مقالات رأي

لا شفاء لهذه النازفة!

اللوحة للفنان هاني عبّاس

عبد الله شاهين

“كانَتِ امْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَشْفِيَهَا. دَنَتْ مِنْ وَرَاءِ يَسُوع، وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ، وَفَجأَةً وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا. فَقَالَ يَسُوع: “مَنْ لَمَسَنِي؟”. وَأَنْكَرَ الـجَمِيع. فَقَالَ بُطْرُسُ وَمَنْ مَعَهُ: “يا مُعَلِّم، إِنَّ الـجُمُوعَ يَزْحَمُونَكَ وَيُضَايِقُونَكَ!”. َقَالَ يَسُوع: “إِنَّ واحِدًا قَدْ لَمَسَنِي! فَإنِّي عَرَفْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي!”.وَرَأَتِ الـمَرْأَةُ أَنَّ أَمْرَها لَمْ يَخْفَ عَلَيه، فَدَنَتْ مُرْتَعِدَةً وارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيه، وَأَعْلَنَتْ أَمَامَ الشَّعْبِ كُلِّهِ لِماذَا لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ شُفِيَتْ لِلْحَال. فَقَالَ لَهَا يَسُوع: “يا ابْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام”
انجيل لوقا 8: 43

“تعا ودعو يا حوينتو.. آخر أيامو المشمش”.. لم تكن نداءات الباعة وقتئذ إعلاناً لقرب نهاية الصيف فحسب، بل كانت إشارة البدء في حزم المتاع والسفر نحو العام الدراسي الجديد. بالرغم من العقود التي باتت تفصل ذاكرتي عن صيف سوريا، تبقى نسمات المساء عند الغروب تثير فيّ ذلك الوجد والحنين. مهما حاولت كبت تلك الذكريات، فإنها تظل تتسلل إلى أحلامي. موسم المشمش الذي أعشق، وسهرات البلكون، وعشرات مواكب الأعراس. كانت سوريا مرتبطة بالصيف ارتباطه بموسم المشمش في ذاكرة ذلك الطفل ربيب الغربة؛ فباقي الشهور كنت أقضيها في حرّ مماثل، لكن دون صيف ولا نسمات ولا سهرات بلكون. فقط وجد وحنين!

إلا أن سوريا الخريف كان لها أن تلتقي بذكريات ذلك المراهق عام 1996، حين انتقلنا من الخليج وسكنّا في حمص لمدة عامين. انضممت فيها إلى صفوف الرفاق في شبيبة البؤس في سوريا حافظ الأسد آنذاك. من بين أربعين شقياً في الشعبة الثانية في الصف العاشر، كنت أنا ومغترب آخر نكتشف ذلك الفصل البائس للمرة الأولى. ميَّزَنا طولنا الفارع عن باقي أقراننا، وبعض الشحم الذي تمكّنت المسيرات واحتفالات الحزب الخمسينية من نحته أخيراً. في مدرسة تعداد طلابها تجاوز الثلاثمئة كان عدد من عاشوا تجربة الاغتراب لا يتجاوز عدد الأصابع. مدرستنا كانت مجاورة للأحياء الراقية، وكنا بصحبة أولاد أكبر عائلات حمص وأشهرها. كان اثنان من أبناء صفي ممن أسماؤهم كانت أسماء شوارع أو معالم في المدينة؛ كونهم كانوا سميي أجدادهم الذين كانوا من أعلام المدينة.

لم تكن ظاهرة الاغتراب عن السوريين في تلك الفترة بالغريبة، بل عجّت بنا مدن الخليج آنذاك. لكن مفهوم الاغتراب للكثيرين من أبناء صفي وقتها كان مستهجناً. فلم يكن من المنطقي أن يذهب المرء طواعية إلى أماكن تهان فيها كرامته ويحرم من حقه بالمواطنة مقابل المال. مفهوم لا شك سطحي ومجحف في التبسيط، ويهمل عشرات الأسباب التي كانت تدفع ملايين السوريين إلى المنفى آنذاك. ظللنا ضحية نكتة “شحادي الخليج” السمجة آنذاك، بالرغم من أننا كنا أفضل حالاً من الناحية المادية من الكثير من أهالي أولئك الرفاق.

ما علينا.. على كل فقد كانت فكرة ترك البلد عند هؤلاء الشباب مرفوضة جملة وتفصيلاً؛ فنار البلد خير من جنة النفطيين كما ظلوا يرددون.
أتممت دراستي الجامعية عام 2006، وكنت وقتها قد عدت إلى وضعية عابر السبيل الصيفي في سوريا. وكان خط رحلتي لا شك هو المزيد من الاغتراب. كزدورات شارع الملعب بحمص كانت ملتقانا من جديد نحن أولاد الشعبة الثانية في ثانوية عبد الحميد الزهراوي. عشر سنوات فصلت بين أحلام المراهقين وواقعهم. من أصل أولئك الأربعين، كان نصيب الخليج منهم ثمانية عشرة. وكانت أمريكا وأوروبا قد ابتلعتا خمسة آخرين. ومن بقي ظل هو الآخر مشروع مغترب مؤجلاً.

سوريا الأسدين تحولت في تلك الفترة الوجيزة إلى ماكينة احترافية في تصدير الشباب إلى العالم. منهم من سلك هذا المسلك بدافع التخلص من الخدمة العسكرية الإلزامية ودفع البدل النقدي، ومنهم من تصالح مع واقع أن البحبوحة التي نشأ في كنفها لم تكن لتسعه هو وإخوته، فكان على أبناء العائلات الميسورة أيضاً أن يختاروا لقمة العيش على الكرامة وينضموا إلينا (معشر الصيفيين).
في آخر بحث لي على الفيسبوك -قبل أن أعتزله- في عام 2018، ارتفع عدد (أسرى الخليج) من صفّ الأشقياء في ثانوية الزهراوي إلى 22 وخسرت أوروبا واحداً عاد إلى “حضن الوطن”، بينما اكتسبت خمسة غيره. وتركيا صارت مسكن خمسة آخرين. وبقي أربعة صامدون، أو يخيل إلينا أنهم كذلك، وليس منهم أي من أسماء المعالم الحمصيّة.
يسميها الغرب “نزيف العقول”، لكنها لسوريا كانت نزيف الحياة؛ نزيف سال قبل أن يكمل الأسد الابن طعنته في القلب بعقد من الزمن. أما لنا فكانت النجاة قبل الآزفة بقليل، أو من بين أيديها.
لم تكن سوريا الأسد بحاجة لشبابها. بل كانت تطرب وهي تتخلص من أحمالها. كانت أسهل الأوراق التي استصدرتها عام 2008 هي تأشيرة السفر التي صدرت خلال نصف ساعة، بينما استغرقت معادلة الشهادة عامين رغم أنني مسجل تحت الإشرافّ!
لقد بدأ التهجير القسري قبل الثورة السورية بسنوات. وبينما أمعنت الحرب والقصف والبراميل في تهجيرنا، إلا أنها كانت مجرد استكمال لما أراده السفاح الصغير، وهو أن تشيخ البلد وتنوب إليه وحده، فيستحكمها أبداً آخر.

اليوم وأنا أرى صور أصدقائي اللبنانيين يتصورون بجانب حقائبهم في مطار بيروت مودعين وطنهم دون حرب ولا براميل، لا أستطيع إلا أن أتساءل: أكان يصمد منا أكثر من 4 بكل الأحوال في حضن هذه العجوز النازفة؟!

43 Comments

43 Comments

  1. Omwbhl

    8 يناير,2024 at 1:42 م

    how long do antihistamines take to work allergy medication better than allegra is claritin stronger than benadryl

  2. Tvdhym

    15 يناير,2024 at 5:23 ص

    nsaid with least stomach problems zyloprim 100mg uk

  3. Pokavo

    16 يناير,2024 at 1:32 ص

    order accutane pills generic isotretinoin 10mg accutane over the counter

  4. Txmksl

    18 يناير,2024 at 6:45 ص

    amoxil 500mg uk order amoxil 500mg online oral amoxil 500mg

  5. Nqyafh

    18 يناير,2024 at 10:28 ص

    sleeping pills online order melatonin 3mg canada

  6. Nssybo

    19 يناير,2024 at 8:15 م

    cheap azithromycin azithromycin pills brand azithromycin 500mg

  7. Ijzccd

    20 يناير,2024 at 3:10 ص

    gabapentin 100mg without prescription gabapentin 800mg price

  8. Amuiud

    21 يناير,2024 at 12:33 م

    buy azipro 250mg generic order generic azithromycin 500mg brand azithromycin 500mg

