لقاءات

ثلاث مقابلات مع جمال معروف

بإمكاننا أن نتكلم عن الثورة الشعبية ضدّ نظام الأسد من أوجهٍ كثيرة؛ فالسرديات متنوعة ومتناقضة أحياناً، ولذلك يصعب عمّن لم تعركه الثورة كمغامرة أن يفهم ما جرى بالضبط، أو على الأقل ضرورة ما جرى من أساسه، وإن كانت الثورة بحدّ ذاتها هي التي جلبت كل هذا الركام، أم أن للعوامل الدولية كلمتها، وللتدخلات الخارجية إرادتها.
سأحاول في هذا المقال تقديم شرحٍ مبتَسَر وتبسيطيّ لمآلات الثورة من خلال ثلاث مقابلات أجريتها مع جمال معروف، قائد ألوية شهداء سوريا، وأحد أهم القادة الشعبيّين الذي يمثّلون ببراءة مواقفهم، وفداحة خساراتهم المصير المحزن الذي آلت إليه الثورة بعد عشر سنين من انطلاقتها.

التقيت جمال معروف أول مرة عام 2012 في بيته في قرية دير سنبل في جبل الزاوية في إدلب. كانت الثورة في أوج اشتعالها، وكان الجيش الحر سيد الأرض. ومع أن جبل الزاوية كان لا يخلو من خلايا تنظيم القاعدة، وكتائب أحرار الشام المتطرّفة، إلا أن الجبل بقي بفضل حماية جمال معروف، حصناً منيعاً للثورة وللنشطاء والصحفيين، وحتى المراسلين الأجانب.
أذكر يومها كيف دخلتُ بيت جمال المتواضع مع زميلٍ أميركيّ راح يطرح عليه أسئلةً صعبة بينما يجيب جمال بثقةٍ وهدوء وعفوية، كما لو أنه أمضى حياته في التدرّب على المؤتمرات الصحفية.
كان المشهد في الغرفة التي تم استقبالنا بها غايةٌ في البساطة. جلس جمال على كرسيّ بلاستيكي وراء طاولة معدنية وجلست وزميلي على الأرض متوسطين مجموعةً من الرجال، معظمهم مدنيون يلبسون أزياءً تقليدية مما يلبسه أهل الجبل؛ حتى إن واحداً من الرجال المتقدمين بالسنّ قليلاً كان يسارع أحياناً بالإجابة على أسئلة زميلي قبل أن يبدأ جمال بالكلام، وفي أحيانٍ أخرى كان يقاطعه أثناء الحديث ليعطي هو الجواب الذي يريد. أظن الآن أن الرجل كان والد جمال معروف أو عمّه. كان الموقف عفوياً ومضحكاً لكنه كان رائعاً ونقيّاً. فالثورة هكذا كانت: عفوية شعبية بسيطة نابعة من أصل الأرض، ومن السهل لأيٍّ كان التحدّث عنها، وتبرير أسبابها.
التقيت جمال معروف للمرّة الثانية عام 2014 في مدينة الريحانية التركية. كان قد هرب لتوّه من سوريا مهزوماً أمام زحف تنظيم القاعدة. كان جمال يبدو مصدوماً وغير واعٍ تماماً للذي جرى معه، لكنّه كان ما يزال يحظى بالكثير من المحبّين والأتباع الذين ازدحمت بهم شقّته في تلك المدينة الحدودية. ولعلّ جمال في تلك الفترة كان ما يزال يحظى بمعاملة خاصّة من الحكومة التركية، التي وإن راقبت القاعدة بسعادة وهي تقضي على فصائل الجيش الحرّ، إلا أنها لم تتردد مع ذلك باستقبال القادة المُنسحبين من المعركة على أراضيها، والإبقاء على الاتصالات قائمة معهم لغرض الاستفادة منهم لاحقاً.

اللقاء الثالث مع جمال معروف كان عام 2019 قبل مغادرتي تركيا بفترةٍ قصيرة. زرت الثوريّ المتقاعد في بيتٍ ريفيّ رثٍّ ومتداعٍ في إحدى قرى أنطاكيا المعزولة، وقد ذهب بريقه، وانفضّ عنه أتباعه، ونسيه الجميع، وما عاد ليسأل عنه أحد. حتى الحكومة التركية يبدو أنها لم تنجح بتطويعه فتركته يموت ببطء ويدخل في عالم النسيان والإهمال. وواقع الأمر أن تركيا وغيرها من الدول وجدوا لهم من الأذيال والمطايا من هم أصلح من جمال معروف لتنفيذ أجندات تلك الدول، على حساب الثورة التي لم يعد يكترث بها أحد.
أما المعارضة في اسطنبول، والتي كان من المفترض بها كجهةٍ شرعية الاهتمام بجمال ورفاقه فقد قاست المسافة بينها وبين جمال بالمسطرة التركية، ولم تُعِر جمال معروف أي اهتمام.
وبخصوص تلك الفئة العريضة من السكان التي أيدت جمال معروف يوماً فقد انقسمت لقسمين: قسمٌ انتهى نازحاً في الداخل السوري على الحدود مع تركيا، وقسمٌ آخر ركب قوارب الموت إلى بلدان اللجوء في أوروبا.
وهكذا صار حال ثائرٍ وطنيٍّ شجاعٍ كجمال معروف كحال ذلك البدويّ الذي طَعُن في السنّ، وذهب مالُه، وهجرته نساؤه، ولم يعد يسأل عنه أحدٌ، فأنشد يقول من حرقةٍ وألم:
أصبحتَ بعد زمانكَ الماضي الذي
ذَهَبتْ شبيبتُه وغصنك أخضرُ
كهلاً دِعامتك العصا ومُشيَّعاً
لا تنتظرْ خبراً ولا تُستخبرُ

وعلى هذا الحال هم الثوار الحقيقيون اليوم، وما جمال معروف إلا عيّنةً ممتازةً عنهم، وتجسيداً حزيناً لمصير ثورة الكرامة.
ما أغلى الكرامة!
وما أفدح الثمن الذي يُدفعُ لأجلها!

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top