تقارير

المجتمع والتقاليد يفرض “الإنجاب المبكر” رغم أخطاره

شمس الدين مطعون

منذ الرابعة صباحاً وحتى الساعة الحادية عشرة بعد الظهر كانت السيدة “سها” (21 عاماً) تعاني آلام المخاض في إحدى مشافي التوليد في محافظة إدلب لتضع طفلتها الثانية، وتنهي حملها الرابع بعد مرور خمس سنوات فقط على زواجها.
تقول سها: “كانت آلام الولادة في هذه المرة صعبة جداً، وتعرضت لنزيف حاد”، وتتابع وهي تنظر إلى طفلتها الصغيرة وتضمها لصدرها بابتسامة متعبة: “الحمد لله هذه المرة نجوت مع طفلتي”. كانت سُها قد أجهضت حملها الماضي قبل عام، كما وضعت طفلاً قبلها بعام ونصف تقريباً، توفي بعد يومين فقط من ولادته.
تزوجت سُها في سن مبكرة، وقررت مع زوجها عدم الإنجاب إلا بعد مرور 3 سنوات على الأقل من زواجهما، ولكن سرعان ما اضطرت للتراجع عن هذا القرار وأنجبت طفلتها الأولى بعد سنة واحدة فقط من زواجها.
تروي سُها أنه بعد زواجها بشهر واحد بدأ الهمز واللمز عليها من جاراتها والأقارب: “إن شاء الله بقومتك بالهنا”، “شو مالك مخبي شي؟”، “بعرف دكتورة شاطرة إذا بدك”.. كانت هذه العبارات تتردد على مسامعها حدّ الاختناق، لتطالب زوجها بقرار الإنجاب: “لم أعد أحتمل كلام الناس، ورغم صغر سني، وتحذير الطبيبة لي أن الحمل ممكن أن يؤثر على جسدي، أصبحت مصرّة على الإنجاب، وبعد شهرين فقط من زواجي كنت حاملاً”.
تعاني سُها من مرض الضغط وتسرع القلب، وأصيبت بدوالي القدمين وفقر الدم، وكما أخبرتها طبيبة التوليد، فإن هذه المضاعفات جاءت نتيجة الحمل المتكرر في سن صغيرة.
المولود الذكر:
أنجبت “سناء” طفلتها الأولى بعد زواجها بعشرة أشهر فقط، وكانت بعمر 18 عاماً، لتقرر بعدها عدم الإنجاب بسبب الصعوبة التي عاشتها في المخاض وطيلة فترة حملها.
“في بادئ الأمر كانت أمي تعتني بطفلتي، وعندما تبكي كنت أبكي معها.. لم أكن أدرك معنى الأمومة وكان ذلك صعب جداً” تقول سناء.
سرعان ما وجدت سناء نفسها أماً لثلاث بنات، فـ”المجتمع وكلام الناس لا يرحم” كما تقول؛ وتروي السيدة أنها عندما كانت في فترة نقاهتها بعد ولادتها الأولى، بدأ الجميع من حولها يلقي على مسامعها عبارات: “إن شاء الله بصبي عندك”، “زينها بصبي”، “جيبيهن كلهن وريحي راسك”!
وأصرت أم زوجها على أنها لا تنجب الذكور، وقالت لها متحدية “إذا ما جبتي الصبي مالك قعدة عنا”!
تُمضي سناء فترة حملها الرابع بعد أن أنجبت ثلاث بنات بمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات ونصف، وتأمل أن ترزق بمولود ذكر، لكي ترتاح من عناء الحمل الذي تسبب لها بعدة مشاكل صحية: “لابد أن أنجب الصبي كي لا يتزوج زوجي أخرى”!
عدم الإنجاب بسرعة = مرض
تقول “دعاء” (17 عاماً) والتي مضى عام واحد على زواجها إنها زارت حتى الأن خمسة أخصائيين بالأمراض النسائية والتوليد، وأجرت عشرات التحاليل لكي تحمل، ولكن دون جدوى.
أثبتت جميع التحاليل التي أجرتها دعاء أنها لا تعاني من أي مشكلة عضوية، كما قال الأطباء إن حملها مسألة وقت لا أكثر، ولكن عائلتها لم تقتنع بآراء الأطباء، بمن فيهم أمها، التي تقول إنها حملت وهي بعمر 15 عاماً وكل أخوات دعاء حملوا بمثل سنها.
تقول دعاء: “لم أعد أحتمل كلام زوجي والعائلة التي تعاملني على أنني مريضة، ودائماً أهدد بالطلاق، أو بأن يتزوج زوجي بأخرى، لذلك أنا مضطرة لتناول عشرات الأدوية يومياً، من المقويات وغيرها”.
رأي الطب:
تجيب الدكتورة “منى الصادق” أخصائية أمراض نسائية وتوليد في إدلب أنه ليس للأمراض العضوية علاقة بتأخر الحمل، وبأن الإجراءات الاستقصائية في حال تأخر الحمل يلزم اتخاذها بعد سنة من الزواج على الأقل وللنساء بعمر 18 فما فوق.
وتقول د. الصادق إنه لمثل حالة مجتمعاتنا يجب عدم اتخاذ أي وسيلة لمنع الحمل الأول من أجل الاستقرار النفسي للأسرة، “وعلى عكس ما يشاع فإن استخدام وسائل منع الحمل في بداية الزواج ليس لها أي تأثير على الحمل مستقبلاً”.
وتوضح الطبيبة أن الحمل في سن مبكرة وخاصة للنساء ذوات البنية الجسمية الضعيفة من الممكن أن يتسبب بنقص في بعض العناصر المهمة لجسمها وعلى صحة جنينها أيضاً.
الصحة الإنجابية “إدلب”
كما أثبتت الدراسات أن 88% من المتزوجات في سن المراهقة يواجهن صعوبة كبيرة في الحمل، منها الإجهاض والنزف والولادة المتعثرة بحسب الطبيبة “بتول الخضر” مسؤولة الصحة الإنجابية بمديرية صحة إدلب.
وتقول د. الخضر إن “الحمل في سن مبكرة قد يؤدي إلى ولادة طفل هزيل أو وفاة الجنين” حيث يزداد معدل وفيات الرضع والأطفال تحت سن الخامسة عند هذه الفئة العمرية من الأمهات.
تحدد منظمة الصحة العالمية العمر الأنسب للحمل بين 20-35 عاماً، كما يجب أن تكون نسبة التباعد بين الولادات بين 3 – 5 سنوات.
وتجري الصحة الإنجابية بإدلب بالتعاون مع عمال الصحة المجتمعية CHW زيارات للمنازل والمخيمات بهدف توعية النساء الحوامل، من خلال تحديد الغذاء والدواء اللازم، وطرق تنظيم الأسرة، بمناقشة السيدة بوسائل منع الحمل والمضاعفات التي من الممكن أن تنتج عنها وتحديد الوسيلة الأنسب.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى