مقالات رأي

سوريّون.. بين الاستهلاك والجمال

يوسف صادق

في قصة العيون المشرعة لإبراهيم صموئيل، يقع المعتقل بين حدّين بلا نهاية، إمّا أن يحتفظ بالخمسين ليرة التي أودعته إيّاها زوجته تعويذةً للحظ وأملاً تعينه على قهره إزاء السجّان، أو أن يضحي بتلك الورقة لصالح المعتقلين، وقد تبقي على آخر رمقٍ لدى أحدهم.
هذه صورة عيانية لما يحدث في مجتمعاتنا حينما تتحوّل لمعتقلٍ كبيرٍ، هل بتنا نتعامل مع أشيائنا والآخرين بدوافعٍ وقيمٍ استهلاكية؟ وهل يفقد المقهور كل قيمة جمالية؟
تسود القيم الاستهلاكية حينما يصبح المتاح بعيداً عن متناول الأيدي، قريباً من خيالٍ يحاول احتضانها لتبقى منه دماً للحياة. الفقر والتشرّد ليس جديداً على مجتمعاتنا، عمره بعمر اغتناء سلطةٍ داست على كل جميلٍ بدواخلنا.
الاستهلاك صفة مشتركة للطغاة والإنسان المقهور. الطاغي كلّما زاد خوفه من مقهوريه، يزداد ابتعاداً خلف قصوره وخلف سياراته الفارهة، محاولاً جعل الناس مُقلّدين له، فيضمن رهبتهم وتابعيّتهم. وبقدر الاستهلاك للروح وللعلاقات الإنسانية، بقدر الابتعاد عن الطبيعة البشرية الفطرية وعن الجمال والإبداع.
الاستهلاك معركةٌ لا إنسانية لا ينتصر فيها إلّا الطغاة ومَن شاكلهم. أمّا الإنسان المقهور فمن الطبيعي أن يعوّض احتياجاته النفسية والجسدية، فيلتهم الدنيا بعيونه. نعم نجح الطاغي بتجويع البشر، وبجعل بعضهم يجرّون ثوبه الطويل، ومَن يتمرد منهم فجدرانه العالية تنتظره، لكنه نسي أن الجوع الأول والعطش الأول والجمال الأول هو الحرية، أولى الحاجات وآخرها، وهذه أصيلة في الدم، أصيلة بحضارتنا، أصيلة بإنساننا، رغم كل محاولات الطاغية جعله إنساناً يأكل ويشرب فقط، ويأتمر بخدمته، ويوقف دوران الزمن خلف جدرانه العالية، يصبح الوطن معتقلاً لأبنائه تارةً بمشيئتهم وأخرى رغماً عنهم.
حينما تزداد القيود على الأيادي، فتصبح غريبةً على الأقلام، غريبةً على المحراث والنول وحتى البندقية، غريبةً على يدٍ تصافحها أو شعورٍ تحاول مجاراة انطلاقه، وحينما تبحث اللغة عن مفرداتها في ضحكات الأطفال، فتعاندها لعبة الشمس والظلال، حينها فقط تَشرع العيون إلى لا شيء.
“فلنحافظ على رمق الحياة”.. يقول معتقلٌ لآخر.. ولكن كيف؟ هل نفسّر تزيين خيمة اللجوء وزرع الورود أمامها استسلاماً ورضاً بالوطن الخيمة؟
لكن الجانب الآخر لما لم تره العيون، أنّ السوري وإن أصبح وطنه خيمة، فإنّه بكلّ ما أوتي من حياة رغم قهره الطويل، لقادرٌ على تحويل منفاه إلى وطن، ليست دعوةً لتزيين قهرنا الطويل بل لإعادة الحياة ونبضها بكل ما تفعله أيادينا، ولكل ما تراه عيوننا، حتى لا نفقد قيمنا الجمالية وتتحوّل حياتنا لاستهلاكٍ يلتهم أخضر نفوسنا.
لنعد إلى المعتقل الكبير وكيف يدفع بالإنسان إلى الرضا بالحدود الدنيا للمعاش، وإلى إقناع أطفالنا بكسرات الخبز، بل يحاول بعضهم عبر ذاكرةٍ منسيّةٍ جعلها مطعّمة بنكهات الشوكولاتة!
السوريُّ قادرٌ على تحويل البسيط إلى مركّب أوّل للحياة، وذاك المعتقل، حقّق قيمةً مضافةً للخمسين ليرة، فجمعته واحتضنته بعقد شراكةٍ مع شركائه في القهر، ذكرى الزوجة التي تنتظر خروجه، والأبناء الذين يحلمون بسهراتهم في دفء العائلة قد تحقّق، والعائلات التي ترى في خوفها ابتلاع الجدران لآبائهم وأمهاتهم في المعتقلات قد انفرج همّها.
والسوريُّ قادرٌ رغم كل القهر، أن يحوّل أدوات القتل إلى ألعاب وأن يقول للعيد توقّف ها هنا.. عند أطفال درعا، وأطفال حمص وإدلب، فهم قادرون على صناعة الفرح وتلك هي قيمهم الجمالية رغم كل الخراب في النفوس.
القدرة على الإبداع هي ردّ السوريّ على محاولة إفراغه وجعله جزءاً من تاريخٍ مضى ويمضي، ما زالت ناعورة حماه تدور وتئن، شاهدةً على اغتراف الدم واغتراف ماء الحياة، بصفاوة عيون الأطفال، ونقاوة شغبهم للحياة.
شُرّدنا.. هُجّرنا.. اغتربنا.. نعم، لكنّ الأيادي والعيون لم تنسَ طعم الخبز ورائحة القهوة، وما زالت الآذان تحتفظ بباقي زغاريد الفرح المؤجّل، هذا ما يدفع المعتقلين إلى أشغال الخرز، سوارٌ لطفلةٍ في المعتقل الكبير، ثوبٌ دافئ للجدّة، كلّ شيء رغم عفونة الجدران، مشغول بالمحبة، وبدفء الأيام القادمة.
يُهزَم الجلّاد والسجّان في المعتقل الصغير والمعتقل الكبير، حينما يرى أنّ السوريّ لم تفرغ روحُه وأنّه رغم كلّ الخوف والقلق، رغم كلّ ما شنّه من حروب، ما زال قادراً على العطاء، وإذا ما فكّر بفتح باب القفص، سيجد أبناءنا في المغتربات أوفياء لعهود القهر، بأن يُقال: كلّ ما يحتاجه السوري هو الاهتمام وستجدهم كلّهم مبدعين.
الإبداع هو الفيصل بين السقوط في قاع القيم الاستهلاكية والقدرة على إضافة قيمة جمالية. تكاتف الناس وتشاركها الهم عقدٌ مصنوع من محبّة الحياة، حينها الخيمة ليست عاراً، وكسرات الخبز المبللة بالماء ليست سُمّاً. العار هو أن نحتفظ بآثار خرابنا شاهداً على الهزيمة، كما فعل الطغاة بالاحتفاظ بدمار القنيطرة، العار أن نقيّد الطفل ونقول له: انحنِ تحت علم البلاد. هكذا تُستهلك الحياة وتُستهلك كل قيمة يحملها الإنسان. بل العار أن نستعذب سياط الجلّادين ونزيّن عصاه بخرزة زرقاء.
من الخطأ القول لم يبقَ لدينا ما نخسره، القول الحق لدينا الكثير لم ننجزه بعد، ناعورة حماه ما تزال تغرف الماء صافياً، ومياه النهر تجدد نفسها، وتغسل أحلامنا مهما كدّرتها أنفاس الطغاة.
ما حصل في درعا يثبت أن تكاتف الناس قيمةٌ جماليةٌ مُضافةٌ لعيشٍ مشتركٍ ولحياةٍ مشتركةٍ، حصار حمص وحصار الغوطة لم تستهلك البشر، رغم كل الموت الذي عاشه السوري فما زال قادراً على صناعة الحياة، ولن يستطيع الطغاة اعتقال الحياة، حسبهم زنازينهم، تردد صدى خوفهم.
السوريُّ قادرٌ على صناعة الحياة مهما اشتدّ قيده، وحسبه يقول: إن حبستموني فإنّ حبسي خلوة، وإن نفيتموني فإنّ نفيي سياحة.
طوبى للسوريّ المبدع.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top