ثقافة

عزازيل بَدءٌ مُفترض وانتهاءٌ مفتوح (جزء أول)

    أدهشني الروائيّ “يوسف زيدان” بروايته “عزازيل” إصدار دار “الشروق” 2008، مرّتين: مرّة وأنا أتحقّق من الوثيقة التاريخيّة التي تُعتَبرُ الرواية نقلاً لها، ثم تبيّن أنها وثيقةٌ افتراضية. وأُخرى عندما استطعت أنْ أُفكِّر كما فكّر بطل الرواية “هيبا” بالرغم من كونه شخصية افتراضية وأنا شخص موجود في الواقع. فبين الوثيقةِ، كواقعٍ تاريخيٍّ وقعَ وانتهى وبات حتمياً، وبين الافتراضِ، كخيالٍ مُبدعٍ قد يقع وقد لا يقع، وربما يسلك كلّ المسالك الممكنة احتمالياً، يُدوِّن “هيبا” ذاكرته؛ ما مرّ بها وأمامها. ويعيش القارئ مع “هيبا” ذكرياته وتناقضاته في زمن الرواية الدائريّ، ومكانها الشرقيّ المفعم بالقداسة التي يضفيها البشر من عندياتهم على أماكنهم، علّها تزيد من مكانتهم!

     وهنا تكمن عظمة الرواية! بأنها غير واقعيّة، بالرغم من الأحداث التاريخية، من جهة، ومن جهة أخرى، يمكن أنْ يفكِّر أي قارئ للرواية كما فكّر بطلها “هيبا” الافتراضيّ والعاديّ! وذلك على عكس كثير من الروايات التي تتكلم عن أبطالٍ لا يمكن تَمثُلها لفرادتها ومجازفتها وخارقيّتها. وبما أنَّ الرواية ليست عبارةً خبريّة، يمكن لنا الحكم عليها بالصواب والباطل كما يفعل النحويون والّلغويون، وليست قضيةً منطقيّة، يجوز الحكم بصدقها وكذبها كما يفعل المناطِقة، نجد رواية “عزازيل” جلسةَ تداعٍ حُرٍّ للاشعور “هيبا” واعترافاته. ففي الرواية تُكتب العبارة بدون رقابةٍ، كما يلفظها الطفل والمجنون والسكران والواقع تحت التخدير والمتكلم في نومه… بدون مُحرز الضوابط المنطقيّة والدينيّة والتاريخيّة والحضاريّة، المُحرزُ الذي استناداً إليه تُقوَّم الرواية من قبل الّلغويين والمناطقة والمشايخ والكهنة والمؤرخين والأطباء. وما هذا التقويم الدارج إلا من الاقتناع أنَّ الروايةَ واقعُ وقع، ولاسيّما أنَّ المؤلف أوقع القارئ باستيهامات وتخيلات بات لا يُفرِّق بينها وبين الواقع كما وقع.

     تَرسم ذاكرة الراهب “هيبا”، لوحات ماضيها وذكرياتها، وما مرّت به من مواقفٍ، بألوان الفرح والبهجة والإثارة والتشويق، والتعاسة والحزن والتناقضات الداخليّة العميقة، بلغةٍ أدبية من الطراز الرفيع، وتُدوِّن هذه الذاكرة تاريخها نفسه، وتكبته في صندوقٍ مُحكم الإغلاق للأجيال القادمة، وتخبئه تحت بلاطة جانب بوابة دير أنطاكيّ؛ لأنه لم يحن وقت الاعتراف بعد، ناقلةً بذلك، إلى الأجيال القادمة، اللاشعورَ إلى الشعور، والسريَّ إلى العلن، والمدفونَ تحت سابع أرض إلى ضوء الشمس.

     ولهذا، يمكن أنْ تكون الرواية موضوعاً لدراسة تنأى بنفسها عن المعايير المٌوصى بها أكاديمياً؛ لأنها الواقع والافتراض، الحقيقة والحلم، المعاناة والصبوة في آنٍ. وربما تبدو عملية النظر لرواية “عزازيل” من منظور التحليل النفسيّ غير ذات جدوى، ولكنها لن تبدو بلا مسوِّغ إذا ما نظرنا إليها من زاوية معيّنة. فالبطلُ يشهدُ مُنكمشاً قتل أبيه الوثنيّ الطيب على يد مجموعة مسيحيّة عندما كان في التاسعة من عمره بدون ردة فعل إلا انكفاءه. حتى أنَّه اعتنق المسيحيّة (دين قاتل الأب) بعمق وسعى إلى الرهبنة دون أنْ يُحمِّلها وزر جريمة قتل أبيه واكتفى بمسؤولية الجهلة من المسيحيين. هل عانى “عقدة أوديب” الفرويديّة؟ هل كان يرغب لا شعورياً بقتل أبيه ففضل أنْ تأتي بغير يديه للاستحواذ على زوجته/أمّه؟ وربما كان اعتناق دين قاتل أبيه تعبيراً عن رغبة الامتنان اللاشعوريّة للقاتل؛ لأنه قام بما كان على البطل القيام به… إنَّها حالة من التماهي مع دين قاتل الأب وزوج الأمّ، ومن العداوة المخصيّة معاً. ونجد مثل هذه الحالة الآن في التماهي مع حزب قاتل الأب وزوج الأمّ! وغابت عن البطل أنَّ من يقتل الأب يستحوذ على الزوجة أو الأم. فهل اشتهى البطل أمّه ولم يحصل عليها؟ وأيضاً يعرف “هيبا” بوشاية أمه المسيحيّة بأبيه فيغادرها كارهاً لها، ثم باكياً عليها عندما تزوجت من أحد الذين قتلوا أبيه. الكره والبكاء هو أقصى ما يفعله غالباً. بينما نجد حبيبته “أوكتافيا” الوثنيّة لم تتماهى مع دين قاتل زوجها وناصبته العداء، وكانت إيجابية ومبادرة حتى أنها طردت “هيبا” عندما عرفت أنَّه راهب مسيحي. ولم تخذل “هيباثيا” فقتلت دفاعاً عنها؛ قتلتها جماعة مسيحية وهي تدافع عن “هيباثيا” أثناء عملية سحلها. وكذلك يعاني البطل الكوابيس والأحلام الكثيرة ويعيش تناقضات نفسيّة متنوعة وغنيّة. فعلاقته بأمه المسيحيّة الواشيّة وأبيه الوثنيّ الطيب علاقة إشكاليّة طبعت حياته النفسيّة اللاحقة كما طبعت علاقته بالمرأة وبعزازيل وبالله. وهذه مسائل طالما خضعت للتحليلِ والتأويل النفسيّ. إذن، نقرأ عن بطلٍ لم يرتكب جريمة قتل الأب بيديه، فهناك من ارتكبها عنه، ولم يحظ بأمّه لأن القاتل تزوجها، وبقي له تأنيب الضمير والتدّوين فقط؛ لأنه خذل أبيه، وتأسس عنده خذلان متلاحق، وبكى أمّه وكرهها وافتقدها ليسقطها على “أوكتافيا” و”مرتا”، الامرأتين اللتين أحبهما بخصاء نفسيّ.

     “هيبا” شخصٌ يُسمّي نفسه بنفسه، ويُعمِّد نفسه بنفسه في سياق ولادة جديدة تدفن الماضي والذكريات، وتدفعه قُدماً في تصاريف الحياة والطريق إلى الله. كان له اسماً لانعرفه وربما يستعِرُّ منه، وإلهاً مسيحياً تُثار الشكوك الوثنيّة والهرطوقيّة والجدل البيزنطيّ حوله، وأسرة تتكون من أبيه الوثنيّ وأمه المسيحيّة وعمّه المسيحيّ وزوجة عمّه النوبيّة. فاختار، بلحظة هذيان، من اسم “هيبا” اسماً له، وهو اختصار لاسم “هيباثيا” الفيلسوفة الهلنستيّة والتي سماها الروائي “أستاذة كلّ الأزمان” و”شقيقة المسيح”، اتخذ الاسم في إشارة رمزيّة للتوفيق بين الوثنيّ والمسيحيّ، بين العقل والنقل، بين الدين والفلسفة. التوفيق الذي امتاز به “الخاصة” من العارفين والمتكلمين والفلاسفة في العصر الوسيط؛ فهو يأخذ من “هيباثيا” ما يوافق إيمانه القويم ويترك ما يخالفه، يشهد قتلها ولا يتدخل ويخذلها. عملياً يأخذ النصف ويترك النصف الاخر للذبول. ثم اختار كذلك المسيحيّة ديناً له والرهبنة والطبّ هدفاً يصبو إليه بالرغم من قتل جهلة المسيحيّة أبيه والزواج من أمّه. فهو شخصية الـ”بين بين” والعنّة الثقافيّة، وقد وصف نفسه يوماً بالقول: “لي تلك الصبوة، وليس لي ذاك الإقدام”! وأخيراً يأكل السمك مخالفاً وصية عمّه الذي رباه وأبعده عن الزواج وكان يعتبره “المُخلِّص”، ويتخلى عن فكرة العودة للديار لكي يعالج عمّه الذي كان سبباً في دراسته للطب واتخاذه من الرهبنة طريقاً. فيقتل عمّه نفسياً بالتخلي عنه!

     تتقاطع في شخصه الذكريات والأمكنة وتجعل تناقضاته منه شخصاً بلا مكانة؛ إنَّه في لا مكان الافتراض! إنَّه شخصٌ عاديّ غير خارق كما تعودنا في بعض الروايات على الشخص الخارق الحارق المتفجر، إنّه ضحية التوفيق، ضحية التعصب الدينيّ والوثنيّ على حد سواء. وما التعصب سوى الإلزام بالإيمان القويم كمعيارٍ للحكم والإدانة. وما التوفيق إلا اعتماد إيمان قويم باطنيّ! فنكون بالحالتين إزاء عملة واحدة بوجهين. يقول في الإهداء: “إلى آية… تلك يا ابنتي، آيتي، التي لم تُجعل للعالمين”! أي ما معناه أنَّ روايته للخاصة وفوق مستوى الناس العاديين، وهذا موقف باطنيّ يتعالى على العامة من البشر. ثم يقول:  مستشهدا بالحديث النبوي الشريف “لِكُلِّ امرئٍ شيطانه، حتى أنا، غير أنَّ الله أعانني عليه فأسلم”. الشيطان أسلم! إنَّ شيطانه أسلم في إشارة إلى الانتقال من المسيحية للإسلام، الإيمان القويم البديل. وهنا يستبدل إيمانا قويما بآخر قويم، ويستبدل الشيطان، وقد أسلم، بعزازيل اليهوديّ-المسيحيّ. أي، من الأرثوذكسية إلى السنّة والملّة الناجيّة بدون نسبيّة الإيمان وتاريخيته.

يتبع…

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى