تقارير

انحسار الفرات يغرق سكان شرق سوريا بالمشقات

الرقة – عبد الله الخلف

على قارعة الطريق قرب قرية “سويدية صغيرة” في ريف الرقة الغربي، يقف الشاب سفيان المبروك تحت أشعة الشمس الحارقة، يترقب مرور صهريج مياه بعد أن فرغت مياه الشرب في بيته.
معاناة سفيان والكثير من سكان ريف الرقة الغربي بدأت منذ نحو شهر، بعد أن انقطعت مياه الشرب عن العشرات من القرى هناك، نتيجة الانخفاض الكبير لمنسوب مياه نهر الفرات، ما أدى إلى توقف محطات ضخ مياه الشرب عن العمل.
يشير سفيان إلى أن تكلفة تعبئة المياه التي يستخدمونها للشرب والغسيل في منزلهم تتراوح بين خمسة وستة آلاف ليرة سورية في اليوم الواحد، لافتاً إلى أن “بلدية منطقة الطبقة تقوم بتوزيع خمسة براميل مياه مجاناً لكل أسرة، ولكن بعد انتظار لساعات، لذلك يلجأ البعض لشراء المياه من ماله الخاص كي لا ينتظر طويلاً”.
وينوه سفيان إلى أن الأضرار لم تقتصر فقط على انقطاع المياه، بل وصلت إلى القطاع الزراعي أيضاً، فيقول: “أشجار الزيتون في بستاننا تعاني من الجفاف والعطش، وهي تحتاج للكثير من المياه في هذا الوقت من السنة، وفي حال استمر الوضع على حاله فسيؤدي ذلك إلى خسائر كبيرة بالنسبة للمزارعين”. مضيفاً: “نقص منسوب مياه الفرات أثّر على توليد الكهرباء كذلك، قبل قطع المياه من الجانب التركي كانت ساعات عمل الكهرباء نحو 14 ساعة يومياً، أما في الشهرين الماضيين زادت ساعات التقنين وأصبحت تأتي لمدة لا تتجاوز 4 ساعات في اليوم”.
وتوجد على نهر الفرات في سوريا ثلاثة سدود؛ وهي سدّ الفرات وسدّ المنصورة غربي الرقة، وسدّ تشرين قرب منبج، ويُعتمد على مياه بحيراتها في توليد 90% من احتياجات مناطق شمال وشرق سوريا من الكهرباء، بالإضافة لريّ الأراضي الزراعية وضخّ مياه الشرب.
وبحسب المهندس شيروان شدو الإداري في سدّ الفرات، فإن تخفيض وارد المياه من تركيا بدأ منذ مطلع العام الحالي، وما يزال المنسوب منخفضاً حتى الآن، مشيراً: “كان المنسوب في بحيرة سدّ الفرات 302.50 متر مكعب، وحالياً تراجع إلى 298.75، أما منسوب بحيرة سدّتشرين كان 325 وحالياً 321 وهذه مناسيب منخفضة للغاية”.
ويضيف المهندس شيروان: “عادةً في مثل هذا الوقت من السنة يجب أن يزيد الجانب التركي حصتنا من المياه، فبحسب الاتفاقات السابقة بين سوريا وتركيا يجب أن يكون المعدل الوارد 500 متر مكعب بالثانية، ولكن حالياً الوارد هو 200 متر مكعب في الثانية فقط! وهذا المنسوب المنخفض جداً غير مسبوق، وبذلك فنحن نقترب من (المعدل الميت) في السدود، وعند الوصول للمعدل الميت تخرج السدود عن الخدمة”.
وتقدر المساحات المزروعة على ضفاف الفرات من جرابلس على الحدود التركية وحتى البوكمال على الحدود العراقية بنحو 400 ألف هكتار، تشكّل هذه المساحات المهددة بالعطش السلة الغذائية للمنطقة، و”مع استمرار انخفاض منسوب مياه النهر فإن الأمن الغذائي في مناطق شمال وشرق سوريا مهدد بالخطر بحسب شدو”.
وينوه شدّو إلى أن الوضع الحالي سيؤدي إلى زيادة تركيز الملوثات في النهر والبحيرات وستصبح بحاجة لمعالجة وتصفية، ويتابع “سينعكس ذلك على الصحة العامة للسكان في المنطقة، وأيضاً على البيئة، لأن الملوثات ستضر الثروة السمكية والنباتات المائية، وستتشكل العديد من المستنقعات على ضفاف النهر مما يؤدي لانتشار أمراض مثل اللشمانيا وغيرها”.
وعن توليد الكهرباء يقول شدو: “التوليد الحالي للسدود الثلاثة انخفض من 450 ميغاواط إلى 120 ميغاواط فقط. وإذا وصلنا للمنسوب الميت فستنقطع الكهرباء بشكل نهائي”.
وفي عام 1987 أبرمت سوريا اتفاقاً مع تركيا حول مياه نهر الفرات، وينصّ الاتفاق على وجوب ألا يقل الوارد المائي عند نقطة الحدود السورية التركية عن 500 متر مكعب بالثانية كوسطي شهري، وفي حال النقص يجب التعويض في الشهر الذي يليه حسبما أفاد شدو.
وفي بداية أيار الحالي أصدرت 124 جمعية ومنظمات مجتمع مدني محلية في شمال وشرق سوريا بياناً مشتركاً بعنوان “السوريون يفقدون مياه الفرات” أدانوا فيه قطع المياه من الجانب التركي، وطالبوا الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالضغط على الحكومة التركية للالتزام بقواعد تقاسم المياه.
ويقول محمود الهادي مدير منظمة “صناع الأمل” في الرقة وهي إحدى المنظمات الموقعة على البيان إن “هناك أربعة ملايين إنسان يعيشون في منطقة الجزيرة السورية، ويمثل نهر الفرات شريان الحياة بالنسبة لهم، يعتمدون عليه في مختلف نواحي حياتهم المعيشية والزراعية والصناعية كذلك”. مضيفاً: “في ظل الجفاف الذي تسبب به نقص معدل الأمطار هذا العام، فإن تجاوز الحكومة التركية على مخصصات سوريا والعراق من مياه الفرات سينعكس بشكل كارثي على سكان هذه المناطق، خاصةً أن السكان يعانون أصلاً من كوارث كبرى تسببت بها الحرب، بالإضافة لتفشي فيروس كورونا، وعجز المؤسسات الصحية في مناطقهم، لتزيد مشكلة نقص المياه من معاناتهم المتفاقمة منذ سنوات”.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى