مقالات رأي

جائزة القدم في الفم

بشرى البشوات

“أنا أعرف من أنا، ولا أحد يعرف من أنا، فإذا كنت زرافة، وقال أحد إنني ثعبان، فأنا أعتقد لا، أنا زرافة”
جملة قالها الممثل الأمريكي “ريتشارد غير”، فحصل من خلالها على جائزة “القدم في الفم”.
تمنح جائزة القدم في الفم لأسخف وأغبى التعليقات والتصريحات التي تصدر عن شخصية عامة، سياسية كانت أم فنيّة أو إعلاميّة، وقد تأسست الجائزة في العام 1993.
ما من حاجة لشرح معنى الجائزة فحين تطلق شخصية عامة تصريحاً أو تعليقاً سخيفاً يوضح بجلاء تام مدى غباء وسخف هذه الشخصية وضحالتها الفكريّة والمعرفيّة، فهذا يعني بأن هذا الشخص قد وضع قدمه في فمه.
تم تقديم الجائزة عشرين مرة، وقد حصل السياسيون على الجائزة مرات أكثر من أي مجموعة أخرى من الأشخاص، حيث حصلوا عليها في 14 مناسبة!
يبدو الرقم كبيراً مقارنة مع مرات تقديم الجائزة.
يتحدث الطب عن مرض يصيب الحيوانات يدعى “الحمى القلاعية” (الفم والقدم) تصاب به حيوانات مثل الأبقار والأغنام والغزلان، وهو مرض فيروسي معدٍ. تبدأ شفاه الحيوان في التورم، وتنتشر الفقاعات باللثة والبلعوم، وقد تنفجر مسببة قروحاً ملتهبة ومؤلمة. وبالتالي يمتنع الحيوان المصاب عن تناول العلائق، وفي بعض الحالات تظهر الفقاعات في الأقدام فيُصاب الحافر بالالتهابات الشديدة، فلا يستطيع الحيوان المشي ويسير وهو يعرج قليلاً.
يشترك الإنسان مع الحيوان في هذا المرض، فيصاب المرء بالقلاع الفموي، ويصير من الصعب عليه الأكل، وفي مرات قليلة يشعر بالضيق حين يتكلم.
لكن الحيوان لا يشترك مع الإنسان في حفلة التفاهة؛ فهما يصلان إلى عتبة الألم دون أن يقطعا خط الضحالة سويّا.
تكون التعليقات التي يتفوه بها أشخاص مهمون دائماً موضع اهتمام، ولطالما سُلّط عليها الضوء، خصوصاً في عصر الإعلام وتنامي وسائل الاتصال بسرعة مهولة، تستطيع الكاميرات وأجهزة تسجيل الصوت أن تلتقط أدقّ التفاصيل التي تصدر عن هذه الشخصيات.
وقد استطاع الإعلام في السنوات الأخيرة أن ينصّب نفسه حارساً وناقلاً للحدث، لا وبل محاكماً أيضاً؛ مفسراً ومعللاً، وهذا ما مهّد الطريق أمام هذه الجائزة والتي يبدو بأن الإعلام ذاته لم يحفل بها بالقدر المطلوب لكنها موجودة على أي حال.
في النصف الثاني من سنة 2011 في تجمع من تجمعات النازحين (نازحي الجولان السوري) في جنوب دمشق، وتحديداً في منطقة الذيابية، ضرب ضابط الأمن بقدمه ظهر الأرض، وبجهل كامل لأكثر القضايا السورية حساسية على مدى عقود مضت، خاطب الرجل الذي تخطى الثمانين من عمره، والذي يقف بباب دكانه بعد أن سحب منه بطاقته الشخصية، نظر الضابط إلى الرجل مندهشاً، بعد أن نطق العجوز بجملة قصيرة، فانبرى العنصر وصفّ جملة حملت في طياتها مغالطة تاريخيّة وسياسيّة وجغرافية عظيمة، وقد أنشأ تصوره بناء على لهجة العجوز التي بدت له معروفة تماماً.
قال العنصر للرجل: “أنتم الفلسطينية لا تخجلون من تصرفكم هذا، سورية فتحت لكم أبوابها واحتضنتكم وربتكم وعلمتكم لتخرجوا إلينا الآن بالمظاهرات”..
سقطت المفاجأة على صاحب الدكان الذي لم يعرف كيف يكتم دهشته وخوفه في آن، يبدو بأن قُلاعا قد ظهر فجأة في فمه!
وظهر في قدمه أيضاً جعله عاجزاً للحظة عن الحركة.
“لكنني لست فلسطينياً.. أنا من الجولان!”.
ردّ الضابط: “أعرف أنك من الجولان.. أقرأ هذا هنا.. وواضح من لهجتك أيضاً، وأعرف بأن الجولان في فلسطين ومع إسرائيل، وبسببكم أنتم نعاني نحن من إسرائيل طوال عقود مضت”.
الجولان ما تَجول به الريحُ على وجه الأَرض من تُراب وحَصًى هكذا هي في اللغة، بينما تسميّها جدتي التي تجاوزت السبعين عاماً، تسميّها البلاد، لا تلفظ لها اسماً أخر.
تقول فيما تقول: “في ذلك العام وحين كنا في البلاد..” وتقصد في تلك السنوات التي خلت قبل أربع وخمسين عاماً.. قبل أن تحلّ النكسة وتحملها وعائلتها الكبيرة إلى أطراف دمشق، حيث تعيش إلى الآن، تمتلك جدتي ذاكرة عبقرية عن تلك البلاد، بلاد الريح والتراب والحجارة السوداء.
وأجزم لو أنها سمعت بجائزة القدم بالفم لطالبت بمنحها لهذا العنصر بكل ترحيب، أوعلى الأقل ستطالب بمنحها لسيده الرئيس عن مجمل تصريحاته العبقريّة، لينتظم في صفّ الحاصلين عليها من جورج بوش الابن، إلى رامسفيلد، وسيلفيو برلسكوني ودونالد ترامب إلى جانب عارضة الأزياء ناعومي كامبل.
إنها البلاد.. البلاد التي ملأت أفواهنا وأقدامنا قُلاعاً.
إنه الظلم ولا شيء عداه، ونحن الضحية التي تتلقى الملامة دائماً.
الجمهور الذي يتكون من جدتي وهذا العجوز، يقفان أمام هذا الضابط الذي يسمّي البلاد كيفما يشاء، يغيّر في خارطتها وتموضعها، يريد أن يشطب في لحظة متعمدة تاريخ منطقة ورد ذكرها ما قبل الإسلام وحتى في العهد القديم.
‏‎في كتابه “الحياة السائلة” تحدث عالم الاجتماع البولندي “زيكموند باومان” عن هذه النقطة قائلاً: “إن الناس عندما يعلمون أن هناك ظلماً يقع وأنهم لا يملكون القدرة على رفع هذا الظلم، فإنهم يلقون تلقائياً باللوم على الضحية”.
فكيف إذا كان “الناس” هم الجلاد، ويعرفون الضحية تماماً، ويعرفون متى وكيف سرقت البلاد؟!

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى