ثقافة

وقت مستقطع..

عهد زرزور

في غرفة صف كبيرة في مدرسة فرنسية أسأل فتيات وفتياناً بعمر 17 عاماً عمّا يرغبون بتحقيقه في عشر سنوات قادمة، ينكبون على الورقة ويفترضون أحلاماً مبعثرة، أسرح معهم بخيالي، لكن عشر سنوات إلى الخلف حين تلقيت ذات السؤال في مقابلة عمل بدمشق؛ عن توقعاتي المهنية لعشرة أعوام قادمة، بكل يقين سردت أحلامي العملية والأكاديمية الأكيدة.

بطبيعة الحال لم يتحقق من توقعاتي شيء، بل انحنت كلياً في طريق وعر لم أكن أتخيله أو أخطط له، دخلت المجهول وخضت مع ملايين غيري الحلم والقسوة والتخلي والإيمان العامر.. ثم خيارات الندم، أو عكس الندم! ولا أدري لماذا أثناء بحثي عن أضداد “الندم” وجدت مفردات مثل التعالي والتكبّر والتي لا أحب أن تكون خياراً لأحد. هذا السؤال الملحّ والمحدّد برقم (عشرة) العجيب، في حين لا يحمل الرقم أي دلالة روحانية كالرقم سبعة أو أربعين. رقم بارد لا يميزه سوى صفر يذكرني بعشرات المدرسة التي يحرزها الشطّار، والتي على الأغلب لم نتمكن من إحرازها في ثورتنا رغم انغماسنا بالعمل والتعب والكفاح.

في التفاتة العشرة، نستحضر خسارات تستدعي ترميماً وتعافٍ مديد، ونستحضر معها بطولات وجرأة تستدعي الخلود، كشاهدين على المذبحة والرعب والانتصارات المؤقتة، وعلى وقتٍ مر كإعصار سرق أرواح أحباب وأحيا آخرين، طحن الكثيرين ورفع بالمقابل الكثيرين.

مجبورون أن نعود بالعشر سنوات كاحتفالية ذكرى، لكن لا نستطيع تكرار المشهد كاملاً، فنستذكر أحداثاً معينة تضيؤها الذاكرة، ويمرّ الباقي كمشاهد لا تعني أحداً. ذلك الوقت المحتال الذي مرّ كغمضة عين رغم مروره القاسي، مرّعلى حيوات العاديين أيضاً، لا هم أبطالاً ولا هم أشراراً. مرّ الوقت عليهم كغربة وإجبار، نزعهم من عاديتهم، فلا كان حلماً جميلاً ولا كابوساً مخيفاً كثنائية جامدة تستدعي الندم أو عدمه. بل هذا الوقت لم يمر عليهم كما يجب.

لذا أفكر في الوقت المستقطع الذي قصّه حدث كبير وقطعه من سيناريو حياتي البسيطة وذاكرتي، أنظر للخلف فأرى أن مقطعاً كبيراً مرّ في سيرتي الذاتية، وحين وصلت الى آخره بات رماداً وسراباً لا يُمسّ ولا يُحسّ. 

تخبرني صديقة أنها عادت إلى نقطة الصفر؛ لاتعلم ما تفعل بزمن أعطته جيلاً فأنتج لها ركاماً. نجلس في حلقات نتعلم أبجدية جديدة لنعارك الحياة الواقعية بعد أن غطانا الحلم، كأن ما فات مات فعلاً، وكأن تجاربنا وخبراتنا وصدماتنا تبعتها فجوة لا يفهمها أحد. 

في المنفى، نبحث عن عمل بصفتنا لاجئون ومصابو حرب وأبطال، ويصبح التنافس مع العاديين ضرب خيال. 

موسومون بالكرامة والكفاح والعدالة، تعريفنا عن أنفسنا مرهون بعشر سنوات مرت، فكما قيل “ولدتنا الثورة”، وتهنا بعدها كصغارها لا نفقه أي لغة سواها.

رغبة كامنة تدفعني أن أعيد عشرينياتي بتوازن أكبر وبخطط مُحكمة كفتاة تستحق أن تحلم بحياة بسيطة؛ أن لا تفقد أحداً أو شيئاً، وأن تعيش حياة عادية دون العودة تماماً بالزمن من مبدأ “كنا عايشين”، لكن كفرصة لإرجاع وقت تجمّد في سريانك بالعالم رغم انفجاره فيك، أن تعيد ذات الوقت الماضي وتستحدثه في عمرك المنقوص كأنه ما مرّ. 

أرسم سيناريوهات بديلة لآخرين أيضاً؛ لحياة من فقدتهم ومن أحبهم، أغير الزمان والمكان وأغير لهم المجتمع القاسي والحدود والنظام، أضع الشهيد كطالب تخرج من تخصص يحبه، والمختفية كأم حنون، والمنفي كمالك مشروع في بلده الكريم، والبطل كشخصية ثانوية لا يؤذيه أو يبجله أحد، أجمع العاديين في رأسي وأهبهم عاديتهم وحياة لا تنتهي بذاكرة مخيفة أو مجيدة.

كعاديين، لم نختر -قبل عشر سنوات- الخلود والمعاناة كخطة لأحلامنا، ولم نرغب أن نحمل هماً إنسانياً ضخماً يتجاوز حملنا، ولم يعننا سوى الانشغال بتفاصيلنا الصغيرة؛ بكرامتنا الشخصية وحقنا الأصيل بامتلاك حياتنا وصوتنا وبلدنا، أن نعيش مثلاً في بيت ريفي بعيداً عن العالم بلا اتصال، أو أن نختبر حرية الاتصال والتوفر الدائم لسؤال الحرية، أن نمتلك حرية الظهور والاختفاء دون الشعور بأدنى ذنب بترك الحصان وحيداً وترك ملايين الأصداء التي تتمنى أن تفتح فمك بشهادة تنصفها، أن نعود مدرّسين وحرفيين وموظفين وأمهات وآباء عاديين، بدل تحولنا جميعاً إلى مناضلين وإعلاميين وباحثين عن الحقيقة والعدالة أو الانتقام دون أن نعلم، مغمورين بسردياتنا الأليمة الأبدية متمسكين بحبال نجاتنا الممكنة.

أغلبنا في هذه الذكرى ممتن للثورة التي غيرت أحلامه لتصبح أكبر وأكرم وأعلى، أما أنا فأشعر في عشر سنوات أني متعبة بها؛ يتسلل إلى قلبي عمري الأول قبل أن يكون ما كان، وأرتاح إليه، ليس ندم الخيار لكنه الرغبة في حمل هذا العبء بخفة أكبر، كعادية، لم يقطعها وقت لا تعرف ما تصنع به إذا امتد واستطال به الأوان.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى