ثقافة

حين يحاول الجلاد قتل الحلم

ياسمين نهار

إنّ العلاقة الضّديّة بين السّجين والسّجّان قديمة قدم أولى الصّرخات المكتومة، ممتدّة امتداد دم الأبرياء المسفوح على الأرض المقهورة.
وقد حضرت هذه العلاقة في معظم الأعمال الرّوائية عبر نسقها الواقعيّ؛ إذ افتقرت إلى حبكة روائيّة متينة، وشبكة جديدة من العلاقات.
ويبدو لي أنّ عدداً غير قليل من كاتبي أدب السّجون لم يستطيعوا التّخلّص من التّعامل السّائد مع فضاء السّجن، أو من هيمنة ثنائيّة: السّجين/ السّجّان على كتاباتهم، ورغم ما تحمله هذه الكتابات من بُعد توثيقيّ عكس جانباً أو عدّة جوانب من العلاقة بين السّجين والسّجّان؛ إلّا أنّها بقيت ضمن حدود هذا الإطار المرجعيّ ورمزيّته وعنفه. وفي الحقّ أنّ “وحيد الطويلة” في روايته “حذاء فيلليني” كان قريباً من ثنائيّة السّجين والسّجّان وهارباً منها في الآن ذاته؛ لأنّه طوّع لغته لتجاريَ امتداد الحياة، وتنوّع إمكاناتها بعد خروج بطل قصّته “مطاع” من السّجن.
ومطاع معالج نفسيّ زُجّ به في المعتقل بلا سبب، وبلا تهمة واضحة، بينما يزاول مهنته -بعد خروجه من المعتقل- دخل إلى عيادته مريض برفقة زوجته. هنا تبدأ الزّوجة بسرد حكاية زوجها الضّابط الذي التوت رقبته نحو اليسار وأصبح عنّيناً إثر عزله عن مهامه. تتطرّق الزّوجة في حديثها إلى أسرار علاقتها مع هذا الزّوج السّاديّ وكيف كان يخونها، ويتفنّن في امتهان كرامتها وإنسانيّتها.
حين يسمع مطاع صوت المريض يكتشف أنّه الضابط الذي عذّبه في السّجن؛ حينها يبدأ باسترجاع ماضي الاعتقال المرير، ولحظات التّعذيب القاسية.
هكذا تشاء الأقدار أن تمنح مطاعاً فرصة الانتقام. والسّؤال: هل سيستغلّ هذه الفرصة المواتية ويردّ الاعتبار لذاته الجريحة، أم سيتصرّف وفق ما تمليه عليه أخلاقيات المهنة ويسامح جلّاده؟
والحقيقة أنّ مطاعاً خرج من المعتقل بأنف مكسور وحواجب منتوفة وتهتهة خفيفة في اللّسان وسمّي باسم يناسب هيئته الجديدة وهو “مطيع”، “التّعذيب ليس كسر الأنف ونتف الحواجب بالكماشة، هو أن تكره نفسك وتسلّمها له وسخة جاهزة قذرة طيّعة يا مطيع” ص 58.
وتجدر الإشارة إلى أنّ وحيد الطويلة لم يكتشف شخصيّات متخيّله السّرديّ دفعة واحدة؛ بل كان يقوم بالكشف عنها بين موقع وآخر داخل الفضاء الذي تتحرّك فيه الشّخصيّات والأحداث. وتعدّ شخصيّة
مطاع/ مطيع من الشّخصيّات النّامية المركّبة عاشت التّحوّلات الدّراميّة داخل البنية الحكائيّة، وكان لتبدّل اسم هذه الشّخصيّة دور في إضاءة عوالمها الدّاخليّة، وكشف الكثير من الجوانب النّفسيّة والسّلوكيّة لصاحبها.
