تقارير

الفقر والغلاء يعيدان أساليب العيش القديمة في إدلب

شمس الدين مطعون

في إدلب يعود الزمن إلى الوراء، حيث تسمع أصوات بوابير الكاز في الأزقة والحارات، كما في مسلسل باب الحارة وليالي الصالحية، و يلجأ الأهالي لاستخدام البوابير كأحد البدائل المتوفرة في ظل موجات الفقر والغلاء التي تعاني منها المنطقة.
“نحكم إغلاق ثقوب البابور، ونضرب ثلاثة ضربات حتى يمتلأ الرأس بالمازوت بعدها نفتح عزقة البابور قليلاً ونشعله، ونشدها مرة أخرى” بهذه الخطوات كانت السيدة أم هيام تعلم ابنتها قواعد تشغيل البابور.
تقول أم هيام “قمت بإنزال البابور من سدة المطبخ، وأنا استخدمه منذ أشهر عدة، موضحةً أن “ارتفاع أسعار الغاز لا تمكننا من اقتناء جرة دائماً، فنتركها للأمور الصغيرة كالقهوة والشاي، أما الطبخ فأستخدم له البابور”.
“بابور الكاز” وهو موقد مصنوع من النحاس، ويعمل على وقود “الكاز”، ولكن الأهالي يستخدمون المازوت بديلاً عنه لعدم توفر الكاز.
يضطر العشرات من الأهالي في إدلب للتغلب على مشكلة ارتفاع أسعار غاز الطهي الذي تضاعف، ليجدوا في الأدوات القديمة حلاً جيداً لا يخلو من المتاعب.
تقول “سناء”: “خصصت بعض الأواني للطبخ على البابور لأنها أصبحت سوداء ويصعب غسيلها”، وتتابع أن: “صوت البابور قوي جداً، وأعطاله كثيرة”.
بينما تضحك “أم خالد” والتي باتت تستخدم البابور لإعداد معظم طبخاتها أثناء حديثها، وتقول: “مين بصدق إنا نصير متل نسوان باب الحارة، نطبخ على البابور”، مردفةً “الحياة بتمشي لقدام ونحنا منرجع لورا”.
كما عادت مهنة تصليح البوابير، أو ما يعرف بـ”السمكري” لتنتشر في أسواق إدلب؛ ففي دكانه الصغير يجلس العم “أبو مصطفى” ومن حوله تصطف عشرات البوابير التي تحتاج للصيانة.
يقول أبو مصطفى: “البابور يحتاج إلى خبير باستعماله وكاز أو مازوت نضيف، الناس بتحط أشكال وألوان لهيك بيعطل”.
“الشمبر، النكاشة والرأس” هي القطع التي يستخدمها أبو مصطفى لإصلاح البوابير، “حتى أسعارها أصبحت مرتفعة، ويلجأ الأهالي لإصلاحها بدل استبدالها” قال العم.


موقد الطين:
تخلط “أم جيهان” التراب بالماء وتضيف بعضاً من بقايا أغصان القمح الجافة لتغطي بها الحجارة التي وزعتها بشكل نصف دائري لتجهز الموقد الخاص بالطبخ. تعطي هذه الطبقة الإضافية متانة للموقد، كما تجعله يحفظ الحرارة بشكل أفضل.
تقول أم جهان التي تقيم في إحدى مخيمات الشمال: “تعلمت هذه الطريقة من أمي التي كانت تستخدمها في حال انقطاع الغاز، أو لطهي الطبخات الكبيرة كسلق القمح السنوي”.
وتوضح السيدة: “الغاز متوفر، ولدي بدل الجرة ثلاث، ولكن تعبئتها مكلفة جداً، كما يصعب تشغيل الغاز في المخيم، ومعظم من حولك يطبخون على موقد النار”.


الفخارة
في منتصف سوق إدلب يصادفك بائع معدات فخارية منوعة الأشكال، كجرة ماء وكأس وأوعية للطبخ.
ينادي صاحب البسطة على بضاعته: “قرب.. بتطفي الشوب هالفخارة” في إشارة منه للجرة الفخارية التي لُفّت بكيس سميك من الصوف المبلل.
يوضح صاحب البسطة ويدعى “أبو مروان” أنه يبيع العشرات من هذه (الفخارة) مع دخول فصل الصيف: “مع ارتفاع أسعار المحروقات ووسائل التبريد الحديثة في إدلب عاد الأهالي لطرق الأجداد والزمن القديم، فهذه الأواني تستخدم لتبريد المياه”.
على شرفة منزله يعلق “مالك” الجرة الفخارية ويحرص ألا تتعرض لأشعة الشمس ويقوم بتبليل الكيس الذي لفت به كلما جف “بهذه الطريقة تبرد المياه، وتصبح أطيب” قال مالك، وهو من سكان إدلب. وتابع: “منذ قدومي من ريف حماة، لم أعد أعمل، والمصاريف كبيرة، وليس لدي قدرة للاشتراك بالكهرباء، ناهيك أنني لا أملك ثمن البراد”.


عربة وحصان:
في أرضه على أطراف بلدة بنش بريف إدلب يستخدم الحاج “أبو خالد” (59 سنة) خيلاً قوية يربط عليها آلة الحراثة.
يقول الحاج أبو خالد إن ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع أسعار المحاصيل الزراعية دفعها للرجوع لأبسط الأدوات وأقلها تكلفة.

ويوضح الحاج أن الظروف الاقتصادية المتردية “رجعتنا خمسين سنة لورا، كنت شوف والدي هيك يحرث الأرض”.
ويستخدم أبو خالد معدات عدة في عمله اليومي بالزراعة كلها قديمة، كعود الحراثة، والنورج، والدراس، والمنجل.
على عربة خشبية يجرها حصان، وحملت بأصناف من الخضار يجلس “أبو مهدي” وهو يمضي في شوارع مدينة إدلب منادياً على بضاعته: “قرب يا ريان.. حمرة يا بندورة”.
يقول أبو مهدي:: “إن أي مركبة أخرى ستحتاج وقود وتصليحات وكلها مرتفعة الثمن”، موضحاً: “لا أستطيع تحمل عناء دفعها من بيع البضائع القليلة التي أحملها”.
يلوح أبو مهدي بالسوط الذي بيده في إشارة للحصان أن يتوقف ويقول: “بداية الأمر كنت أحس بالخجل، ولكن اعتدت عليه بعد أن رأيت عشرات العربات التي تشبه عربتي”.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top