اقتصاد

المنظمات السورية، مظاهر إنسانية تفتح أبواباً مقنعة للعبودية

مقدمة: عقود طويلة مضت على الشعب السوري، لم يعرف فيها معنى للمجتمع المدني إلا من خلال مؤسسات غيرت المفاهيم وحرفت المسار نحو الهاوية، حيث تنتشر النقابات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني مع غياب الدور الحقيقي للمجتمع فيها، فهي حكر على من يوالي السلطات الأمنية، هذا إن لم تكن المؤسسة نفسها أحد المشاريع الظاهرية للسلطات الأمنية المستبدة.

تاريخ حافل بتغييب الوعي والفكر وأي نشاط للمجتمع المدني، ساهم بشكل أو بآخر بالكثير من التأثير السلبي على المجتمع، إلا أن هذا النوع من الاستبداد ساهم في خلق فجوة بين المجتمع والدولة، مما ظهرت نتائجه متأخرة مع انفجار الثورة السورية بمشاركة شعبية واسعة قل نظيرها.

ولادة المنظمات: تطورات الساحة السورية الخطيرة أظهرت حجم الفراغ والحاجة لوجود منظمات مجتمعية لسد الاحتياجات، وطبيعة الظروف سمحت للكثيرين باستغلال حالة الفوضى المرافقة للثورة، وسواء كان على مستوى أفراد أو مجموعات أو دول، وفي ظل الفوضى وغياب الخبرات وتدفق المساعدات، حيث لا مجال للتمييز، بين الخطأ والصواب، وبين الثائر والمستغل، وبين الوطني والعميل. بدأت ولادة جديدة غير منتظمة لتشكيل منظمات مجتمع مدني.

المنظمات خارج سوريا: شكلت حركة النزوح وخروج الكثير من اللاجئين تواجداً كبيراً للسوريين في الدول المجاورة، مما فتح الأبواب لتشكيل جمعيات ومنظمات سورية على أراضي الدول المجاورة، وفي تركيا مثلاً ونتيجة انفتاح الحدود على سوريا، تركز تواجد المنظمات بالقرب من المناطق الحدودية على اعتبار أن نشاطاتها تستهدف بشكل خاص الداخل السوري، ومع الكثير من المبادرات والأفكار أمام بحر من الاحتياجات والقليل من التوجهات الداعمة، دفع العديد إلى تعديل أفكارهم ومبادراتهم وتحويلها إلى ما يتناسب مع التوجهات الداعمة، ومن لم يعرف طريق مسار الدعم لم تر أفكاره ومبادراته أي نور.

دور الجهات المانحة: تركز بشكل كبير في المراحل الأولى من ظهور المنظمات توجهات داعمة للإغاثة والإعلام والتوثيق، ليتوسع لاحقاً إلى المجالات الصحية والثقافية والسياسية، كما سعت الجهات المانحة خلال هذه الفترة على تنفيذ تدريبات مكثفة للناشطين حول كيفية انشاء المنظمات وتقديم طلبات التمويل، وبسبب انعدام الخبرة لدى غالبية الشباب في هذا المجال كان من الضروري وجود مثل هذا النوع من التدريبات، إلا أن محتوى التدريب يتركز على مجموعة نقاط ظاهرية وهي كيفية اعداد أوراق تعريفية تحتوي على أساسيات التعريف من رسالة ورؤية وأهداف وبعض التوصيفات ليتم الانتقال مباشرة إلى مرحلة اعداد أوراق لمشروع بمحتوى مشابه لتعريف المنظمة بالإضافة لنموذج موازنة المشروع المالية المعتمد لدى الجهة المانحة، علماً أن كل جهة مانحة تعتمد على نموذج مختلف عن غيرها إلا أن المضمون في النهاية واحد.

لم تتضمن هذه التدريبات أياً من الأساسيات في الجوانب الإدارية والتنظيمية، فأهملت أسس الحوكمة الداخلية وتهيئة المنظمات للمساءلة، حيث غاب بشكل تام أي توجه من الجهات المانحة في تعريف المنظمات الناشئة عن أهمية الهياكل التنظيمية ومجالس الإدارة والإدارة وإجراءات الترشيح والتصويت، كما غاب أيضاً التعريف عن السياسات من إدارة مالية وجمع الأموال والتقارير والتخطيط والعلاقات العامة وغيرها، وهذا يحسب على الجهات المانحة التي سعت لتدريب السوريين على كيفية جذب الأموال منها فقط، مما يدل على تأثير واضح ومساهمة منها في عملية إفساد المجتمع المدني الناشئ بعد غيابه لعقود من الزمن.

الفساد: كنتيجة حتمية لغياب الحوكمة، ظهرت معالم التسلط والفساد منذ المراحل الأولى لنشوء المنظمات، لتشكل كل منظمة ادارتها وتبدأ بممارسة ما يحلو لها من قرارات دون أي إجراءات رسمية وفق الأصول، بدءاً من عملية التوظيف ووصولاً إلى اتخاذ القرارات المصيرية بشكل تعسفي، فكثيراً ما نرى في المنظمات السورية أن غالبية موظفيها هم من أفراد العائلة أو الأصدقاء أو ضمن دوائر ضيقة من المحسوبيات، كما من الممكن أن يتم فرض موظفين على المنظمة من قبل إحدى الجهات المؤثرة على القائمين على المنظمة أو على نشاطاتها، ورغم وجود موظفين لا تنطبق عليهم بالضرورة المواصفات السابقة وتم توظيفهم بحسب الحاجة لهم، إلا أن ظروف العمل التي يعيشون فيها لا تحتوي على الحد الأدنى من حماية حقوقهم في العمل، مما يضطر الموظف للتعايش مع أسلوب الإدارة مهما احتوت من أخطاء وانتقاص من حقوق وتصل إلى حدود لا يمكن توقع وجودها ضمن منظمة انسانية، كل ذلك خوفاً من فقدان الراتب الذي يعيش منه وعائلته.

نادرة تلك المنظمات التي تعمل حالياً وفق نظم حوكمة واضحة المعالم، وتسعى الكثير من المنظمات لتطبيق مستوى ما من التنظيم الإداري ووضع السياسات وبشكل خاص السياسات المتعلقة بالشؤون الإنسانية، وذلك كونها باتت من المتطلبات لدى عدد من الجهات المانحة، إلا أن العقلية السورية بما احتوته من فساد فكري واخلاقي يدفعها إلى إيجاد بعض النصوص التي لا تتجاوز كونها مجرد أوراق لا ترتبط كلماتها بالتطبيق الواقعي.

العبودية المقنعة: كثيرا ما نردد المثل الشعبي المعروف: قيل لفرعون: يا فرعون من فرعنك؟ قال: لم أجد من يردني.

ومن المؤسف أن واقع المنظمات السورية بات يحتوي على معالم لبدء عصر من العبودية المقنعة، حيث يرى القائمون على المنظمات من وجهة نظرهم أن ما يقومون به هو لخدمة الشعب السوري حتى وإن كانت أعمالهم مليئة بالتجاوزات القانونية والتزوير والفساد، إلا أن حاجتهم لتسيير أمورهم بهذه الأساليب بات يبرر لهم المزيد من التجاوزات التي فرضت بشكل أو بآخر على العاملين والمستفيدين منها تقبل كل التجاوزات واعتبارها شطارة في تسيير الأمور، مما يؤدي اولاً وآخراً إلى إيجاد ثقافة تقبل للفساد، وكل من ينتقدهم متهم بالمزاودة مسبقاً.

غياب مفهوم المحاسبة لدى المنظمات السورية متناقض تماماً مع مفهوم الثورة، وله الأثر الأكبر في ولادة عصر من الاستبداد الحديث على غرار العبودية الحديثة في بريطانيا.

Comments

comments

1 تعليق

1 Comment

  1. Hazem Alhameed

    2 أغسطس,2016 at 12:22 م

    من الواضح أن الحوكمة تعمل على قدم وساق في صحيفتكم : خبير في “تكنولوجيا المعلومات والأمن الرقمي”. محرر “القسم الاقتصادي” في طلعنا عالحرية!

اترك رد

إلى الأعلى