  9. Ynztzs

    21 يناير,2024 at 9:38 م

    buy furosemide generic order lasix 40mg sale

  10. Iulivi

    23 يناير,2024 at 2:11 ص

    omnacortil 40mg oral order prednisolone pills prednisolone buy online

  11. Ybncxf

    25 يناير,2024 at 12:51 ص

    amoxicillin 500mg ca amoxicillin us order amoxil sale

  12. Hlnnev

    25 يناير,2024 at 6:23 م

    order doxycycline 200mg buy vibra-tabs online cheap

  13. Mkxxtj

    27 يناير,2024 at 12:39 ص

    order albuterol 4mg pills purchase albuterol online buy generic ventolin online

  14. Xxcoxk

    27 يناير,2024 at 10:56 م

    order augmentin 625mg online amoxiclav buy online

  15. Leptbe

    28 يناير,2024 at 10:38 م

    synthroid 75mcg drug buy synthroid pill buy generic levothyroxine

  16. Aagxqc

    29 يناير,2024 at 9:16 ص

    levitra generic order vardenafil 10mg sale

  17. Vocbci

    30 يناير,2024 at 3:35 ص

    oral clomiphene 50mg order clomiphene 100mg pills clomid order

  18. Goinzb

    31 يناير,2024 at 6:08 ص

    tizanidine sale tizanidine 2mg cheap buy tizanidine 2mg without prescription

  19. Vqxnhf

    31 يناير,2024 at 11:39 م

    brand semaglutide 14 mg order semaglutide 14 mg pill semaglutide pills

  20. Kzymmw

    1 فبراير,2024 at 6:32 م

    buy deltasone 40mg generic oral prednisone buy deltasone 5mg online

  21. Rfvofg

    4 فبراير,2024 at 6:37 م

    generic ventolin 4mg order albuterol 2mg inhaler ventolin 4mg uk

  22. Igqjxi

    5 فبراير,2024 at 1:59 ص

    amoxicillin 500mg uk cost amoxicillin 250mg buy amoxicillin pill

  23. Ogyfpu

    6 فبراير,2024 at 10:51 ص

    order augmentin 625mg pill clavulanate brand augmentin canada

  24. Jolzxm

    6 فبراير,2024 at 5:41 م

    buy zithromax without a prescription buy zithromax without a prescription azithromycin 250mg without prescription

  25. Nxbatq

    8 فبراير,2024 at 3:44 ص

    synthroid 100mcg without prescription buy synthroid 100mcg sale buy levothyroxine without a prescription

  26. Qkrjts

    8 فبراير,2024 at 10:02 ص

    prednisolone 20mg uk order prednisolone 5mg for sale omnacortil 10mg cost

  27. Szpiegowskie Telefonu

    9 فبراير,2024 at 5:38 ص

    Dzięki programowi monitorowania rodziców rodzice mogą zwracać uwagę na czynności wykonywane przez ich dzieci na telefonie komórkowym oraz łatwiej i wygodniej monitorować wiadomości WhatsApp. Aplikacja działa cicho w tle urządzenia docelowego, nagrywając wiadomości konwersacyjne, emotikony, pliki multimedialne, zdjęcia i filmy. Dotyczy każdego urządzenia z systemem Android i iOS. https://www.xtmove.com/pl/how-to-track-and-read-someones-whatsapp-messages-calls-location/

  28. Cqcmyb

    9 فبراير,2024 at 7:37 م

    buy clomid 50mg pills clomiphene without prescription buy clomid 50mg generic

  29. Vkcgny

    10 فبراير,2024 at 12:53 ص

    cheap gabapentin pills purchase gabapentin generic gabapentin 100mg uk

  30. Oaxzcv

    11 فبراير,2024 at 3:29 م

    furosemide medication lasix pills buy furosemide online diuretic

  31. Vzetwo

    13 فبراير,2024 at 5:41 ص

    acticlate for sale order generic doxycycline 200mg order vibra-tabs online

  32. Tbcqit

    14 فبراير,2024 at 11:24 ص

    free casino slots play for real online casino games online casino real money us

  33. Nlghuo

    15 فبراير,2024 at 7:15 م

    pregabalin 150mg cost pregabalin 75mg drug purchase pregabalin without prescription

  34. CxufDyelo

    15 فبراير,2024 at 11:50 م

  35. Qmkuur

    17 فبراير,2024 at 1:58 ص

    brand triamcinolone aristocort online triamcinolone 4mg without prescription

  36. Qdgjto

    17 فبراير,2024 at 7:17 م

    cost tadalafil 5mg tadalafil 40mg canada cialis 10mg ca

  37. Ogjfjs

    18 فبراير,2024 at 8:06 ص

    clarinex us desloratadine medication desloratadine over the counter

  38. ChwbDyelo

    19 فبراير,2024 at 5:21 م

  39. Tlqmpj

    19 فبراير,2024 at 10:03 م

    order loratadine 10mg sale claritin pills buy cheap generic claritin

  40. Wfgfke

    21 فبراير,2024 at 4:36 ص

    dapoxetine 60mg brand oral dapoxetine 60mg order cytotec pill

  41. KthAgott

    22 فبراير,2024 at 5:24 م

  42. SyhkBlace

    23 فبراير,2024 at 3:01 ص

  43. XthfSwore

    23 فبراير,2024 at 9:50 ص

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top