تقارير

رمضان في مخيمات إدلب في ظلال الفقر والغلاء وألم النزوح

علي الدالاتي وسونيا العلي – إدلب

“تتعاقب المناسبات والأيام ونحن في هذه الخيام، أخشى أن نظل بقية عمرنا هنا” بهذه الكلمات تعبر سميحة الجاسم (45 عاماً) عن حزنها بحلول شهر رمضان وهي بعيدة عن مدينة معرة النعمان، وعن شوقها للعودة إلى منزلها للعام الثالث على التوالي، بعد نزوحها من بيتها نهاية عام 2019. وأمام باب خيمتها البالية تجلس الجاسم قبالة موقد طيني، لتعدّ طبق الشوربة بمكوناته البسيطة، لأسرتها المؤلفة من خمسة أفراد. وعن مائدة فطور العائلة تقول: “نعيش وسط ظروف صعبة تلازمنا منذ سنوات، ونعتمد على ما يصلنا من مساعدات إغاثية”، إلى جانب ما يجنيه زوجها من عمله في ورشة لغسيل السيارات، لكنها تضيف بحسرة: “نعجز في كثير من الأيام عن شراء حاجياتنا الأساسية من السوق بسبب الغلاء وضيق الحال، كما نلجأ لتقنين احتياجاتنا، والقبول بنوعيات قليلة الجودة مقابل شرائها بثمن أقل”.
وتزامن قدوم شهر رمضان المبارك لدى الكثير من العائلات السورية النازحة القاطنة في المخيمات مع إثارة مشاعر الفقد والغصّة، كحال سميحة التي يحاصرها الفقر والغلاء ومرارة النزوح، وتقاسي الأمرّين لتأمين قوت يومها، وهي تستذكر أياماً مضت، فتفتقد اللمة والألفة التي كانت تعيشها العائلات خلال الشهر الفضيل.
وتستذكر سميحة رمضان منزلها قبل النزوح: “كنا نزين البيوت وننتظر مجيء رمضان والبهجة تملأ قلوبنا، كما يعج السوق الشعبي بالمارة لتجهيز المأكولات والعصائر، ويدعو الأقارب بعضهم لتناول الإفطار، ويساعد الغني الفقير بروح من التكافل والتعاون”، كما تستذكر اجتماعاتها مع نساء الحي للذهاب إلى المسجد وأداء صلاة التراويح، “أما اليوم نفتقد الفرحة التي كان يحملها الشهر الفضيل؛ فلا طقوس رمضانية ونحن مبعدين عن منازلنا وأرزاقنا”.
وأشارت سميحة إلى أن أسرتها كانت تعتمد على ما تجود به أراضيها الزراعية من خيرات في مسقط رأسها، لكن بعد نزوحها تعيش أوضاعاً معيشية متردية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
الغلاء.. ضيف رمضان الثقيل
يتجول مصطفى منصور وهو نازح يقطن في إحدى المخيمات على أطراف مدينة إدلب بين عربات الخضار في سوق الخضار المركزية في مدينة إدلب، في رحلة البحث عن خضار لطبخة اليوم تتناسب مع يوميته البالغة نحو 30 ليرة تركية (حوالي 2 دولار أمريكي) غير إنه يفشل في إيجاد ما يناسبه، لتنتهي رحلته في محل مخصص لبيع المساعدات الإنسانية ليشتري كيلو برغل وعلبة مربى بندورة سيتكون منهما إفطارهم اليوم. ويقول مصطفى في حديثه لمجلة طلعنا عالحرية: “اليوم أصبحت الخضروات من المحرمات علينا، كما نسينا طعم اللحوم، واليوم علينا أن ننسى الخضروات أيضاً؛ فالغلاء أصبح لا يحتمل، والأسعار تتضاعف، بينما أجرتنا ذاتها لا تتغير”، لافتاً إلى أن لا أحد يهتم بأمرهم، فحتى الخبز المدعوم توقف: “لا أحد يتدخل لمساعدتنا؛ لا المنظمات ولا الحكومة، فاليوم نحن بين سندان غلاء الأسعار ومطرقة رخص أجورنا كعمال”.
وبحسب خبراء اقتصاديين فإن قلة الطلب على اليد العاملة، وارتفاع نسبة البطالة، جعلت أجور العمل تصل إلى أدنى مستوياتها في تلك المناطق البعيدة عن الأسواق الاقتصادية والصناعية، ما جعلها لا تتناسب مع أسعار السلع الأساسية في السوق المحلية، وبالتالي تسببت بعجز الأسر عن توفير الاحتياجات الأساسية، كما فاقمت الحرب في أوكرانيا الأزمة الغذائية، وازداد ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، وبدأ الدعم الأوربي يتوجه لأوكرانيا.
ويقول عبد السلام اليوسف مدير مخيم (أهل التح) في حديث لطلعنا عالحرية إن قدوم شهر رمضان بالشمال السوري تزامن مع موجة فاحشة جديدة في الغلاء “قد أثرت سلباً على الحالة المعيشية للسكان؛ فاليوم غالبية سكان الخيام عاجزون عن شراء أبسط لوازم الإفطار”، ويضيف بأن عشرات العائلات تخرج من المخيم بغية شراء لوازم الإفطار ليعودوا وأيديهم خاوية بسبب الغلاء: “أصبحت الأمور البسيطة كصحن الفتوش وقطعة المعروك حلماً لديهم؛ حيث يقتصر طعامهم على مادتي البرغل والمعكرونة المسلوقة دون طهي، بسبب ارتفاع أسعار الزيت والسمنة اللازمة لعملية الطهي”.
وتروي فدوى الشيخ أحمد (55 عاماً) المتحدرة من مدينة سراقب ونازحة في مخيم (حر بنوش) بريف إدلب الشمالي، إنها أم لستة أبناء فقدت أحدهم بقصف قوات النظام على مسقط رأسها بداية عام 2020، وسافر ابنها الثاني للعمل في تركيا، فيما يقيم أكبرهم مع أسرته في مخيمات (قاح)، وتقاوم لحظات الحنين وتعتصر قلبها مشاعر الشوق للمة العائلة على مائدة إفطار واحدة، لتقول: “لم يعد لدي في آخر العمر إلا خيمة قماشية تؤويني، وبعض الأمراض التي ترافقني كالضّغط والسّكري، التي أصبت بها بسبب الحزن”، وتضيف وقد ارتسمت الحسرة على تجاعيد وجهها: “لا يربطني بأولادي سوى هاتف محمول لأسمع صوتهم بين الحين والآخر بعد أن فرقنا النزوح، وأصبح من الصعب اجتماعنا في مكان واحد”، وأكدت أنهم في السابق كانوا يجتمعون مع الأبناء والأقارب على مائدة الإفطار في كل أيام شهر رمضان أو في أغلبها “أما الآن فقد أصبحت هذه اللمة حلماً لدينا بعد تشتت العائلة وتفرق الأبناء”.
نساء يواظبن على العمل في شهر رمضان
على الرغم من الصيام والتعب تضطر بعض النساء المعيلات للخروج إلى أعمالهن لكسب ما تيسر من لقمة العيش اللازمة للحياة، كحال جميلة الحمود (41 عاماً) وهي نازحة من مدينة خان شيخون وتقطن مخيم (كفر عروق)، حيث فقدت زوجها بغارة حربية منذ عام 2018، وتتحمل شظف العيش في الخيام دون مورد للرزق، ولا تملك المال لشراء ما يلزم لإعداد وجبات الإفطار لأبنائها الثلاثة، الأمر الذي يضطرها للخروج إلى الحقول القريبة من المخيم لجمع نباتات الدردار والخبيزة، لتحضير شوربة خضار بسيطة لإطعام أسرتها بعد يوم طويل، كما تبيع ما تجمعه من أعشاب طبية للاستفادة من ثمنها. وعن معاناتها تقول: “رغم عملي أضطر للاستدانة من المحل التجاري الموجود في المخيم، حتى وقت توزيع سلة إغاثية لأبيع جزءاً منها لسداد الدين”. لتزيد وهي تستجمع ذكرياتها أنها قبل نزوحها كانت تتدبر مصروف المنزل من خلال تربية الأغنام والاستفادة من منتجاتها، وزراعة الخضار الموسمية في المساحة الموجودة حول منزلها، “أما اليوم نكافح للبقاء على قيد الحياة، ونعيش في خيام ضيقة ومتلاصقة وسط شحّ في المياه وكافة مقومات العيش”.
ورغم النزوح وضيق الحال لا تزال بعض العوائل تحافظ على عادات رمضانية متأصلة ومتجذرة في حياتهم، ونقلت ردينة (33 عاماً) النازحة من بلدة حاس، وهي واحدة من ربات هذه العائلات وتعيش مع زوجها وأولادها الأربعة في مخيم تابع لبلدة حزانو بريف إدلب الشمالي، كيف تجهز طعام الإفطار قبل أذان المغرب بنصف ساعة لتجعل لجيرانها نصيباً منه، وعن ذلك تقول: “يعود علينا الشهر الفضيل مثقلاً بالحرمان والغلاء، ولكن رغم قسوة الظروف وضيق العيش وخلو مأكولاتنا من اللحوم أو الدسم، إلا أننا لا نزال نحافظ على عادة السكبة المحببة، والتي تعزز قيم التكافل الاجتماعي والمبادرات الخيرة، وتسهم في تفقد الفقير الذي لم يتمكن من طهي الطعام في منزله لسوء أحواله المادية”.
وتأمل ردينة أن يعود هذا الشهر عليها وعلى كافة النازحين بأحوال أفضل، وبطي صفحة معاناة المخيمات وعذاباتها، ومرارة التشرد والبعد عن الأرض.
وبحسب فريق “منسقو استجابة سوريا” بلغ عدد المخيمات في الشمال السوري 1489 مخيماً، فيما بلغ عدد النازحين 1.512.764 نازحاً.
وأكد الفريق في بيان مع بداية شهر رمضان أن وباء جديد يصيب مناطق شمال غرب سوريا يتمثل بارتفاع ملحوظ لأسعار المواد الغذائية وغير الغذائية بالتزامن مع بداية شهر رمضان، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذاء بنسبة 33.4 %، فيما ارتفعت أسعار الحبوب بنسبة 29.2%، أما أسعار القمح فقد ارتفعت بنسبة 42.3%، والزيوت النباتية بنسبة 62%، والألبان بنسبة 17.9 %، وأسعار السكر بنسبة 54%، وأسعار اللحوم بأنواعها بنسبة 34%، أما الخضار والفاكهة بنسبة 48%.
وأكد البيان أن ارتفاع أسعار المواد يتزامن مع العجز الواضح في عمليات الاستجابة الإنسانية من قبل المنظمات المحلية، وخاصة مع مقارنة أول يومين من شهر رمضان بالعام الماضي وانخفاض بنسبة 34% عن العام السابق.
وطالب البيان بزيادة الرقابة على أسعار المواد بشكل عام في المنطقة، إضافةً إلى تحسين الأوضاع الإنسانية للمدنيين في المنطقة، من خلال زيادة نسبة الاستجابة الإنسانية الفعالة وخاصة في الشهر الحالي، وخاصة أن الآلاف من العائلات لم تعد قادرة على تأمين قوت يومها.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top