ثقافة

النهضة العربيّة المأمولة مشروطة بإصلاح ديني ـ ثقافي يقدّم العقل على النص!

طلعنا عالحرية تحاور الكاتب مرزوق الحلبي

على ضوء أحداث تونس الأخيرة، وما سبقها من انهيارات كارثية لثورات الربيع العربي خلال السنوات العشر الأخيرة، وعلى ضوء انتعاش الثورات المضادة في كل مكان وخفوت الآمال بالتغيير المنشود، كان لمجلة طلعنا عالحرية هذا الحوار مع الكاتب مرزوق الحلبي من فلسطين المحتلة، والذي امتد إلى مسائل النهضة العربية واخفاقاتها وإمكاناتها المستقبلية.
الحلبي مثقّف نقديّ يأتي من مجالات الحقوق والعلوم السياسيّة والاستشراف. شاعر وناقد ثقافي. يدرّس العلوم السياسية والأدب. له إسهامات في مقاربة موضوعات العولمة والهويّة واللغة والأخلاق وما بعد الحداثة.
فيما يلي الحوار كاملاً:
ها هي تونس تُعيدنا ربّما إلى المربّع الأوّل، عشية الربيع العربي، كيف تنظر إلى هذه التجربة الممتدة من مسافة عقد على بدايتها، ما هي ملامح هذه التجربة التي يبدو أنها لم تكتمل بعد، هل من استنتاجات، من دروس؟
مرزوق الحلبي: “إن ما حدث في تونس ليس مفاجئًا، لأن كل ربيع للشعوب لا يتمّ على دفعة واحدة بل من خلال ما أسمّيه “أثر الأرجوحة”؛ أي أن الأمور ستتأرجح من جهة إلى أخرى إلى أن تستقرّ على صيغة ما للاجتماع وللسياسة والدولة. هذا في رؤية من بعيد. أما إذا دخلنا إلى حيثيات الحالة التونسية، خاصة عدم قيام الرئيس المُنتخب بطرح أي بديل إداريّ دستوري سياسيّ سوى مواجهة الفساد وملاحقة الفاسدين. وضعية فراغ في الحُكم تنفذ منه “الشياطين” إذا صحّ التعبير. قد تدخل قوى إقليميّة ودولية إلى تونس لتحرف إرادة الشعب التونسيّ أو تعبث بها. ثمّة مصالح لا قِبَل لنا بتبيانها أو تتبعها قد تتجسّد على أرض تونس كما حصل في مواقع شتّى في الإقليم. خطوة الرئيس اسعيّد ناقصة الأمر الجوهريّ وهو هيكلة النظام السياسيّ والاجتماعيّ من جديد، وطرح مسار أو خارطة طريق. يُذكرنا الأمر بما حصل في دول المنظومة الاشتراكية حين تفكك النظام هناك، وتبدّلت القوى في إدارة البلاد تبعًا إلى أن رست على صيغة لا تزال تعمل. سنشهد المزيد من هذه التطورات مع الوقت في كل البلدان العربية التي طالها الربيع العربي. لكن علينا أن نحذر من فائض الأمل، لأن التاريخ لا يتحرّك على خطّ تصاعديّ من أدنى إلى أرقى، بل قد ينكسر في الشعوب التي تسير عليها. ثورات مُضادة ومصالح لجهات أقوى من الشعوب ونُخبها.
“أمّا بالنسبة للدروس، فلا بدّ من مواصلة تطوير صيغة حداثية للحكم والاجتماع، لا تنحصر في دستور أو انتخابات دورية، أو في مبدأ التداول على السلطة والفصل بين السلطات، بل في توزيع الثروات -القليلة أصلاً في تونس- من جديد على نحو أكثر عدلاً. تحدّيان كبيران ينبغي على النُخب والشعوب أن تخوضهما؛ في الأوّل: أن تُنتج صيغة لاجتماع معقول، في أساسه آليات لتصريف التوترات والصراعات، من خلال تطوير (موديلها) وطريقتها في إدارة البلاد والخير العام وعملية التنافس بين قوى المجتمع. وفي الثاني: أن تعرف كيف تحيّد الضغوط والتدخّلات الخارجية، بما فيها بحجة تقويم الاقتصاد. وهو عادة الباب المشرع التي تنفذ منه قوى العولمة إلى وضع يدها على مقدرات البلدان المأزومة وعلى مصير شعوبها”.

دور الإسلام السياسيّ كان واضحاً في الأحداث في كل الأقطار التي شهدت مواسم الربيع العربي، وفي تونس أيضاً، وقد أُتيح لها أن تتسلّم مقاليد الحُكم في بعض المواقع -كما في مصر وتونس- لنشهد فيما بعد تفجّراً في علاقتها مع المجتمع والدولة، ما الذي يُعيق المصالحة بينها وبين الدولة والمجتمع؟
مرزوق الحلبي: ظهور “داعش” وتمدّد الإسلام الراديكاليّ و/أو العدميّ فسح المجال دولياً لقوى الإسلام السياسيّ أن تنتعش لأنها صارت -مع ظهور الإسلام العدميّ، وأقصد المجاهر بموقفه ضد الدولة القُطرية وضد النظام العالمي معًا سعيًا إلى دولة الخلافة العادلة، وما رافقها من تنظيرات نكوصيّة غيبيّة. لكنّها -كما النهضة في تونس مثلاً- عدّلت موقفها لتبدو غير عدمية وغير متطرّفة، أي حيال التطرّف، ولم تعدّله حيال المجتمع والدولة. اتّضح من سلوك حركة النهضة أنها تقبل اللعبة تكتيكياً وليس كخيار استراتيجي. حركات الإسلام السياسيّ مُصابة بمقتليْن بنيويًا يجهضان إمكانية أن تصبح قوى سياسية فاعلة إلى جانب القوى الأخرة في المجتمعات العربية الإسلاميّة، تشدّ نحو العيش المعقول والمدنيّ. المقتل الأوّل أنها لم تتصالح مع التاريخ -أي مع الحاضر ومع المُستقبل- لأنها لا تزال أسيرة النص المتقادم، والمدوّنة القاصرة عن الإحاطة بحركة التاريخ والتموضع فيها بأمان كقوة تُنتج وتُسهم بقسطها في إدارة عجلته. لننتبه إلى الخطاب الاستعلائي الذي تُنشئه هذه الحركات في مقابل التحديث وقوى العولمة والعلوم والمُنجزات. فإما أنها لا تعوّل عليها، أو أنها تؤصّل لها في المدوّنة الإسلامية، وتدّعي أن أساسها في الإسلام مستتراً ومتوافرًا لنا في النصّ القرآني! وجهان لعملة واحدة؛ التشاوف وعدم الإقرار بالهزيمة، والوهن والنكوص كمدخلٍ للفعل الجماعي السياسي وسواه. في هذه الحالة لا أتوقّع من أصحاب هذا الخطاب سوى أن يُراوحوا في أماكنهم، يكرّرون وينقلون ويتّبعون، ولا يُنتجون شيئاً، لأنهم مرتاحون إلى ما كانوا أنتجوه.. بالفرضية طبعًا من قبل!

“أخطأ الإسلامويون حيث أخطأ القوميون ـ في الاعتقاد أن الهوية كافية لحلّ مآزق الحداثة والدولة والاجتماع”

أما المقتل الثاني هو أن هذه الحركات على تفاوت مشاربها، لم تطوّر أي معادلة لإدارة الاجتماع الحديث. ليس لديها في مدونتها أو نصوصها ما يحلّ مشكلة الفقر، أو غياب المساواة، أو سيرورات التصحّر والترييف، وما إلى ذلك من مشاكل الدولة القُطرية. ربّما لأن هذه الحركات لا تقبل بالحداثة نظاماً للاجتماع والدولة، ولا تقبل بمبدأ الفصل بين السلطات وبين الدين والدولة. فهي مسكونة بوهم أن الماضي كافٍ لإدارة الحاضر واقتحام المُستقبل. لكنها تعدم في واقع الأمر الحلول العلمية العملية لمشاكل المجتمع العربي أو الإسلامي، إذا شاءت، في الراهن الحداثيّ. خاصة أن الكون مليء بالتحديات المفروضة عليها. فهي ليست ضمن إمبراطورية إسلامية ممتدة “من.. إلى..”، بل هي قوى سياسية من مجموعة موديلات وقوى نافذة سياسية واقتصادية على مستوى الكون تُريد هي، أيضاً، أن تهندس الكون وتُديره وتُدير الاجتماع في هذا القُطر أو ذاك. بمعنى آخر؛ إن الهوية بوصفها وعيًا بمن أنت، كجماعة ورواية وتاريخ، شرط غير كافٍ لحصول الاقتدار والنهضة وبناء مجتمع عاقل ودولة معقولة.
الإسلاميون يعتقدون أن الهوية الإسلاميّة بوصفها ثقافة وأنماط وأنساق ورواية وتجربة كافية لكلّ شيء، بما فيها للحكم وإدارة عملية الاجتماع. وهذا ضرب من الغيب والتدليس لا أعرف حركة إسلام سياسيّ لا تمارسه بهذا القدر أو ذاك.
يبدو لي جليًّا أن الإسلام السياسيّ لم يتعلّم من أخطاء الأحزاب القومية العربية التي انزلقت إلى فاشية أو استبداد أو توحّش كما في سوريا الآن، من منصّة الفكرة القومية والتعويل على التاريخ بوصفه ماضٍ مجيد. وهو كحركات سياسية لا يشذّ عن القاعدة المعروفة عند الفوضويين الثوريين الذين قالوا، ونقول معهم، إن السلطة مُفسدة وكذلك المال لأن فيهما إغراء طاغٍ. فكيف إذا اجتمعا معا؟ وهو ما حصل في تونس وغيرها. فالإسلامويون بشر مثلنا؛ تُغريهم السلطة والمال والنِعم الأخرى. هم من طينة البشر ولو تلفّعوا بعباءات الشيوخ وعمائمهم وكرروا العظات وخُطب الجمعة على مدار الكرة الأرضية. وتونس تجربة تُثبت ذلك. وقد رأى الناس ما رأوا فعادوا إلى الاحتجاجات والشوارع.
للتلخيص أقول: لا يُمكن لهذه القوى أن تُدير مجتمعاتها بنص لاهوتيّ. ستفشل في كلّ مرة تُحاول ذلك. لا مناص من مصالحة تاريخية مع الذات الموجودة الآن “خارج التاريخ”؛ بمعنى أنها مفعول بها غير فاعلة فيه، مُستهلكة للتحولات ولا تُنتجها، يقع عليها الفعل فيُنهكها أو يحشرها أو يستغلّها. إذا لم تعترف بهذا الواقع فمن المستحيل أن تغادره إلى موقع أفضل. وهذا يعني بقاء المجتمعات التي تُديرها أو تُشارك في إدارتها في مواقع متأخرة فيحضر سؤال شكيب أرسلان من مطلع القرن الفائت، من جديد: لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ لا بدّ من الخوض في تجربة إدارة الاجتماع والدولة من خلال العقل البشريّ والموديلات التي أنتجتها الحركات المدنيّة في العالم. والتجارب الناجحة ليست قليلة كي نتعلّم منها، أو كي نقتبسها. أما نظريات الملاءمة وتعريب هذه النماذج فقد ثبت لنا أن القوميين العرب والإسلاميين العرب يُفضّلونها كي يتستّروا على الهروب من استحقاقات الديمقراطية مثلاً أو تبعات الفكرة الليبرالية.
هل ستختار هذه الحركات بوعي وإرادة الخروج من مدوّنتها والشروع برؤية العالم بعقل بارد ومنهجية استراتيجية تُحرّرنا وتحرّرها؟

كبرنا على فرضيات تقول بانتصار الشعوب وإراداتها.. لكننا حيال محنة حقيقية دموية، ماحقة للشعوب العربيّة التي انتفضت وخرجت من الجوع شاهرة سيفها، مجتمعات تشظّت ودول تفكّكت والتوحّش هو سيد الموقف.. لماذا يُصرّ التاريخ العربي على تزويدنا بمشاهد الموت والتهجير، ما الذي يشدّنا إلى هناك؟
مرزوق الحلبي: هذه فرضيات تغذت من عوامل تاريخية كانت فاعلة بقوة. حركات تحرّر الشعوب من الاستعمار وقبلها الثورات السياسية الاجتماعية الكبرى (الثورة الفرنسية وتلك الروسية وتلك الأمريكية) والفكرة الديمقراطية الليبرالية والحركات القومية التي نشأت ونمت منذ القرن السابع عشر وأقامت أقطارها ودولها واجتماعها، رغم المصاعب والحروب والصراعات المريرة. في هذه العوامل ما يُنتج آمالاً وأحلاماً وفرضيات “إن الشعوب إذا هبّت ستنتصر”. إلّا أن هذا الإرث من الفرضيات وإن بقي وظلّ معنا لكن التاريخ غيّر من طبيعته مع الشعوب. فنحن لسنا بصدد حقبة الثورات والتحولات التي قادتها البرجوازية في مواجهة الرأسمالية ضمن ما اعتبرناه الحداثة، هذه الحقبة انتهت. لقد دخلنا من عقود في حقبة العولمة المتسارعة، وانتقلنا من الحداثة إلى ما بعدها أو إلى ما سمّاها زيغموند باومن بـ “الحداثة السائلة” -ولديه أسبابه- حداثة زئبقيّة تنسلّ من المكان وتهرب خارج الحدود. إننا حيال ما بعد القومية والدولة القُطرية، وسيكون على الشعوب أن تغيّر من فرضياتها في حركتها المتطلّعة إلى العدل النسبيّ والمساواة النسبيّة. يعني إننا لا نستطيع أن نراهن على تحويلات تفرضها الطبقة البرجوازية على الطبقة الرأسمالية لأننا حيال هيكلية جديدة للطبقات.

“علينا الانتباه أن سيرورات العولمة تحمل كل عوامل تفكيك نسيج القوميات والجماعات عكس الفكرة القومية التي حملت عوامل الوحدة والتجميع، وعليه فإن مهمات الشعوب والمجتمعات لا سيما المُستضعفة صارت أصعب”


“كي لا نُنهك القارئ بالمصطلحات سأكتفي بمحاولة لتفسير العولمة. وهو المصطلح المفتاح لفهم التاريخ بوصفه صراعًا بين قوى. العولمة في جوهرها هي حركة بدون معوقات وأنظمة حماية وطنية لكل من السِلع والخدمات وخطوط الإنتاج والعمالة والمهارات ورأس المال (انظر البورصات) والأفكار والأنماط والقِيَم. هذه الشبكة من التقاطعات والعمليات الاقتصادية الهائلة الكِبَر والمتناهية الصِغر، التي توازيها في الحجم عمليات سياسية تخلق أمام أعيننا عالماً جديداً تفعل فيه فعلها ثورة الاتصالات والتكنولوجيا العالية. هذه السيرورة التي اندفعت بقوة بعد انتهاء الحرب الباردة أضعفت الشعوب والدول ونحّفت مفهوم السيادة الوطنيّة ونفاذ القرار الوطني وكادت تُفرغه من مضمونه (وهو ادّعاء يورغن هبرماس آخر منظّري مدرسة فرانكفورت) بل أفرغته تمامًا في المجتمعات المُستضعفة. القوى المتنفّذة في زمن العولمة وفكرة العولمة ذاتها وقوى الدفع فيها تشدّ العالم شدًّا إلى استغلال مواطن الضعف والهشاشة على مدار الكرة الأرضية.
حركة أخرى موازية وناتجة عن العولمة حرّرت العالم من كوابحه ومواثيقه ومعاهداته الكابحة للعنف والاستغلال والعدوان. فقد انتهت حربان كونيتان إلى سلسلة من القوانين والقواعد والمواثيق التي بدا العالم على قواه وأقطاره قابلاً بها كجزء من الدرس الإنساني الذي تمّ استخلاصه. سلسلة من الفظائع وحروب الإبادة والجرائم ضد الإنسانية استمرّت حتى مُنتصف القرن العشرين، الأمر الذي دفع الفكر السياسي والاجتماعي إلى ابتداع المواثيق والقوانين وسلسلة لا نهائية من النُظم المتفق عليها للحدّ من كل هذا. وأرانا الآن ما بعد هذه الكوابح وهذه الضوابط، وأن العالم فكّ أسر نفسه منها واندفع بفعل العولمة إلى مرحلة جديدة من الصراع على الموارد والمواقع وخطوط الملاحة والتجارة والبحار والمضائق والممرات البحرية ومصادر الطاقة والأسواق.. وهذا كلّه في صلب سيرورة العولمة. انتقلنا إلى صراع مكشوف حول ما ذكرت، وهو صراع متنقّل نشهد آثاره وتمثيلاته في الإقليم العربي على نحو يجعل من فرضياتنا عن انتصار الشعوب مجرّد إرث تقادم.
أما ثورة الاتصالات، وإن بدت لنا سلاحاً في أيدي الشعوب (انظر ما أشيع من خطاب بهذه الروح بعد ثورة الشعب المصري ضد حكم مبارك) لكن لديها وجه آخر؛ وهو أنها وسائل نافذة للسيطرة والاستحواذ، خصوصًا على الوعي وتصميمه على نحو يُتيح لمراكز القوى “صناعة الرأي” و”كيّ الوعي” العام للناس وللجماعات على نحو يخدم قوى الإنتاج ومراكز إنتاج العولمة وسيروراتها..
أمر لافت أيضاً في هذه السيرورات هو أنه إذا كانت الحركة القومية العالمية محرّكًا لبناء مجتمعات وتسوية صراعاتها وتوتراتها الداخلية لضمان نوع من التجانس في الدولة القومية، جاءت العولمة لتفكك وتشظّي المجتمعات في إطار إضعاف الدولة القومية والقرار الوطني والاجتماع ليتيسّر لها تحقيق مصالحها وأهدافها داخل الدول وعبرها. بمعنى أن سيرورات العولمة المتعدّدة المستويات تعمل بشكل تلقائي وبشكل مدروس على تفتيت الكيانات الدولانية والتعامل معها كقطاعات ومجموعات استهلاكية أو كمجموعات تستثمرها في مشاريعها الكونية أو الإقليمية. فلننتبه إلى ظاهرة جيوش المرتزقة أو استعمال مجموعات مُعدمة -السوريين مثلاً- في حروب تركيا في ليبيا أو في حروب الروس في مواقع أخرى.
ما أريد قوله بناء على الاستعراض آنف الذكر إن عوامل تفتيت الشعوب في كل مكان أكثر من عوامل توحيدها. لا تنتصر الشعوب بدون أن تطوّر وتفعّل نوعًا من الإرادة السياسيّة الجامعة، وهو ما تستهدفه مراكز القوى وتنجح كما نرى في ضربه أو إبقائه تحت السيطرة. في كل هذه السيرورات تتبدّى الشعوب والمجتمعات العربيّة هشّة ولقمة سائغة خاصة وأنها مستهدفة لأن أراضيها مُترعة بالموارد والمصالح كالتي أشرنا إليها.
أشير بناء على دراستي وتأملاتي في فكرة الدولة إلى أنني في سبيل الاستنتاج بأن سيرورات العولمة لن تتردد في شطب دول وتغيير خرائطها وحدودها، لأنها تملك القدرة على ذلك. صارت الدولة في كثير من الأحيان ظاهرة اسمية لا فعلية؛ سوريا والصومال والعراق وليبيا واليمن ولبنان، مثلاً. نحن على بعد مئة عام وأكثر عن اتفاقيات سايكس – بيكو (1916)، وقد رأينا أنه لم يبقَ منها سوى الخطوط على الخريطة. إثبات على أننا في حقبة أخرى يحدث فيها كل شيء، ويتحرّك التاريخ على حساب الشعوب وبهزيمتها – مؤقّتا.

كيف تنظر إلى العلاقة بين “الموضوعي” و”الذاتي” وبين “الداخليّ” و “الخارجيّ” فيما حصل، أو هل أمكننا الفصل بين العوامل الذاتية -الثقافية السياسيّة الاقتصادية والمعرفية- وبين العوامل الوافدة من الخارج؟
مرزوق الحلبي: “الفصل بين هذه العوامل إذا تمّ فهو فصل اصطناعيّ ولغرض النقاش. لأن كلّ هذه العوامل تتداخل أكثر وأكثر مع سيرورات العولمة وتقاطعاتها اللانهائيّة. مع هذا علينا كعرب أن نسأل أنفسنا أسئلة صعبة. أن ننقد ذاتنا الجماعية وثقافتنا ونعرّضهما للحفر الذي لا يُحابي. لقد فشلت النُخب العربيّة في العموم في إدارة الدولة والاجتماع المدنيّ لأسباب تتصل بها وأخرى بشروطها÷ وهي شروط الإقليم أو السياسات الدولية. فشلت لأسباب تتصل بها وبثقافتها: عوامل ذاتية. فشلت في عملية بناء الحياة المدنيّة التي لا تقوم إلّا بتكريس المدينة والحاضرة. ورأينا أن العكس هو الذي حصل. فقد تريّفت المُدن العربية بسبب من الهجرة إليها من الأرياف والمناطق النائية. صحيح أن الحركة حصلت في نيويورك ولندن وباريس وطوكيو.. لكنها توازت مع سياسات وطنية متعددة المستويات لمعالجتها تلافت انعكاساتها، وهو ما لم يحصل في الحالة العربية. إن حالات الهدر للموارد في المجتمعات العربية ظلّت عالية بكل المعايير، وهو ما يعني أن المال العام الذي من المفروض أن يُستثمر في الدولة وصيانتها وتطوير خدماتها وبُنيتها، لم يصل إلى غاياته، بل دخل إلى حسابات شخصية أو تمّ تهريبه إلى الخارج. كما أن الموارد البشريّة العربية تم هدرها كجزء من إهدار الإنسان العربيّ وجعله رهينة الاستبداد أو مشاريع شمولية أو قهرية قابضة أو قاتلة، كما في سوريا.

“النُخب العربيّة على مشاربها أخفقت في استثمار حقبة الاستقلال وما بعد الاستعمار لا سيّما في التأسيس لبنية اقتصادية تحمل المجتمعات إلى مواضع الأمن والاستقرار”


أمر آخر هو الإرادات السياسية التي ذهبت في اتجاهات لا تمتّ بصلة إلى مفهوم دولة المواطنين والمؤسسات والحداثة. أجزم أن الإرادات السياسية لم تصوّب على بناء الدولة وتطويرها بقدر ما صوّبت إلى تحقيق مصالحها هي ولو على حساب شعوبها ومقدرات هذه الشعوب. في سوريا مثلاً، لم يتمّ تطوير الصناعات التقليدية ولا تحديثها. ولم تتمّ حركة التمدين إلّا على مقاسات الطغمة الحاكمة وهي طغمة طائفية وإن قالت بالعروبة والقومية.
الأنظمة العربية على العموم بدل أن توضح غاياتها ومناهجها التحديثية المدنيّة؛ المواطنة والمساواة أمام القانون والحقوق الدستورية للناس وتكافؤ الفرص للجميع، فقد موّهتها وجعلتها مُبهمة بارتكازها مرّة على التديّن الشعبوي، ومرّة على العشيرة والطائفة والهويّات المناطقيّة والعرقيّة والدينيّة.. هذه البُنى التقليدية تعززت وازدهرت، الأمر الذي أفضى إلى ولاءات متعددة للفرد؛ فلم تعد الدولة أمّه وأباه سوى كهدف لقمعها ومباحثها.
راعني من قراءاتي الآخيرة وتأملاتي أن أكتشف أن كثيراً مما قُلناه عن “النهضة العربية” و”مطالعها” في نهايات القرن التاسع عشر كان غير دقيق وغير علمي إذا صحّ التعبير. لقد حصل تضخيم لهذه الحالة فوق حقيقتها التاريخية. فخطاب النهضة طال فئات محدودة جداً في المراكز العربية خاصة لأن انتشار الكتب والجرائد كان محدوداً؛ بضع آلاف نسخة من أوسع الجرائد انتشارًا في مصر، وأن معظم الناس كانت أمّية لا تتداول الخطاب ولا مفرداته. وخاصة أن المجتمعات العربية برمتها كانت في غالبيتها الساحقة مجتمعات زراعية وريفيّة. ولا يزال بعضها كذلك أو هي انتقلت إلى مجتمعات تعيش من اقتصاد ريعي غير منتج ولا يغيّر من البُنى الاجتماعية التقليدية. ما دامت النُخب قرأت تاريخها وأوضاعها قراءة خاطئة أو منقوصة، فإننا لو سلّمنا بمشاريعها النهضوية فإنها سوف تضلّ التطريق إلى سُدرة المنتهى.
في مستوى آخر، لم تستطع الأنظمة والمجتمعات العربية من إدارة علاقاتها بالعالم بشكل نافع كنتيجة مباشرة لعدم قُدرتها على إدارة نفسها في الداخل. أي أن الخلل الداخلي هو في نظر القوى الخارجية فرصة يُمكن النفاذ منها إلى تحقيق مصالح تجارية واقتصادية واستراتيجية. لأن جوهر المجتمعات العربية في ظلّ الإسلام كخطاب ومدوّنة وعقلية وموديل، ظلّت المجتمعات العربية متخلّفة عن الركب. فقد أدت هذه العوامل إلى فقر معرفي، لا سيّما في العلوم الاجتماعية العملية التي لم تتطوّر إلّا قليلاً. بالمقابل، وخلافًا لحركة النقل عن الغرب في بداية النهضة العربية، امتنع العرب عمومًا والإسلاميون تحديداً عن التعلّم من المركزية الغربية لأسباب هويتية وتاريخية ممتدّة منذ الحملات الصليبية. وهو أمر أفضى إلى فقر في هذه العلوم والمعارف، وإلى نقص شديد في الموديلات والآليات الضرورية لهيكلة المجتمع والاقتصاد وإدارة الاجتماع. فكان النكوص إلى استعمال العنف أو موديل “الأنظمة الشمولية” محصّلة حاصل.
كي تصحّ الرؤية علينا أن نشير إلى أن النُخب العربية هي المسؤول الأول والأخير عمّا حلّ بشعوبها خاصة بعد الاستقلال. إن صانع السياسات في العالم العربيّ فشل وأخفق وعلّق الأسباب على شماعة الغرب أو القوى الخارجيّة. فشل الخيار الديمقراطي هو فشل عربيّ في سياقنا هذا، لأن الديمقراطية ظلّت بعيدة عن ذهنية هذه النُخب التي واجهت الاستعمار بعقلية ثورية انقلابية لا تحويلية. قوامها العنف أو حرق المراحل. إقامة كل هذه المسالخ البشريّة في سوريا وشنّ حروب إبادة متوحّشة ضدّ الناس من درعا حتى إدلب، هو في الأساس من طبيعة النظام الشمولي. أو هي من طبيعة نظام أقلّوي يحرق البلد وأهلها كلّما لاحت بارقة تغيير في سلطته. وهذه الظواهر تستعملها الدول الخارجية وقوى العولمة لتحقيق مصالحها. وهي تستثمر الفرص إذا نشأت وقد تلجأ إلى خلقها إذا استطاعت. بمعنى أنها ليست بريئة من دم الشعوب العربية ومآسيها.
لقد اعتادت الدول العربية بعد الاستقلال على اعتماد خطط خمسية ورباعية وعشرية وما إلى ذلك في إطار مناهج وموديلات اجتاحت العالم بعد الاستعمار. إلا أنها في غالبيتها ظلّت بدون بنية اقتصادية متينة أو قابلة لحمل المجتمع بأمان. لم يحصل التحويل الاقتصادي المأمول الذي يضمن مستوى معيشة معقول وتوزيع الثروات، التي قد تكون محدودة، على نحو عادل ولو بشكل نسبي. لقد أرادت النُخب الحاكمة أن تضمن مصالحها وسؤددها وأن تُخفي فشلها وإخفاقاتها التاريخية بالقهر والعنف. وهو ما نحصده إلى الآن.

ينحو البعض في العالم العربي وفي خارجه إلى اتهام الثقافة العربية بقصورها، إلى الحفر فيها لكشف أسباب العطب. يذهب آخرون أبعد من ذلك إلى نوع من جلد الذات وتحقيرها وتبخيسها وإنهاء كل نقاش بالقول: “لأننا عرب”، “لأننا مسلمون” لن تقوم لنا قائمة!
مرزوق الحلبي: أنا شخصيًّا أمقت لعن الذات وأعتبره مقتلاً من مقاتل العربيّ المُنفعل بسبب من التخلّف والقهر. وأرى ذلك من نتائج الشعور بالقهر حيال العالم والآخر. من الأنساق الذهنية القابضة في حالات القهر. هي نتيجة أن تفقد الثقة بأنك بشر كباقي البشر، وأنك قادر مثلهم، وأن لا شيء ينقصك، وأن مجتمعي يستحق وجدير وقادر. حالة هي نتيجة قرون من الشعور بالقهر. وجه آخر من هذه النسق الذهني الفكري العملي هو تلك النزعة الاستعلائية تجاه الغرب أو تجاه كل ما هو ليس عربيّ أو إسلاميّ. لعن الذات يُعفي صاحبه من أي واجب وفعل. والاستعلاء، أيضًا، يُعفيه من بذل الجهد لإحداث تغيير. فالاستعلاء يمنحه شعوراً بالتوازن حيال الآخر، وبأن الأمور على أفضل ما يكون. ولننتبه كيف تتحول نقائص العربي كلّها إلى فضائل ضمن هذا الخطاب.

