، وأنا أهتم بهذه الأظافر، بحثتُ كثيرًا حتّى وجدتُ إظفرًا بعيدًا لم يمسسه أحدٌ بعد، ورحتُ أعتني به، أبرُدهُ باستمرار لأنحتَ منه موقفًا للباص، فتسْعَدُ صاحبته لأنّها تحميني من المطر، أجلسُ لساعاتٍ تحته لأقرأ لها عن الحرب التي أكلتها، وكيف كتبَ عنها المؤرّخون، أذكرُ أنّني كتبتُ لها قصيدة أتغزّل فيها بجمال أنوثتِها، هو هكذا الشِّعر دائمًا .. وهمً على وهم، أخبرها دائمًا عن الناس هنا، كيف يمضون أوقاتهم، ماذا يأكلون، أخبرها كم هي موحشةٌ هذه المدينة الخالية من النّساء، لا عطرَ لها، كأنّ الحروبَ تسحبُ العطر من المدائن .. تخلّصتُ من لعنة الأظافر والنّساء نعم، لكنّني أصبحتُ أفكّر كثيرًا في أسئلتي الوجوديّة، لماذا تخشى الحرب من العطر، ولماذا تخشى من النّساء ؟ .. ولماذا تأكلهنَّ وتبصقُ أظافرهنَّ فقط؟ ربّما .. لأن الحربَ .. لا حاجة لها بالأظافر!!

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top