ثقافة

وجوه الحضور في “مرايا الغياب” عند فرج بيرقدار

ياسمين نهار

يشكل الصّراع الحادّ والعاصف بين متناقضات الوجود بُعداً حافزاً ومُلهماً لكثير من المبدعين، كالصّراع بين الحياة والموت، وبين الخير والشّر، وبين الحريّة والقيد.. 

الشاعر فرج بيرقدار عاش هذه الصّراعات وخبر تفاصيلها اليوميّة أكثر من أربعة عشر عاماً في السّجون السّورية، حاول خلال هذه السّنوات أن يجد لغة شعريّة تعادل تلك التّجارب القاسية، وتستوعب آلامه ورؤاه وتطلّعاته إلى التّغيير.

“مرايا الغياب ” هو عنوان إحدى مجموعاته الشّعريّة، كتبها وهو في سجن صيدنايا بين عامي 1997ـ 2000 موضوعها الأبرز والأهمّ السّجن السّياسيّ؛ حيث رصد شعريّاً علاقة السّجين بالسّجن والسّجان من جهة، وتطلّع السّجناء إلى الحريّة من جهة ثانية، فلا عجب أن تتكرّر كلمة الحريّة ثلاث عشرة مرّة في هذه المجموعة.

 بُعد التمرّد والرّفض في حياته وشعره: لم تكن الحريّة عند شاعرنا مطلباّ سياسيّاً فقط؛ بل هي مطلبٌ وجوديّ تجسّد في حياته وشعره، وكما رفض بيرقدار أن يكون أسيراً للسّلطة القمعية أو لمؤسساتها الثّقافيّة التي تهمّش حالات التّمرّد والخروج عن المألوف، رفض أيضاً طُرق التّعبير التّقليديّة والهويّة الإبداعيّة الثّابتة، لذا نراه في حنين دائم إلى هويّة إبداعيّة جديدة؛ لأنّ الإبداع حركة دائمة وكشف مستمرّ:

“كلّ يوم

أقف أمامي

أتأمّلني بأناة

ثمّ أنكرني

وأواصل الحنين

إلى غيري

لعلّي أجدني فيه”.

إنّ قصيدة فرج تثير الأسئلة المُقلقة، تدعو المطمئنين إلى الشّكّ، ويمكننا القول إنّها متمرّدة مثله؛ متمرّدة على سلفيّة الكتابة الشّعريّة؛ حين تمنع المبدع من خلق تجربته الخاصّة، ومتمرّدة على الواقع لأنّها ترفض التّكيّف معه، وتصرّ على كشف مظالمه وعيوبه، ومتمرّدة على قارئها لأنّها تهزّ يقينه:

“ما من دليل

ولا يقين

فالقصيدة خارجة عليّ

وخارجة عليكم

وخارجةٌ

حتّى على نفسها”.

النّزعة الصّوفيّة في شعره: التجربة الصّوفيّة في شعر فرج لا ترسّخ معتقداً دينيّاً أو تدعو إليه؛ إنّما هي صوفيّة فنيّة أغنت تجربته الشّعريّة ومنحتها أبعاداً خلّاقة؛ فضلاّ عن أنّ الشّاعر وظّف هذه التّجربة الغنيّة في رؤية جديدة أخرجتها من بُعدها الدّينيّ إلى بُعد إنسانيّ حارّ أثبت قدرتها على الحياة والتّجّدد إبداعيّاً. لئن حرّرت التّجربة الصّوفيّة الإنسان من القيود، بدءاً من القيود التي تعيق حركة الجسد، فقد ساعده تعمّقه في تلك التّجربة على اكتشاف أعماقه ونزوعها إلى الحريّة؛ وليس هذا فحسب، فقد ساعده الشّعر على فضح ما يجري داخل السّجن السّياسيّ:

“صَفوتُ

حتّى أوشكتُ على الماء

وأوشك الماء على الومض

 والومضُ على الرّؤيا

والرّؤيا على الكشف

والكشف على الغموض

والغموض على الشّعر

والشّعر على الصمت

والصمت على السّرّ

والسّرّ على الفضيحة

شكراً يا معلمي

أعرف أنّ الطّريق

صار طويلاً ورائي

غير أنني سأعود

إلى حنان ترابي القديم

ولو مشياً

على قلبي”.

في هذا النّصّ صفا الشّاعر الرّائي حتّى أوشك أن يصير شفّافاً كالماء، وما الرّؤيا عنده إلّا وسيلة لفضح مساوئ العالم، وقد تجلّى هدفه الأسمى في نصّه الرّؤيويّ السّابق في العودة إلى النّقاء الأوّل والحريّة والبدء حيث لا قيود ولا أسوار، رغم معرفته بوعورة الطّريق.

ويتجلّى البعد الصّوفيّ واضحاً حين يقول:

“يا دينكم!!

كيف أراني

وأنا دائماً معي؟

وإذا ابتعدتُ عني

فكيف أعرفني؟

لا تقولوا لي:

المرآة.

فليس للمرايا

حتى هذه التي أكتبها

إلّا أن تعدّدني

أو تجعلني واحداً

وأنا لست كذلك

بل إنّي..

لستُ على حال أبداً

أبداً

لستُ على حال”.

يرى الشّاعر أنّ لكلّ مبدع بُعداً آخر؛ يحضر في أعماقه حضور اتّحاد ووحدة، وحين يتجلّى هذا البعد على صورة شعر؛ لا يريد منه الشّاعر أن يعكس ظاهر نفسه -وإن تعدّدت أشكاله- بل يريد منه أن يعبّر عن خفايا نفسه غير المستقرّة على حال.

صور حضور المرأة في شعره: امرأة فرج بيرقدار هي المرأة الحبيبة/ المرأة الجسد، ويبدو لي أنّ استحضار المرأة/ الجسد داخل السّجن -ولو في فضاء الذّاكرة- هو تشوّف لحياة طبيعيّة وعلاقة تكامليّة بين المرأة والرّجل؛ كلّ طرف فيها يحتاج الآخر ويكمّله، وهو فعل تحدّ للأفكار المتزمّتة وموقفها من المرأة، وهو فعل تحرّر من كلّ القيود التي تمنع المبدعين من التّعبير عن المرأة، وعن العلاقة بينها وبين الرّجل فنيّاً، بالإضافة إلى كون ذلك الفعل انعتاقاً من أسر مكان ينزف تفاصيل مؤلمة مؤرّقة.

وها هي ذاكرته تغافل محاولات النسيان وتهرب إلى امرأة ما:

“في منتصف النسيان

وربّما في آخره

هربَت ذاكرتي إليها

تلك التي لم تقل في البداية

غيرَ سماءٍ مهجورة

وبنفسجتين غامضتين

وصحراء تنزف سراباً

ولكنّها

صمتاً إثر صمت

وشهيقاً إثر شهيق

وزفيراً إثر زفير

قالت جسدي

وأردفَتْ لُجّةً متلاطمة الأصداء

تنشجُ وتمطر

وتصيحُ من قيعانها:

 تعال”.

وتجدر الإشارة إلى أنّ شعر الحبّ وشعر الجسد عند شاعرنا دليلٌ على تأكيد شاعرنا فاعلية الأنا وحضورها في مكان لا خصوبة فيه ولا حياة وهو السّجن. 

يقول واصفاً الحديث بين جسدين:

“لستُ أعمى القلب

فما من حوار

تضيء بروقُهُ

وتنهمرُ أمطارُهُ

كما بين جسدين”.

إنّ صور الشّاعر في هذا النّصّ تعبّر عن ظلال نفسه ولاشعوره الخفيّ؛ وما إضاءة البروق وانهمار الأمطار إلّا تأكيد الخصوبة التي يُحرم السّجين منها فأراد الشّاعر تحقيقها ولو في الخيال.

ومع ذلك لم يحصر بيرقدار المرأة ببعد واحد (بُعد الجسد) فالمرأة عنده الحبيبة المُلهمة تسير به إلى تيه المعنى؛ لكي يبقى في بحثه المحموم عن دروب جديدة في الإبداع كلّما ظنّ أنّه اهتدى ووصل اكتشف دروباً أكثر جمالاً وأكثر إغواءً:

“ثمّة مكان

اسمه اللامكان

أخذتني إليه

تلك المرأة الشّاهقة

وقالت لي:

يليق بك التيه”.

مرايا الغياب والحضور في السّجن: للسجن ظلالٌ قاتمةٌ تجثم على الرّوح، وشاعرنا رآه موتاً أو شيئاً يشبه الموت: “السّجن هو الغياب الأبعد والأعمق والأقصى في الحياة، وما من غياب أشدّ منه وأكثر فداحة سوى الموت. من هنا انسربت تسمية “مرايا الغياب” كعنوان لهذه المجموعة. ويبدو لي أنّ لمرايا الغياب وجهاً آخر هو وجه الحضور: حضور الشّاعر وحضور القصيدة، وكلّما تعمّق بُعد الغياب السّاكن المُفجع ازداد إصرار الشّاعر على استحضار القصيدة التي تُعدّ وجهاً من وجوه الحياة واندفاعها الحارّ.

هكذا واجه الشّاعر كلّ أشكال التعذيب والقمع بأكثر الأشياء حميميّة وحيّويّة وحريّة؛ واجهها جميعاً بالشّعر.

والزّمن في السّجن يمتدّ يائساً امتداد الصحراء، يتشابه تشابه كثبانها، غير أنّ الشّاعر يحاول أن يثنيَ عضد هذا الزّمن ليبقى هو وقصيدته على قيد الحضور، على قيد الحياة:

“الأزمنة متضاربة

والأمكنة أيضاً

وحتّى الصّلوات

غير أنّ القصيدة وقلبي

يدقّان

   ويدقّان

ياااااااا..

لأبوابكم المغلقة!!”.

وحين يستبدّ الوقت الكئيب قد تنفصم الذات عن نفسها لأنّها تعجز أحياناً عن ملء هذا الفراغ الرّهيب الماثل في المكان، فلا يراه الشّاعر إلّا شكلاً من أشكال الغياب:

“زمنٌ بلا مواعيد

ومكانٌ

بلا جهات.

أيّتها المرأة

الجارحة كبرق

الرّاعفة كأغنية

اذهبي

فما من شيء

حاضر هنا

غير الغياب”.

هكذا رسم لنا فرج بيرقدار مراياه ممزوجة بروحه، بعذاباته، بتناقضاته الحادّة، وما زال في جعبته الكثير من الألوان الممزوجة بالدّم والرّماد والحكايا عن أولئك الذين ينحرون أحلام الشّعوب بلا ندم.

“مرايا الغياب” المجموعة الشّعريّة التي هرّبها الشّاعر من سجن صيدنايا مكتوبةً على أوراق السّجائر تُترجم إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانيّة والسلوفينية والإيطالية، وتصبح مشروعاً غنائياً بلغات عدّة.

 هي مرايا تفضح معاناة المعتقلين أثناء تغريبتهم في السّجون السّورية إلّا أنّها في عمقها مرايا فضاءين وضّاءين متداخلين هما: فضاء الشّعر، وفضاء الحريّة.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top