مقالات رأي

هل نترك كوكبنا للدمار؟

مؤتمر غلاسكو لحظة حاسمة

جورج كتن

التغير المناخي عملية تجري امام اعيننا مهددة بتدمير كوكب الأرض بما فيه من ملايين الأنواع الحية التي باتت مهددة بالانقراض بعد ان أصبح عالمنا أشد سخونة مما كان عليه في أي وقت مضى في التاريخ، ما ادى لموجات حر وجفاف شديد في مختلف أنحاء العالم وزيادة بمعدل الحموضة في مياه البحار. يجبر حالياً ٢٠ مليون شخص على الهرب سنوياً من أراضيهم بسبب الحرارة المرتفعة. وخلال ال50 عاما القادمة سيجبر 1.5 مليار للنزوح هرباً من درجات حرارة مرتفعة ستماثل المسجلة في أشد الصحارى حراً في العالم. لنتخيل الكوكب المقفر وغير الصالح للحياة الذي سنورثه للاجيال القادمة !

مواجهة التغير المناخي تكاد تصبح من اولويات الدول الغربية والعديد من الدول الاخرى في العالم. فيما هي في منطقتنا العربية والاسلامية والمتخلفة اجمالا في اسفل جدول اهتمامات الحكومات والمجتمعات المدنية والقوى السياسية، وكأن هذه الدول ليست جزءأ من هذا العالم المهدد بالانقراض. لذلك فأن التوعية باهمية هذه المسألة وراهنيتها مهمة اولى للنشطاء المثقلين بمهمات وهموم الديمقراطية وحقوق الانسان والتنمية والحياة الافضل في مثل هذه البلدان. اضافة هذه القضية الخطرة على الحياة البشرية لجدول اعمالهم امر لا يمكن تجنبه، لأن اي تقدم في المسائل التي تلقى الاهتمام حاليا سيكون معرضا للضياع في ظل الكارثة المتوقعة للكوكب التي تشمل الجميع ولن تستثني احدا.

واول ما يفترض للتوجه لهذه الظاهرة هو فهم طبيعتها واسبابها ثم النتائج الضارة التي تؤدي اليها. فالتغير المناخي هو بالدرجة الاولى احتباس حراري اي ازدياد درجة الحرارة السطحية المتوسطة للارض تبعا لزيادة كمية ثاني اوكسيد الكربون والميثان والاوزون وغازات اخرى في الغلاف الجوي للكرة الارضية. هذه الغازات تعمل على احتباس الاشعة الحمراء القادمة من الشمس وتمنع انعكاسها نحو الفضاء، وهي غازات لوحظ  تأثيرها الضار منذ منتصف القرن العشرين وهي في تزايد مستمر، فدرجة الحرارة اليوم هي تقريبا ضعف الدرجة المسجلة منذ 200 عام. هذه الغازات، يساهم النشاط البشري في انتاجها بوسائل مختلفة اهمها ازالة الغابات لتحويلها للزراعة او للعمران، والتلوث البيئي الذي تسببه الصناعة وافرازاتها منذ بدء العصر الصناعي في العالم. النشاط البشري كنتيجة لحرق الوقود في المنشئات الصناعية ووسائل النقل يساهم بشكل اساسي في ارتفاع نسبة الغازات الضارة بدرجة اكبر بكثير مما تساهم الظواهر الطبيعية مثل البراكين وحرائق الغابات، وهو ما توافق عليه 97% من علماء المناخ.

نتائج احترار الارض بسبب الاحتباس الحراري حدوث كوارث زراعية لما قد يسببه ارتفاع درجات الحرارة من فقدان بعض المحاصيل وانخفاض الانتاج الزراعي بسبب التقلب المناخي مما سيؤدي لمجاعات وهجرات مليونية, بالاضافة لانقراض انواع من الحيوانات في حال عدم قدرتها على التنقل لمناطق تحفظها من الانقراض، وزيادة حرائق الغابات، واحداث متطرفة في الطقس وحدة في تقلباته وفي الكوارث الطبيعية، منها زيادة عدد وشدة العواصف والاعاصير وتغير كمية ونمط هطولات الامطار وسقوط الامطار الحمضية، وتوسع الصحارى المدارية نتيجة موجات جفاف، وازياد الفيضانات وذوبان الجليد في البحار المتجمدة مما سيؤدي الى ارتفاع مستوى سطح البحر وغمر المدن الساحلية، وغرق الجزر المنخفضة. وانتشار اوسع للامراض والاوبئة والحشرات في ظل اختلال المناخ. كما ان التلوث بحد ذاته يعتبر ساما للانسان عند وصوله الى مستويات معينة. وكما خلق النشاط البشري هذ الظاهرة، ذات النتائج الكارثية التي بدأت بعض اضرارها تظهر منذ الآن وستتوالى كما هو متوقع في العقود القادمة، فإن البشر ملزمون بوضع حلول لها قبل ان تؤدي الى تدمير الحياة على الكرة الارضية.

الحلول متوفرة وممكنة وليست مستحيلة فيما لو عمل من اجل تطبيقها. وبما ان القضية عالمية وليست من اختصاص دولة ما فان هيئات الامم المتحدة هي الافضل للتخطيط لعلاجها وايجاد وتطبيق الحلول المممكنة. وهذا ما بدء بالفعل منذ العام 1992 عندما اقرت الامم المتحدة “الاتفاقية الاطارية” التي تعتبر مؤتمراتها السنوية منصة للمفاوضات على المستوى العالمي لخفض انبعاث الغازات الضارة في الغلاف الجوي كخطوة تنفيذية للاتفاقية الاطارية. الخفض يمكن ان يتم بوسائل متعددة منها توفير الطاقة واستعمال الطاقة البديلة للبترول والغاز والفحم، كالطاقة الشمسية والمائية وطاقة الرياح، وحماية الغابات من التوسع الزراعي والعمراني، والحد من الصناعات العسكرية التي تنتج كميات كبيرة من غاز الكربون، واستخدام تنقيات متطورة على مداخن المصانع، واعتماد وسائل النقل الجماعية، وفرض الضرائب والغرامات على اكبر منتجي الانبعاثات الكربونية لاستخدامها في التحول للبدائل، والتركيز قدر الامكان على الصناعات المراعية للبيئة، ووسائل اخرى. وبالمناسبة فان اميركا برئاسة جورج دبليو بوش رفضت تصديق الاتفاقية بحجة اضرارها بالاقتصاد الاميركي، وكونها لم تضم المراكز السكانية الرئيسية في العالم مثل الصين والهند.

وتلا ذلك اتفاق مؤتمر باريس للمناخ 2015 الذي صدق عليه من قبل 195 وفدا والذي وافقت عليه اميركا بعهد اوباما كاكبر بلد ناشر للغازات الى جانب الصين، ثم انسحب منه الرئيس ترامب لكونه ممثلا لجماعات ضغط الشركات الصناعية الكبرى الاميركية وشركات استخراج النفط التي تعارض اي اجراء للحد من الانبعاث يؤثر على نسبة ارباحها. وهي المعارضة اجمالا لاي حلول توضع محليا أو دوليا للتقليل من الآثار الكارثية للظاهرة.

على الابواب حاليا “مؤتمر غلاسكو للتغيير المناخي” في اسكتلندا اوائل نوفمبر القادم حيث مطلوب من الدول المشاركة المزيد من الالتزام والتعهد بالتقليل من الانبعاثات الكربونية تمهيدا للقضاء عليها كليا بحلول العام 2050 كما تعهدت بذلك معظم الدول الصناعية الكبرى. وتقديم الدعم للبلدان المتخلفة لتستطيع ان تطبق سياسات تخفيض الانبعاث الحراري. اهمية قمة غلاسكو COP26 ليس فقط لانها ستضم حوالي 200 من قادة العالم وآلاف المندوبين، ولكن بالدرجة الاولى لكونها قمة تأتي في لحظة حاسمة ، حيث يقدر العلماء ان العقد القادم خلال العشر سنوات القادمة سيكون الفرصة الاخيرة لاجراء تخفيضات جذرية في انبعاثات الكربون، فاذا لم يتم ذلك وارتفعت درجة حرارة الارض فلن يكون هناك فرصة اخرى متاحة، اي انه لا رجعة فيها.  بدون تعهدات جذرية فان ذلك يعني ترك الكوكب لمصيره وتعريض العالم والبشر عموما للكوارث الاكيدة القادمة.

من هنا تأتي اهمية المظاهرات والمسيرات والوقفات التي يقوم بها النشطاء في كل مكان من العالم لحشد الرأي العام العالمي دعما لخطط المؤتمر لحماية الحياة والحفاظ على الكوكب، بالضغط على الحكومات للالتزام في المؤتمر ببرامج تغيير توقف التدهور، مع ايجاد وسيلة لمحاسبة من لم يلتزموا بما تعهدوا فيه ضمن خطط المؤتمر. بالاضافة لتسليط الضوء على ما تقوم به لوبيات الوقود الاحفوري والصناعات الكبرى الملوثة للفضاء في محاولة لافشال اية خطط جدية لمواجهة التغيير المناخي. والضغط على الحكومات لتتبع دول الاتحاد الاوروبي في اعلانه لحالة الطوارئ المناخية والبيئية لتسليط الجهود على مواجهة الكوارث القادمة.

وبحكم الترابط العالمي السائد في مختلف القضايا التي تهم الانسان، فمصير الكوكب قضية واضحة من حيث اهميتها للجميع ولكونها لا تحل الا بمشاركة الجميع، فالنشطاء هنا ليس فقط من الدول الصناعية والمتقدمة حيث اصبح النضال لحماية الكوكب هدفا لاحزاب ومنظمات مجتمع مدني مختصة بالسعي لصفقات خضراء توقف التدهور، بل ما هو مطلوب ان يتحول النشطاء في البلدان المتخلفة او ضعيفة التصنيع ومنها العربية والاسلامية والافريقية الى مشاركين فعالين من اجل مستقبلهم ومستقبل اولادهم الى جانب نضالهم للمزيد من التنمية الاقتصادية والمجتمعية ولحرياتهم وحقوقهم الانسانية.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top