“الاشتغال بالتراث والتاريخ ينبغي أن ينحصر في تبيان أسباب الهزيمة والتخلّف، ليس في ماضي العرب ولا الإسلام ما يُمكنه أن يحلّ أبسط مشاكل المجتمعات الحديثة، لا معرفيًا ولا عمليا”


ما يبقى هو فعل حفر جاد في ثقافة العربي وهويته وإرثه ومدوّنته. عليه أن يتخلّص من شعور القهر أولاً. وهي عملية لن تحصل بفعل خارجي بل بفعل ذاتيّ. أن يعترف بنواقصه وإخفاقاته كشعب ومجتمع وديانة وثقافة. أن يتصالح مع ذاته ويرممها ويحميها من الوقوع في شرك التأرجح بين نقيض ونقيض. هذا لن يحصل دون مواجهة بين الفكرة العلمانية والدين أو بدون إصلاح ديني شامل. صحيح أن فلاسفة مسلمين وعربًا حاولوا واقترحوا وجرّبوا.. لكن المؤسسة العربية ظلّت مؤتمتة بنظام العقلية الإسلامية والتاريخ العربي المجيد. ما حصل للفكر الإسلامي حصل للفكر القومي العربي، أيضًا. هناك وهنا ظلّ الخطاب المُهيمن خطابا سلفيًّا ماضوياً. من هنا دعوتي الصريحة إلى القطيعة التامة مع التراث ولو لحقبة زمنية. فهذا الاشتغال المرَضي بالتراث وهذا الانغماس بالمدوّنة كمصدر لإنتاج الحلول والمخارج كارثيّ، لأنني لا أرى أي طائل من هذا الانشغال إلّا إذا تمحور في تبيان المعوقات وأسباب الفشل. التعامل مع التراث كسبب للهزائم يُفيدنا، أما غير ذلك فهو تكريس للتخلّف والقهر، وتكريس العرب مضحكة العصر.
علينا أن نعترف أن العطب في الجذر. في الثقافة التي لم تتجدّد معارفها ولا علومها ومعارفها منذ العصر العباسيّ. أكثر من ألف عام من التكرار والنقل والاتّباع. لنأخذ مثالًا اللغة العربية كم هي جامدة لدى المؤسسة الرسمية اللغوية والسياسية. كم هي مغلقة أمام أهلها. كم هو معجمها فقير ومحدود الأفق. كم هو التعامل معها يُشبه تعامل المجتمعات العربية مع المرأة؟ هناك ضرورة لتجديد المعارف العربية من خلال اعتبار معرفة الإنسان معرفة للعرب، أيضاً، ولا ضير في استخدامها في إدارة الاجتماع وليس فقط في تحقيق رفاهية الأمراء والطواغيت كما هو حاصل. على العرب أن يدخلوا التاريخ من جديد على أنهم كباقي شعوب الأرض لا أقلّ ولا أكثر. ليسوا “خير أمّة أُخرجت للناس” لكنهم ليسوا أقلّ من أي أمّة أخرى”

المخرج.. سؤال المليون دولار، أو السؤال الذي يجرّه العرب منذ مطالع النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، أي منذ ظهرت ملامح أمّة ومجتمعات على عتبة الحداثة؟
مرزوق الحلبي: هي محاولة منّي لقول ما لا يُقال في العادة. خضتُ في السنوات الأخيرة في تجربة شخصيّة جدًا ومعلّمة جدًا. تمثّلت في التعاون مع مؤسسة بريطانية متخصصة بالتدخّل في مناطق النزاعات تعتمد منهجيات الاستشراف ودراسة المستقبلات. استكملت عندها في محاولة لإطلاق مشروع تجريبي في فلسطين الداخل. عندما أردت تطبيق ما درست وجدت أن خيرة أبناء مجتمعي تعارض قبول لعب تخطيط المستقبل ودراسته ورسم سيناريوهاته، على اعتبار أنهم جميعاً -وأنا معهم- كنّا مصوّبين على حلّ الدولتين كمنظومة سياسية وفكرية وذهنية. لم نستطع تجاوز حدود هذا النسق، غلّا في اللقاءات الخامسة والسادسة. يومها، أدركت كم هي الأنساق السياسية، وفرضيات العمل المتقادمة تعيق مجرّد التفكير في المُغاير وفي الممكن المختلف وفي المستقبل. بمعنى أن النُخب العربية أسيرة فرضيات تقادمت وأن عقائدها وأيديولوجياتها صارت كومة من الخردة تربض على صدرها وفكرها ولغتها، ينبغي التخلّص منها كي تتحرّر من وهمها.

