مقالات رأي

رزان زيتونة والأخضر الإبراهيمي
وحديث عن حصار غوطة دمشق والممرات الإنسانية

في منتصف العام 2013 وبعد فرض النظام السوري الحصار على الغوطة الشرقية، اتصل الدبلوماسي الكندي مختار لاماني وكان وقتذاك رئيساً لمكتب المبعوث الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، الأخضر الإبراهيمي، مع المحامية رزان زيتونة يدعوها للقاء الأخير في مقر إقامته في دمشق، وقال إنه سيرسل سيارة دبلوماسية تقلّها حتى لا تعترضها الحواجز والنقاط الأمنية المنتشرة بكثافة، على مداخل ومخارج الغوطة.
آنذاك؛ لم يستغرق الاتصال وقتاً كبيراً، لأن رزان اعتذرت من دعوة المبعوث الأممي على الرغم من تأكيدها أهمية هذه اللقاءات، لكنها طلبت من لاماني أنه من الأفضل للسيارة الدبلوماسية الخاصة أن تحضر بعضاً من حليب الأطفال والأدوية المفقودة بالمنطقة، وإن استطاع إحضار بعض الخبز، لتخفيف معاناة سكان الغوطة المحاصرين. وأنها ستكون ممتنة كثيراً للأخضر الإبراهيمي لو فتح هذا الملف مع النظام الحاكم، من أجل فتح ممرات إنسانية. وبهذا ستكون هذه الخطوة عملية أكثر من لقائها وأخذها وإعادتها.
وبعد مرور ثلاثة أشهر من الاتصال، تعرضت الغوطة لقصف مكثف بالبراميل المتفجرة وراجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة، ووقعت مجزرة بشعة بالسلاح الكيماوي في 21 من شهر آب/ أغسطس 2013 أدين النظام بارتكابها، وراح ضحيتها أكثر من 1300 ضحية مدنية معظمهم من الأطفال.
وبعد وقوع المجزرة بنحو أسبوع التقيت مع رزان وطاقم مكتب التوثيق في مقرها بمدينة دوما، وبقيت في الغوطة 4 أيام أجريت خلالها لقاءات وسمعت شهادات ناجين من المجزرة، وكانت رزان وزملاؤها قد وثقوا المجزرة بالصوت والصورة.
وقبل عودتي لدمشق التقيت مع رزان لأودعها وحينها أخبرتني مضمون الاتصال مع مختار لاماني، وأكدت إنها لم تذهب بسبب تبني النظام الحاكم الخيار الأمني ورهانه على الحسم العسكري، وتعمدت قواته منع دخول قوافل مساعدات إنسانية أممية، ما دفع رزان بطلب فتح ممرات إنسانية إلى الغوطة الشرقية لحماية المدنيين وتجنيبهم ويلات الحصار.
وبعد مرور 8 سنوات من اختطاف رزان وزوجها وائل حمادة وصديقة دربها سميرة الخليل ورفيقها ناظم الحمادي، وبعد التغيرات الميدانية الكبرى التي شهدتها سوريا بعد سيطرة القوات النظامية على ثلثي مساحة البلد، وتمسكه بسلاح الحصار والحل الأمني العسكري لإعادة السيطرة على كامل الجغرافية السورية، وبعد توالي أربعة مبعوثين خاصين من الأمم المتحدة إلى سوريا منذ 2011، خلصوا جميعاً إلى الاعتذار من الشعب السوري، وإلقاء اللائمة على “تصلب الأطراف المتحاربة” في سوريا والجمود داخل مجلس الأمن الدولي.
ورزان البالغة من العمر 44 عاماً قضت سنوات طويلة في الدفاع عن المعتقلين والمعارضين السياسيين، وتترافع عنهم أمام المحكمة العسكرية بدمشق وتتابع قضاياهم في دوائر القضاء المدني ومحكمة أمن الدولة العليا. وكانت تزور المعتقلين السياسيين في سجن عدرا أسبوعياً، وتتابع شؤون عائلاتهم. وكل يوم إثنين من الأسبوع تذهب إلى مقر محكمة أمن الدولة القريب من ساحة السبع بحرات وسط دمشق، لتستمع لشكاوى أهالي المعتقلين المحالين إلى المحكمة سيئة الصيت، وتوثق حالاتهم وطريقة الاعتقال وتجمع المعلومات الخاصة بهم.
وبعد انطلاقة الثورة في ربيع عام 2011، أسست رزان لجان التنسيق المحلية ومركز توثيق الانتهاكات إلى جانب مشاركتها في تأسيس مجلة (طلعنا عالحرية) وكانت إحدى كتابها ومحرريها.
توجهت رزان نحو مدينة دوما مسقط رأس شريك حياتها وائل، بعد الملاحقة الأمنية من قبل أجهزة المخابرات وفقدان القدرة على التحرك والتنقل. وبقيت في دوما قرابة ثمانية أشهر قبل أن يتم اختطافها مع زوجها ورفيقيها سميرة وناظم.
وليست مصادفةً عبور قافلة إنسانية في 9 من كانون الأول/ ديسمبر الحالي من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام ضمن برنامج الأمن الغذائي العالمي التابع للأمم المتحدة، باتجاه محافظة إدلب التي تسيطر عليها خليط من تشكيلات فصائل المعارضة وجماعات إسلامية، بعد مضي 8 سنوات على اتصال رزان ولاماني وضرورة فتح الممرات الإنسانية.
لكن يمضي الزمن بسرعة دون معرفة أي معلومات عن رزان ووائل وسميرة وناظم وعن مصيرهم، وبقيت القضية صندوقاً أسود مغلقاً يكتم أسرار هذه الملف بانتظار أن يرى النور لكشف الحقيقة.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top