تقارير

النسيج الاجتماعي في ريف حلب هل اندمج السوريون مع السوريين؟!

وجد المهجرون والنازحون من المحافظات في بداية الأمر صعوبة في التأقلم مع الحياة الريفية الموجودة في ريف حلب، والتي تحكمها عادات وتقاليد معينة،

حسين الخطيب – ريف حلب

خلفت حرب نظام الأسد على شعبه خلال عقد من الزمن خللاً في النسيج الاجتماعي السوري، الذي كان يعاني سابقاً من تنافرات اجتماعية، أي ما قبل الثورة السورية بفعل نظام الأسد الذي كان يسعى إلى خلق شرخ وتفرقة بين السوريين، وبالتدريج بدأ السوريون ينفرون من ذاتهم.
ثم جاءت موجات النزوح والتهجير التي استهدفت مناطق سيطرة المعارضة السورية، من مختلف المحافظات، والتي حطت رحال غالبيتها في ريف حلب، وذلك مع انشغال قسم من السوريين في المناطقية التي يتغنون بها، والتي شكلت عائقاً كبيراً في رؤية البعض لبعضهم الآخر كجزء من المجتمع السوري لا يمكن التخلي عنه.
كل ذلك إلى جانب الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية، وأزمات البطالة والفقر وغيرها؛ بدءاً من التفكك الاجتماعي الذي لا زال يرافق السوريين في مختلف مدن وبلدات ريف حلب، وصولاً إلى عدم تقبل الآخر، الذي ساهم في إيجاد عثرات عديدة، وقفت عائقاً أمام تشكل مجتمع متكامل من أناس سوريين من مناطق مختلفة يتميزون بعادات وتقاليد متنوعة. لكن لا بد من لمس بعض التغيرات التي كان الزمن كفيلاً بتوفيرها.
وجد المهجرون والنازحون من المحافظات في بداية الأمر صعوبة في التأقلم مع الحياة الريفية الموجودة في ريف حلب، والتي تحكمها عادات وتقاليد معينة، تختلف عن تقاليدهم الاجتماعية، لكن “ليس بالإمكان أحسن مما كان” كما يقال، ومع مضي الأيام تغيرت الأوضاع، فهم اليوم يشاركون سكان ريف حلب أفراحهم وأتراحهم.
تحدثت مجلة “طلعنا ع الحرية” إلى المحامي وعضو نقابة المحامين الأحرار، يوسف حسين والذي قال: “المجتمع السوري متعايش ومتقارب الثقافة والتقاليد والعادات الاجتماعية، ولا بدّ من العمل على التعاون الاجتماعي، الذي يساهم في عملية اندماجهم، لا سيما أننا نتشارك آلامنا وأحزاننا وأفراحنا معاً”.
وأضاف: “مما زاد من تعاون السوريين واندماجهم مع المجتمع هو الزواج المتبادل، الذي قرب المسافات بين الأسر السورية، التي تمتاز بخلفيات بيئية متنوعة، لكن في نهاية المطاف نجحوا في تحقيق بعض المكاسب للحفاظ على نسيج مجتمعهم”.
وعن تجربته الشخصية يقول المحامي يوسف، المهجر من مدينة السفيرة إلى ريف حلب إن ابنته “تزوجت شاباً من معضمية الشام، ولم أشعر يوماً بالفارق بين مدينة وأخرى” ويتابع: “لكن لا بد من مشاكل تظهر بين مجتمع الضيوف ومجتمعات المضيفين وتمنع استقرارهم، ولكن هكذا أمور تحكمها تقاليد وعادات بمجملها سورية”.
والتحق المهجرون والنازحون بسوق العمل من خلال رحلات تنقلهم إلى المناطق والمدن التي توفر فرص عمل لقاطنيها، لا سيما العمال من القطاع الخاص والقطاع العام أيضاً وأصحاب الحرف المهنية والمحال التجارية المتنوعة، فكثيراً ما تحمل المحال التجارية أسماء المدن والبلدات التي هُجِّر منها أصحابها.
التقت مجلة “طلعنا ع الحرية” السيد محمد بهاء الدين القاسم، من معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي ويقيم في مدينة مارع بريف حلب الشمالي منذ أكثر من عام، ويعمل في تجارة الأدوات المنزلية، يقول إنه واجه “صعوبة بالغة في التأقلم مع المجتمع المحلي بريف حلب، لاسيما في تسويق البضائع، لكن مع الزمن استطعت الانخراط في مختلف جوانب التسويق وتعلمت ما يرغب به الناس المحليون”.
ويضيف: “الريف الحلبي عاداته وتقاليده لا تختلف كثيراً عن عاداتنا، مما سهل عملية التأقلم مع طبيعة حياتهم وبيئة مجتمعهم المحافظ نسبياً، لكن بحكم الظروف يجب علينا التزام حدودنا حتى كسب ثقة السكان المحليين، وهذا ما يتيحه الوقت”.
والتقت مجلة “طلعنا ع الحرية” أبو محمد، يملك متجراً لصناعة وبيع الحلويات في مدينة مارع بريف حلب الشمالي أسماه “شعيبيات أريحا”، يقول أبو محمد: “في البداية لم أستطع افتتاح متجري، لكن بعد مرور وقت من النزوح، وعدم قدرتنا على العودة، افتتحت المتجر الذي اكتسب شهرةً محليةً واسعة، واستطاع أن يؤمن فرصة عمل لي ولعائلات أخرى من مدينة أريحا”. ويضيف: “إن الحياة هنا في ريف حلب لا تختلف كثيراً؛ فنحن نعيش في مدينتنا لكن هناك عدة معوقات معيشية أبرزها الإيجارات وغيرها التي تزيد من مآسينا”.
ويتيح الوقت أيضاً المزيد من التعافي للنازحين والمهجرين، وهذا الأمر ينطبق على الكثيرين؛ لأنهم يبدؤون حياتهم من الصفر، من البحث عن منزل وعمل وعيش كريم.. أي أن النازحين يتنقلون من منطقة لأخرى بحثاً عن عمل، ومن منزل لآخر بحثاً عن إيجارٍ أقل.
وتحدثت مجلة “طلعنا عالحرية” إلى الصحفي رامي السيد وهو من دمشق ويقيم في مدينة عفرين في ريف حلب، والذي قال: “المدن كانت أكثر سهولة لإمكانية الاندماج النسبي، لأنها توفر بيئة يحتاج الناس فيها لبعضهم البعض، أما المخيمات والقرى الأخرى فكانت أكثر صعوبة، حيث يسعى كل فريق من السوريين من منطقة واحدة إلى الالتفاف حول بعضهم”.
وأكد أن “المجتمعات السورية للأسف لم تتقبل بعضها، وهناك اختلاف وتفرقة بين السوريين في المدن أيضاً، ولا يوجد اندماج وتماهي بين المجتمعات، لأن كل فئة تتقوقع حول نفسها أي مع أبناء منطقتها فقط”.
وأضاف: “نظرة السكان المحليين للمهجرين وتعاملهم معهم تعتبرهم “ضيوف” فقط، ولا يمكن لهذا الضيف التملك والعمل على حساب السكان المحليين، أي أنه يجب أن يتقيد بحدود معينة، تفرضها الظروف الاجتماعية المحيطة به”.
وعن تجربته يرى السيد أن الحرب التي مرت على السوريين خلقت تعاطفاً وتعاضداً، “لكنني كشخص لم أجد أنه هناك اندماج حقيقي، لأن هذا التعاطف كان يدور بين أبناء المنطقة الواحدة فقط”.
ولا بد من الإشارة لخصوصية المناطق التي كانت أغلبية أهلها الأصليين هم من السوريين الكرد مثل عفرين وأريافها، وحيث تختلف النظرة للمهجرين إليها من العرب، بين من يراهم استغلوا ظروفاً معينة تدعمها سلطة الواقع، للمساهمة في تمييع هوية المنطقة، إلى من ينظر لهم كضحايا لا حيلة لهم أمام ظروف فُرضت على الجميع.
لقد حققت المجتمعات الموجودة في ريف حلب لنفسها تطوراً كبيراً في نقل وتبادل الخبرات العلمية والعملية فيما بينها، لاسيما أصحاب المهن والحرف، الذين نقلوا خبراتهم واستفادوا منها جميعاً، لكن بمجملها لم تخرج من منظور الأفضلية لأصحاب المنطقة الأصليين والمجتمع المحلي، الذين يبدون تعاضداً والتفافاً حول الذات، وينظرون إلى المهجرين كضيوف لا أكثر.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى