لقاءات

“مركب حلم يبحر ولا ينبل”

حوار مع الفنانة سهير شقير

“لصوتها شهوة القرميد فإذا ما غنت أصبحت بيوتنا مسقوفة” بهذا الوصف يحاكي أحد الشعراء صوتها، سهير شقير صاحبة الصوت الآسر والشجي؛ صوت لا يمكن أن تسمعه على عجالة، لأنه سيأخذك للأعماق أو يحلق بك عالياً، يمسك بتلابيب القلب ويلامس جدران الروح.
الفنانة سهير شقير التي وصلت السويد قبل ست سنوات في رحلة شاقة حاذت فيها الموت مراراً كآلاف السوريين، تحاول التأقلم في بلاد المهجر، وتعاود عيش حلمها الموسيقي الذي تعثر في محطات كثيرة، تصدر مؤخراً مجموعة غنائية جديدة ومصورة بمرافقة فرقة سويدية، تضم المجموعة أغنيات من تأليفها نصاً ولحناً، بالإضافة إلى أغنية من تأليف وتلحين شقيقها الفنان الكبير سميح شقير.
وبمناسبة هذا الإصدار الجديد كان لنا هذا الحديث حول مجمل تجربتها الفنية والإنسانية:

هل تجدين أن مسيرتك الفنية سارت بمسارها الطبيعي كفنانة تمتلك صوتاً ساحراً وموهبة متميزة؟

على العكس تماماً، مسيرتي الفنية كانت متعثرة لسنوات طويلة ولعديد من الأسباب، إن كنت سأذكر بعضاً منها فلا بد أن أبدأ بالذائقة الفنية المتردية التي سيطرت على نهج ثقافي فني كامل، وشارك في هذا التردي كل من استسهل العمل الفني واتجه به نحو مسارات لا تساهم بترقية الذائقة الفنية لدى الشريحة الأوسع من الجمهور. وسبب آخر هو عدم نمطية ما أقدمه، واعتبار هذا النمط الفني حكراً على النخبة، وهذا الأمر يحمل حدي سكين؛ فهو جارح في كلا الحالتين.
من الأسباب أيضاً أنني كنت أغنى مع شقيقي الفنان سميح شقير لسنوات طوال، وهذا ما وضع تلك التجربة الغنائية برمتها بين قوسين دائماً، ولطالما ضاقت تلك الأقواس علينا لأسباب كثيرة لا أودّ الخوض فيها، لكن كل من يمتلك ذاكرة لتجربة سميح شقير منذ انطلاقتها في الثمانينات وحتى هذه اللحظة لا بد أن يدرك الكثير من تلك الأسباب.

ربما اختلفت ظروف البلد والمجتمع في السنوات الأخيرة، لكن تبدو ظروفك خاصة حتى مما قبل الثورة، هل أنت الآن أو كنت جزء من المشهد الفني السوري؟ هل لك أصدقاء “من الوسط”، وهل فعلاً قامت التوجهات السياسية والفكرية بفرز الفنانين حتى قبل الثورة؟

سألتني أكثر من سؤال بسؤال واحد، سأحاول الإيجاز، عن الظرف الفني ما قبل الثورة أو هل كنت جزءاً من المشهد الفني السوري أظن أنني كنت ضمن هذا المشهد، ولكن بكثير من التحفظ، فأنا كنت ضمن تجربة فنية ما كان بالإمكان تهميشها، وبالتالي أخذت هذا المكان بكثير من الحذر والخصوصية إن جاز لي التعبير.
أما عن الأصدقاء من الوسط الفني، فنعم، حظيت بالكثير من العلاقات الودية مع معظم من ينتمون للوسط الفني وبأقل ما يمكن من البروباغاندا، على عكس ما يفعله معظم المنخرطين بهذا الوسط في أيامنا هذه.
أما حول سؤالك هل فعلاً قامت التوجهات السياسية والفكرية بفرز الفنانين حتى قبل الثورة، فنعم بالتأكيد، وهذا الفرز وإن بدا واضحاً جداً بعد الثورة، إلا أنه كان موجوداً وبطريقة مستفزة، ومن هذه النقطة بالذات برزت الشللية أو التكتلات الفنية والمحسوبيات، والكثير من المطبات التي نعلمها جميعاً، ولطالما تناولناها حتى في الدراما.

نادراً ما ينجح شخصان موهوبان من نفس العائلة، لكن أثبتت سهير من أول ظهور لها على مسرح الحمراء بدمشق أن لها حضوراً وشخصية فنية مستقلة بجانب الرائع سميح، كيف تقيمين تجربتك الفنية بجانب سميح أو بدونه؟

الحديث عن تجربتي مع سميح حديث يطول، ففيها كانت البدايات التي شكلتني تماماً فنياً وصقلتني وشكلت ذائقتي ووعيي الفني، إلا أني لم أقدم فيها ما كان يجب أن يقدم. وأقصد هنا كثافة الأعمال أو كثافة الظهور على المسرح أو التسجيلات الصوتية، وذلك لكثرة المعوقات، منها اللوجستية ومنها الشخصية والعامة، لكنها بدون شك كانت تجربة ثمينة إلى الحد الأقصى، وهي التي أكسبتني هذا الشكل الفني الذي أظهر به اليوم.

الغناء في ظل الاستبداد.. الغناء في ظل الحرية..
طالما رسم الفن أحلامنا في أوطاننا الحرة وكان جناحنا للتحليق في ظل الاستبداد، كيف يكون الغناء والإبداع في بلاد الحريات؟ حدثينا عن تجربتك في الألبوم الأخير.



الغناء في ظل الاستبداد قاد صوتي ليظهر ما في روحي من ألم، ولربما وبحسب رأيي أكثر ما يميز المغني إحساسه العالي والعميق بالكلمة، وقدرته على تجسيد هذه المشاعر، وبالتالي بقدر ما أبعد الاستبداد أرواحنا عن الفرح إلا أنه بذات الوقت حفر بئراً من ألم لا زلنا نشرب منه إلى اللحظة، حتى وأن كنا في بلاد الحريات، للألم ذاكرة لا تنسى.
هنا في بلاد المهجر والمهجرين سقف الحلم أعلى والتحليق أبعد. لكنني لازلت أحمّل كل أغنياتي وصوتي ذلك الحزن العالق على حواف الوجدان، ولا قدرة لي على تخطيه إلى اللحظة، مع أنى أؤمن بأننا يجب أن نغني للفرح والحياة والحرية وكل ما هو جميل، لكنها الذاكرة تشد صوتي لقعر ذاك البئر مجدداً.

مثل آلاف السوريين كان لسهير رحلة شاقة مع اللجوء.. حدثينا عنها..

أما عن رحلتي إلى أوروبا فهي على الرغم من قسوتها ومحاذاة الموت مراراً وتكراراً، لكنها ليست إلا حصتي من الألم السوري العظيم، وليست إلا نذراً يسيراً مما تعرض له شعب كامل من كل صنوف الألم والفقد، وها أنا أعيش في السويد منذ ست سنوات خلت، ومستمرة بمحاولات تذليل الصعوبات اليومية والحياتية هنا، والتي أقل ما أسميها بأنها صراع يتلوه صراع لإثبات الذات.

كان لك تجربة في الإعلام في الخليج العربي، كيف يمكنك وصفها أو تلخيصها؟

بدأت كإعلامية في الإمارات منذ أكثر من 17 عاماً، بدأت كمذيعة إذاعية، ثم مذيعة أخبار، ثم معدّة برامج تلفزيونية، ثم عملت في الإنتاج في تلفزيون أبو ظبي، كانت تجربة ممتعة وهامة مهنياً، لكني خلالها تراجعت بشكل كبير عن الغناء لوقت طويل، لكثرة انشغالي في العمل الإعلامي. ومع أن خروجي من الإمارات كان قسرياً إلى حدّ كبير بعد الثورة بسبب موقفي من الكارثة الإنسانية التي ألمت بالشعب السوري، إلا أنني تنفست الصعداء حين وصلت إلى السويد، وعدت مجدداً إلى صوتي وهاجسي وحلمي الذي يفقدني النوم الهادئ في معظم لياليّ.

منذ انطلاقك، نفهم غيابك (أو تغييبك) عن تلفزيونات وإذاعات الأنظمة العربية، والآن بعد الربيع العربي لم يختلف حال ظهورك كثيراً. كيف نفسر ذلك؟

نحن في زمن الميديا، وللميديا أدواتها ومنافذها ومفاتيحها، ووجود مؤسسة داعمة أو جهة ما تقوم بذلك الجهد عني هو أمر ضروري للتكثيف من هذا الظهور. لكن هذا الموضوع يأتي بالتراكم، سيما هنا في أوروبا، وهذا ما أحاول فعله حالياً.
وسبب أخر يحضرني الآن، أو هو ربما سرّ أودّ إفشاءه، هو أنني كسولة جداً بكل ما يتعلق بالظهور في الميديا، ولا أعتبره ضرورة مع أنه كذلك، ولا أبذل الجهد الحقيقي لتدارك هذه الفجوة. ولكن ربما هذا ما يكسبني الوقت والتركيز أكثر حالياً لحياكة أغانٍ جديدة بنصها ولحنها، ومتابعة الموزع وركوب القطارات من مدينة لأخرى للقاء موسيقيين رائعين، والحديث الطويل عن الموسيقى، وفرد أرواحنا على السلم الموسيقي، والقبض على لحظات فرح حقيقي بعد اكتمال كل عمل.

للاستماع ومشاهدة المجموعة الغنائية الجديدة لسهير أضغط هنا

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top