وشخصيّة الضّابط تمثّل لحظة من لحظات انكشاف البؤرة النّصيّة في الرّواية؛ فقد عرّى الكاتب من خلالها نظاماّ شموليّاً يُدخل النّاس في دوّامته ويشوّههم ويدخلهم في منظومة الاستبداد.
ذلك أنّ المستبدّ في النّظام الشمولي هو صاحب السّلطة المُطلقة، وهو من يبدّل عقول الجلّادين ليصيروا على “مقاس مقام جلالته”. والجلّادون بدورهم ينصّبون أنفسهم أوصياء على الشّعب؛ يقمعون ويعذّبون كلّ متمرّد على النّظام الشّمولي الاستبدادي، يساعدهم جهاز استخباراتي مهمّته التّجسس على أفراد الشّعب، وملاحقة كلّ فرد يعارض السّلطة واعتقاله، وما حضور شخصيّة “مأمون” في الرّواية إلّا دليل على حرص المستبدّين على تجنيد عدد كبير من “المآمين” كما سمّاهم الكاتب.
وقد يكون من الدّال بحقّ على تماهي الجلّادين بمستبدّ روّض أفراد شعبه لأنّه يخشاهم قول الضّابط: “مهمّتنا الأساسيّة أن نروّض الشّخص لا أن نقنعه، وعليه لا يمكننا أن نترك الأمور لتصاريف القدر، لا ينبغي أن تنتج الأمّة بشراً على غير هوانا” ص 126.
ثمّة شخصيّة فانتازيّة عجائبيّة في الرّواية خرجت عن قوانين الواقع المألوف هي شخصيّة الشّيطان، الذي دار حوار بينه وبين مطاع بينما كان الأخير في حالة هذيان واختلاط بسبب الشّراب المُسكِر.
إذ نتأمّل الحوار نجد أنّ الشّيطان كان قناعاً رمزيّاً للذات الرّاغبة بالانتقام من الجلّاد. وحضور الشّيطان الشبحيّ كسر رتابة السّرد، وأثار الحيرة لدى البطل والقارئ معاً، والشّكّ فيما يحدث هل هو حقيقة أم خيال؟
ومقابل شخصيّة الشّيطان برزت شخصيّة المخرج وكاتب السّيناريو الإيطالي فيديريكو فيلليني الذي توفي عام 1993.
فيلليني هو قناع لـ مطاع/ مطيع حضر حضوراً رمزيّاً في الرّواية، كان يدفع صاحبه بشكل دائم لتجاوز فكرة الانتقام من جلّاده، ويحرّضه على نسيان الماضي لأنّه يحجب عنه دروب الحياة الحقيقيّة.
وكما كان فيلليني يحلم بمشاهد أفلامه قبل أن يصنعها، كان يطلب من مطاع ألّا يكفّ عن الحلم بتغيير النّهاية التي أرادها جلّاده؛ ليتمكّن من صنع قصته الخاصّة.
هكذا تقدّم الرّواية وعياً جديداً؛ يخرج من حدود الوقوف عند نقطة مظلمة في الماضي وما تحمله من مشاعر الضّغينة والرّغبة في الانتقام، وتطرح الحبّ كعالم بديل يرمّم جروح الماضي.
ذلك أنّ الطويلة لم يكتفِ بتصوير ما يلاقيه السّجين من اضطهاد وتعذيب، بل أظهر تصميمه على التّغيير ومتابعة الحياة، وهذا ما لمسناه في المونولوجات الدّاخليّة لمطاع التي تكرّرت في الرّواية وكشفت نوايا الشّخصيّة وحدّدت هويّتها: “هل أصدّق فيلليني؟ هل أمشي وراءه وأنا الذي طاردته طيلة حياتي كلّها حتى صار كلّ من يعرفني ولا يعرفني يسميني: فيلليني الشام أو مجنون فيلليني، أمسح الماضي بممحاة مرّة واحدة أو على الأقل أضعه حيث يجب أن يكون، أركله بقوّة بدل أن أسحبه من ذيله فأراه خلفي فيلاً يقفز مرّة واحدة للأمام فيحجب الضّوء والطّريق” ص 133.
وقد يكون من المفيد الإشارة إلى أنّ الكاتب لم يصرّح بزمن متن الرّواية؛ بل لمّح إليه في مواضع مختلفة؛ وهو زمن الرّبيع العربيّ وما واكبه من ثورات والمرحلة السّابقة له. وهو بذلك يكون قد سلّط الضّوء على هذه الفترة الزّمنيّة وإحالاتها السّياسيّة والاجتماعيّة والنّفسيّة، وأعطى الرّواية بُعداً واقعيّاً.
ولاشكّ أنّ النّسق الزّمنيّ المتقطّع في الرّواية كسر رتابة السّرد، وحثّ القارئ على البحث عن الخيط الرّفيع الذي يربط ما بين الأحداث، وإعادة ترتيب الزّمن.
ويمكنني أن أتوقف عند أسماء أماكن ذكرها الكاتب دلّت على أنّ أرض الأحداث هي سوريا مثل: (نهر بردى، منطقة المزة، مجزرة حماة، حمص، دمشق..).
ومن اللّافت للنظر أنّ تأثّر الكاتب بـ”فيللني” جعله يفكّر سينمائيّاً أثناء كتابة الرّواية، ويوظّف هذا التّفكير الدّرامي في الرّواية، بالإضافة إلى اعتماده على بعض النواظم السّينمائيّة؛ ولاسيّما في تقنية المشاهد المتتالية التي أوهمت بواقعيّة الأحداث في روايته.
يمكننا إذاً القول: إنّ كاتبنا لم يهتمّ بالحكاية فقط، بل انصبّ اشتغاله على أدواته وما استقاه من تقنيّات الفنّ السّينمائيّ. ذلك أنّ الطويلة كان يرسم المشهد أكثر ممّا يقوله وهذا خلق حالة من التّرقّب وأعطى فرصة للمتلقي ليركّب المشاهد بعيداً عن المعطيات الجاهزة.
فضلاً عن أنّ الكاتب أدرك ما يجب على الشّخصيّات أن تقوله أمام كلّ موقف، وبرع في استنطاق عوالمها الدّاخليّة، ولاسيّما حين استخدم تقنية الاسترجاع التي ساعدت بدورها على إضاءة الشّخصيّة من الدّاخل وكشف أعماقها.
وإذا توقفنا عند عبارة فيلليني التي آمن بها مطاع وعلّقها على جدار عيادته: “لا شيء أصدق من حلم، الأحلام آخر ما يموت” كانت العبارة تعني في بداية الرّواية الحلم بالاقتصاص من جلاّده؛ لكنّها أصبحت تعني الحلم باستمرار الحياة، الحلم بحبّ يرفو ثغرات الرّوح.
وكاتبنا لم يكتف بإبراز المتناقضات الحياتيّة لدى بطل قصّته، بل جعله ينتصر عليها، وينتصر على الجلّاد حين قتل “مطيعاً” ليحيا “مطاع”. بهذه الرّؤية استطاع وحيد أن يتجاوز مخزون الذّاكرة الجماعيّة للمعتقلين، وأن يمنح الرّواية بُعداً جديداً.
ومن الملاحظ أنّ الكاتب بدأ روايته بعبارة: “هذا ما حدث بالضبط” وكرّرها أكثر من مرّة، وختمها بعبارة: “على الأرجح هذا ما حدث” وكأنّه أراد أن يقول لنا في المشهد الأخير من روايته: كلّ شيء في الحياة في صيرورة؛ لأنّ الموقف من الحياة ليس ثابتاً، لأنّ الوعي ليس ثابتاً.
بالمعنى الذي سبق تكون نهاية الرّواية بداية رواية جديدة، دون أن يتحدّث الكاتب مباشرة عن هذه الدراما الجديدة.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top