“* شهدت الثقافة العربية آخر تحديثاتها في العصر العباسيّ و”النهضة” حقبة قصيرة كانت محصورة في نُخبة محدودة جدا في مجتمعات زراعية وأمّية في غالبيتها”


في ختام تجربتي المُشار إليها انتهينا إلى تقرير استراتيجي يقوم على رسم سيناريوهات ممكنة للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني (العربي). نتبناه بلغة استراتيجية باردة تأتي من فوق العقائد والإيديولوجيات، وتعتمد العقل العلمي المفكّر، وقاعدة بيانات جافة تتجاوز خطاب الأمنيات والرغائب. حدّدنا نقاط الضعف ومكامن القوة، وخارطة الأعداء والأصدقاء، وعوامل ميسّرة وأخرى معيقة إلى آخر التفاصيل. عندما قرأنا ما وضعناه شعرنا شعورًا جماعيًا بالتحرّر. كان نصّنا العقلاني محرّراً لنا بامتياز. وخلصت إلى كتابة مقال بعنوان مشابه هو “النص الاستراتيجي بوصفه نصًّا تحريريًا بامتياز”. للقول إن إعمال العقل الجاف -إذا صحّ التعبير- حرّرنا من الانفعالات واعتبارات: نحبّ ونكره ونتمنى، وجعلنا نعرف ما نُريد وما نستطيع، وكيف نفعل ذلك. بالمناسبة، عندما أردت تحضير مواد مساعدة لمجموعتي باللغة العربية وجدت مقالاً واحداً مترجماً عن الإنكليزية يتحدّث عن علم الاستشراف. وسرّني كثيراً أن أكتشف قبل عامين مجلة “الاستشراف” الصادرة عن معهد الدوحة. أعترف أنني قرأت ثلاث مجلات كاملة منها في أسبوع واحد. لقد ولّدت لدي أملًا خاصة، وأنني أعرف نماذج لإبداعات عربيّة في كلّ مجال ومجال بما فيها علم الاجتماع، لكنها إبداعات لا تزال فردية متباعدة ولم تتحوّل إلى “ثقافة” و”خطاب” معتمديْن.
“لا مناص من إعادة العقل العربي إلى الواجهة كمحرّك أساس؛ ولا أقصد العقل الذي تحدّث عنه الجابري، بل ذاك العقل البديل للغيب والشعوذة، العقل المدبّر والفاعل والقادر، البديل للنصوص والمقدّس والمدوّنة، العقل البشري البديل للخلاص الإلهي السماوي، العقل العلمي العمليّ، البديل لعقل أسير النص والقصص والخرافة. العربيّ في نهاية المطاف بحاجة إلى السؤال وليس إلى الإيمان. كأن ثورة الشك قفزت فوق العربي فظلّ على إيمانه. ولفت انتباهي أن الثقافة العربية في العصر الحديث توقّفت عند الحداثة ولم تعتمد نقد الحداثة. توقّفت عند الدولة القطرية ولم تخض في تجربة نقدها وتطويرها. حتى الآن ناقشنا من داخل علم اجتماع وسياسة الدولة القُطرية. وقد يكون علينا أن نناقش من خلال علم اجتماع وعلوم سياسة حقبة العولمة.

“فرضية أننا خير أمّة أُخرجت للناس تشبه فرضية أننا الأفضل لأننا مسلمون وكلاهما ضرب من الغيب والهرطقة”

لفت نظري في علاقاتي الشخصية مع مثقفين عرب، وفي الخطاب الثقافي العربي، أن مثقفين غير إسلاميين علقوا في فخ التوجّهات الإسلاموية القائلة إن المسلمين أفضل من سواهم، لأنهم مسلمون فقط. لأنّهم يدينون بدين الإسلام، ولأنهم يحجّون ويصومون ويؤدون الفرائض! من فهم كهذا للذات والوجود لن نتقدّم سوى إلى نكبة بعدها نكسة. أنت لست أفضل لأنكّ مسلم، ولأن طابع المجتمع إسلامي، ولا هذا الاعتبار يُحرّرك من واجب بذل الجهد الواعي والمدروس لإنتاج العيش الآمن والاجتماع المعقول. وبالقدر نفسه أنت لست عاجزاً ولا مقهورًا لأنّك مسلم، وفي مجتمع إسلامي الطابع وتدين بالإسلام كما يُحاول إقناعنا البعض.
لا مناص للعربي كجماعة من مواجهة جرحه النرجسي، كما وصفه الصديق الراحل جورج طرابيشي. لا يُمكنه إلّا أن يخضع طوعًا لمقاربات فرويد وثورته في فهم الإنسان لذاته. وكما أشرت سابقًا، العربي كباقي البشر لا أقلّ ولا أكثر. من هنا تبدأ المسيرة. وحبّذا لو طالت حقول حياته كلّها لا سيّما لغته وثقافته القاصرتيْن في كل ما يتّصل بمعارف الحداثة والاجتماع الحديث المعوْلم، وما بعدها لا سيّما ما يتّصل منها بالاجتماع الحديث والدولة الحديثة.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top