ثقافة

“طرابيشي”: “فرّامة الكتب” المتمرّدة

من الولادة إلى الموت، يتصف مشوار الراحل جورج طرابيشي، بصفتين تصعيّديّتين بالمعنى “الفروّيديّ” وكأنه “مكبوتاً” يُعبِّر عن نفسه بالنوعية والكثرة والمفارقات؛ الصفة الأولى، أنَّه عاش كـ “فرّامة الكتب”، من حيث قراءة الكتب المتنوعة و”فرمها” فهماً وتحليلاً ونقداً وترجمة، ومن حيث إنتاج الكتب والكتابة، وهو يلازم قلمه بشكل أقرب إلى التصوّف كملازمة الظلّ لصاحبه. والصفة الثانية، روح التمرّد التي لازمته بمختلف أعماله ومؤلفاته وترجماته، حتى بات أقلّ ما يقال عن سيرورته الفكريّة وعنه: إنَّه “شقّ عصا الطاعة وفارق الجماعة”؛ طاعة السلطة السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، وابتعد وفارق نظرياً وسلوكياً ووجدانياً التقليد والجماعة/القطيع وإحدث قطيعة إبيستمولوجيّة معهما.

لقد خرج طرابيشي من الأمْثَلة والتقديس، ومن زيف الأدلجة والوهم وعباءتهما، بعد أنْ ابتلى بهما بفترات مختلفة؛ لقدرته على تجاوز ذاته. وعن تمرده بهذا الشكل، وهرطقته ومفارقته للجماعة/القطيع، قال هذا “المهرطق” الكبير يوماً: “كثيراً ما تساءلت لماذا يغلي في دمي حبّ الهرطقة؟ إذا لم تكن مهرطقاً فهذا يعني أنّك كاتب امتثاليّ تكرِّر ما تقوله الجماعة لا أكثر ولا أقلّ…”.

وكونه سوريّاً انتظر السوريّون رأيه في المأساة الواقعة فآثر الصمت بعد مقالين كتبهما في بداية “الربيع العربيّ”. فأتى موته في زمن التمرّد السوريّ الكبير، صامتاً و”خائباً”؛ لأنَّ “سوريّة لن تعود كما عرفناها” كما يقول. فهو ابن الخيبة من ثورات سابقة، كما هو ابن الأمل الذي فتح الأفق للعرب مع “الربيع العربيّ”. فكان موته كجسد موتاً صغيراً على هامش موت سوريّة الكبير، وتاريخه الشخصيّ تاريخاً صغيراً على هامش تاريخ سوريّة الكبير. ولكن تراثه المكتوب لا يموت ويبقى طويلاً في دائرة النقد والاقتباس والتعلم والإرشاد.

عاش طرابيشي مسارات فكريّة وثقافيّة متعدّدة ومتنوّعة فصهرها في فكره المتمرّد. ولم تكن معايشته للأفكار برانيّة وترفاً فكريّاً، بل كانت معايشة جوانيّة ووجوديّة تحدِّد في كل مرحلة ومع كل اختلاف خياراته وطريقة تفكيره وسلوكه. فعاش وجودياً مشوار ترجمة فرويد و”التحليل النفسيّ”، واستخدام منهجه وطريقته في التحليل، ومن ثم رؤية الأدب والثقافة والمثقفين بواسطته. وعاش مع الأدب فتذوّقه ونقده وحلّله نفسياً فأنتج “رواية” على الرواية؛ “رواية جديدة” على بعض الروايات التي قام بتحليلها بمنهج فرويد. وعاش مع “الماركسيّة” وترجمتها والتفكير بواسطتها وتبنيها والانقضاض عليها. وبالفلسفة كمعاجم وتاريخ وفلاسفة ومذاهب فلسفيّة كالهيغلية والماركسية والوجودية… ومع الدين والتراث الإسلامي بشقّيه السنيّ والشيعيّ ومع الدين المسيحيّ واليهوديّ… ومع العَلمانية والقومية والديمقراطية… حتى بات مرجعاً لطالبي الثقافة والفكر عموماً.

هل هو ماركسيّ؟! وجوديّ؟! فروّيديّ؟! قوميّ؟! ثوريّ؟! تراثيّ…؟! هو كلّ هذا معاً وليس هو في آن؛ وذلك بفضل روحه المتمرّدة. لقد عاش حالة التراكب بين الشيء ونقيضه في آن. فقال تمرده في ترجماته وفي مؤلفاته، كـ”مهرطق” يتمرّد على نفسه وأسرته وملّته وطائفته ومجتمعه…

ترجم فرويد وأكدّ على جريمة قتل الأب النفسيَّة، وعلى الجنسيّة عند الأطفال في مجتمع ذكوري يقدِّس الأب ويبرئ الطفل من الرغبات الجنسيّة. وأرى أنَّه “ارتكب جريمة قتل الأب ثلاث مرات على الأقل”؛ مرة بقتل أبيه الحقيقي نفسياً والتصالح معه والانسجام مع نفسه، ومرة بقتل “أبيه” الفكريّ/السياسيّ وأستاذه ياسين الحافظ، ومرة بقتل “أبيه” الفلسفي/التراثي والأبستمولوجيّ محمد عابد الجابري الذي كان طرابيشي يعتبره “شمساً” ويعتبر نفسه “فلكاً” يدور حول هذه الشمس.

واعتبر طرابيشي مع فرويد في “مستقبل وهم” و”قلق في الحضارة” الدينَ وهماً وهذياناً في ثوريّة تجاوزت ثوريّة ماركس القائل: “الدين أفيون الشعوب” أي مخدرها. والفرق كبير بين فهم الدين كوهم، وهو فهم فلسفيّ في ماهية الدين، وبين فهم الدين كمُخدِّر، وهو فهم إجرائي في وظيفة الدين. وكان أول من ترجم إلى العربيّة تروتسكي، المنبوذ عربياً وماركسياً والمتهم “ستالينياً”، ناهيك عن ترجمة غرامشي وروزا لوكسمبورغ…

طرابيشي الذي “خان” قضايا كثيرة وتجاوزها بالمعنى “الهيغليّ”، وأحياناً كثيرة كانت “خيانته” مزدوجة عندما ترجم “من لغة على لغة” كما يقول، ظل أميناً حتى النفَس الأخير للوعي وللعقلانية وللحداثة وللعَلمانية ولقضيتي المرأة والأقليات والدور الحاسم لهذه القضايا/المسائل معاً في تقدم العرب وتقدم مجتمعاتهم. فأعلن الحرب/النقد، التي يجب ويمكن كسبها على الدوام، بلا هوادة على اللاعقلانية، ومارس يومياً نقداً جذريّاً للتأخر العربيّ وللفوات التاريخيّ وللمعجزة وللعقل المستقيل وللتزوير حتى نحيى الحقيقة ونمارسها.

إلى الكاتب/المحارب الذي ترجّل أخيراً بعد هذا الإنتاج الضخم والمعارك العديدة التي خاضها والمفارقات التي أحدثها أقول: لروحك السلام. وإنَّ عزائي في موته، وربما عزاءنا جميعاً، يكمن في تمرّده المكتوب الذي أضفى معنى على عبثية هذه الدنيا ومحالها. فوداعاً “جورج طرابيشي” لقد أحدثت فرقاً. وسيكون موتك ككاتب ولادة لقارئ وقراءات مفتوحة.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top