مقالات رأي

شبح التقسيم / شوكت غرز الدين

475785

  يطارد “شبح التقسيم” غالبية افراد الشعب السوري وقواه السياسية. ويحضر في “لاشعورهم السياسي”، حضوراً فاعلاً، يتسم بخليط من مشاعر الحسرة على وحدة مزعومة ماضية فُقِدت من جهة أولى، ومشاعر القلق من احتمال وقوع التقسيم مستقبلاً من جهة ثانية. والمصيبة الكبرى هي غياب العمل على إرادة السوريين واستناداً إليها؛ لإبعاد هذا الشبح بتحقيق الحرية والكرامة للسوريين فرداً فردا، والإعلاء من شأنهم كبشر بالدرجة الأولى. 

  فنلقى، على الطالع والنازل، سلوكاً سياسياً، يتجسَّد بالتحليلات والمواقف والاصطفافات، سلوكاً “يُصعِّد” من قلق التقسيم والتحسر على الماضي وندْب الحظ، كانفلاتٍ “لرغبة مكبوتة” بالحرية/الكرامة. للدرجة التي بات السوري يفاضِّل فيها، بين الإبقاء على الوحدة الجغرافية لسوريا ما بعد الاستقلال، وبين حياة السوريين ووجودهم العبثي؛ إنه يضحي بالحياة لصالح الوحدة فأية مصيبة هذه! أو يفضِّل التقسيم استسهالاً، لا للحفاظ على حياة السوريين فهذا ليس بالحسبان؛ بل بمعنى انعدام الخيارات والحلول المشروطة بنسبة موازين القوى.

   كان لمأزق عدم تطابق الحدِّ الجغرافي مع المكوِّن الاجتماعي/السياسي، وهو عدم تطابق أنتجه التاريخ في مُتّحدِنا السوري، الدور الأساس في تكوين وتهيئة الأرض البكر لنمو شبح التقسيم. وأصبحنا كسوريين في حالة عدم الاندماج وعدم الانقسام. وساهم احتكار الدولة، القائمة بالفعل، للقوة والثروة والمعرفة، وعدم حيادها تجاه المكونات الاجتماعية/السياسية في إنتاج حالة “التساكن الوطني” وتراجع “الاندماج الوطني” بين مختلف المكونات الاجتماعية/السياسية غير المتطابقة مع حدها الجغرافي. ناهيك عن الأطروحات البديلة لواقع “التقسيم” القائم والكامن في البنى الاجتماعية. وهذه مسائل يمكن توصيفها بالعوامل والعلاقات الداخلية المتعلقة بشبح التقسيم.

  حفظ السوريون جيداً وعانوا من مقولة قوى الاستعمار الأوروبي “فَرق تَسُد”؛ التي اشتغلت على تقسيم الآخر/العدو، واعتبرت تقسيمه قوة وسيادة لهذه القوى. ودفع السوريون ثمناً باهظاً من أمنهم واستقرارهم وحياتهم حتى ارتبط التقدم عندهم بالوحدة نقيض التقسيم. وهذه مسألة ثانية مجدولة على المسألة الأولى؛ فالسوريون لا يعيشون في الفراغ بل بعلاقات دولية وإقليمية ومحلية تفرض موازين القوى فيها شروط ما نكون عليه حاضراً، وما يمكن أن نكون عليه مستقبلاً بالرغم من مبادرة السوريين وإرادتهم.

   من هاتين المسألتين استقرَّ التقسيم، كشبحٍ مخيف نخاف منه أكثر من خوفنا على حياة السوريين، وتمدد كمسلَّمة بدهيةٍ لا تحتاج إلى برهان، بل ينطلق “العقل السياسي” السوري  منها ليبرهن ويستنتج ويحاكم واقعه وتاريخه ومستقبله استناداً إليها. وهكذا تتكثف حدود ما بعد الاستقلال ويتكثف الشعور بالذنب على انزياحها. فمتى يتم الانعتاق من مسلَّمة التقسيم هذه عند السوريين والخلاص من شبحها؟.

     تحكم مسلَّمة التقسيم الشبح هذه وتوجٍّهها مفارقات ثلاث (paradoxes): تتمثل الأولى في “المفارقة الظاهرة” بحالِ وتموضع السوريين اليوم بكونهم لم يشكلوا انسجاماً ووحدة فيما بينهم منذ ما بعد الاستقلال. و تتمثل الثانية في “المفارقة الممكنة”؛ أي ما يمكن أن تكون عليه سوريا والسوريين مستقبلا من خلال قدرتهم على بسط وإنماء الممكنات الواقعية التي تفيد الحرية والكرامة. وأخيراً تحكمها “المفارقة الواجبة” بمعنى ما يجب أن تكون عليه سوريا والسوريين من وحدة وتنمية وتقدم…الخ؛ إنها الإرادوية بأبسط صورها الطفلية. إنَّ “المفارقة الواجبة” تجثم فوق المفارقتين الآخرتين وتخيِّم عليهما كعقبة نفسية اجتماعية سياسية معرفية لا ترضى بالحال القائم من جهة، ولا ترضى بالممكن المرجَّح من جهة أخرى. فلا يرضيها إلا معاييرها وأصنامها الأخلاقية والجمالية والوطنية والإسلامية والقومية. وتتقدم هذه المفارقة بوصفها “ذات رسالة خالدة” و”خير أمة أخرجت للناس”، وكأنها “ساعي بريد” مهمته توصيل رسالة للبشرية جمعاء لتستفيد وتنعم من فحوى هذه الرسالة الخالدة على حساب حياة السوريين. 

   حاول الاستعمار الفرنسي تطبيق “حل التقسيم” مع بداية القرن العشرين في سوريا وأفشله السوريون. فقد قسمّ الاستعمار الفرنسي “المملكة السورية” عام 1920 إلى أربع دول هي:  دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين في الساحل ودولة الدروز في السويداء (جبل العرب). وذلك انطلاقاً من مصلحته ومن فكرة تطابق الحد الجغرافي مع مكونات الأغلبية الدينية والمذهبية. ثم دُمِجت دولتي حلب ودمشق بعد سنتين فقط. وبعد سنتين أخريين، أي سنة 1924، ضُمت دولة العلويين إلى هذا الاندماج وبقيت دولة الدروز حتى عام 1936. وتحت وطأة المشاعر الوطنية عند غالبية السوريين المُريدة للوحدة قرر الفرنسيون دمج الدول الأربع في دولة واحدة مع استقلال مالي وإداري لدولة العلويين ودولة الدروز. وبقى الأمر كذلك حتى الاستقلال وتم الدمج بين “الدول الأربع” على أساس حدود سايكس بيكو.  

 

  واستقر الوضع على أعقاب الاستقلال السوري عام 1946؛ فالدولة السورية بحدودها الحالية تتعلق بإرادة السوريين المعاندة للإرادات الدولية والإقليمية والداخلية. وها هو الآن يعود شبح التقسيم ليلوح بالأفق مع بداية القرن الواحد والعشرين وما زال الرهان قائماً على إرادة السوريين في إفشاله. فما علينا إلا الثقة بالشعب السوري وعدم التعالي عليه واتخاذه بوصلة تُرشِد عملنا وتهديه.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى