تقارير

“الشيخ جرّاح” الحيّ الذي تحوّل بصمود أهله لرمز فلسطيني لمقاومة التطهير العرقي

غسان ناصر

أكثر من سبعة آلاف فلسطيني مهدّدون بالطرد من منازلهم المهدّدة بدورها بالهدم، والمستفيدون من هذه الإجراءات التعسفية الإسرائيلية هم المستوطنون الصهاينة. هذا هو الواقع الجديد الذي فرضته سلطات الاحتلال في ظرف سياسي ساخن؛ فرئيس وزراء الحكومة بنيامين نتنياهو متمسك بالدور الرئيسي في مشهد لا يريد له نهاية، هربًا وتصديرًا لأزماته السياسية الداخلية المتلاحقة. وسكان حيّ “الشيخ جرّاح” سيكونون وقود هذا الهروب؛ فعملية التطهير العرقي والتهجير القسريّ ومحاصرة الحيّ مستمرّة، وذلك رغم الحراك الفلسطيني المقاوم، على امتداد خارطة الوطن الممزّق جغرافيًا، للمخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تهويد القدس واقتلاع أصحاب الأرض من مدينتهم المقدّسة، وحيّهم الذي تعود تسميته للقرن السادس عشر ميلادي -بحسب مصادر تاريخية-.
فما أصل حكاية الحيّ المقدسي الملاصق للمسجد الأقصى المبارك، والرابط بين شرقي القدس وغربها، الذي خرج إلى دائرة الضوء من جديد مؤخرًا؟


من يعرف جيدًا جغرافيا حيّ “الشيخ جرّاح” يدرك لماذا هو تحديدًا في “عين العاصفة” دائمًا، وعلى موعد متجدّد من “الكر والفر” بين أصحابه المدنيين العزل وقطعان المستوطنين المدججين بالأسلحة النارية، والذين تحميهم آلة الإرهاب الصهيونية، فهو يقع على تماس مباشر مع ما يعرف بخط هدنة 1949، ومع الشطر الغربي للقدس الذي استولى عليه الصهاينة، ويجاور تمامًا عددًا من المستوطنات غير الشرعية التي بنيت في العقود الأخيرة.
يتوسط الحيّ في شرقي القدس التي بقيت للفلسطينيين من عاصمتهم المحتلّة، حيّ “وادي الجوز” من الجهة الشرقية وحيّ “الساهرة” من الجهة الجنوبية. ويعتبر “الشيخ جرّاح” الرابط بجبل سكوبس المسمّى “الحوض المقدس” عند الإسرائيليين.
ومنذ 73 عامًا تسعى حكومات الاحتلال الإسرائيلي المتعاقبة إلى اقتلاع الوجود الفلسطيني وجذوره من هذا الحيّ، الذي كانت الحكومة الأردنية أهدته إلى لاجئين فلسطينيين ومنحت منازل لـ 28 عائلة، مساحة الواحد نحو 70 مترًا مربعًا مع حديقة تمتد على مساحة 400 متر مربع. فعملت سلطات الاحتلال على تطويق الحيّ ومحاصرته، بإنشاء وزارات أمنية حساسة وإقامة مباني حكومية أخرى في سياق سلوكها التوسعي المتدرّج، بقصد دفع العائلات الفلسطينية للرحيل. وأول ما احتله الصهاينة بالحيّ كان منزل عائلة “الشنطي” كموطئ قدم للتمدّد لاحقًا وإبعاد المقدسيين عن الحيّ بأكمله. كما استولوا على قصر “كرم المفتي” الذي بناه الشيخ طاهر الحسيني والد مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني عام 1840، والذي تحوّل لاحقًا إلى فندق “شيبرد”. وصادروا قبر حجازي السعدي الذي أسمته بـ “قبر شمعون الصديق” وحوّلته إلى مزار لليهود.
أصل الحكاية يعود للقرن السادس عشر ميلادي
يشتهر الحيّ المقدسي بضريح “الشيخ الجرّاح”، حيث أقيم مسجد لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا، ولكن من هو هذا الشيخ الذي ينسب إليه الحيّ؟ الجواب وفقًا للروايات التاريخية والشفاهية المتداولة حول أصل الحكاية أنه في العام 1880، وصل لمدينة القدس اليهودي يوسف بن رحاميم، قادمًا من أوروبا، هاربًا من الاضطهاد الذي طال اليهود هناك، فسارع إلى نجدته، المقدسي ابن حيّ “الشيخ جرّاح”، عبد ربه خليل بن إبراهيم، وأجره قطعة أرض لنجدته. ووفق القانون الشرعي الإسلامي، يسمّى هذا الاستئجار “التحكير”، وهو يتيح تأجير اليهود الأرض ويمنع بيعها لهم بموجب الأنظمة والقوانين العثمانية.
أما تسمية الحيّ بـ “الشيخ جرّاح”، فلها قصة أخرى.
تتضارب المعلومات في حقيقة اكتسابه هذا الاسم، وهوية الرجل الذي منحه اسمه، ووفقًا لبعض المصادر التاريخية، فإنّ أقدم الإشارات التي وردت عن حيّ “الشيخ جرّاح”، أو شخص الشيخ جرّاح، جاءت من القرن السادس عشر ميلادي. حيث يذكر مجير الدين الحنبلي، عبد الرحمن بن محمد المقدسي العُمري (860-928هـ)، في كتابه «الأُنس الجليل في تاريخ القدس والجليل» ويُعرف بـ «تاريخ الحنبلي»، أنه رأى زاوية في القدس، باسم الزاوية الجرّاحية، وتقع بظاهر القدس، من جهة الشمال كما حدّدها، وأضاف: “ولها وقفٌ ووظائف مرتبة ونسبتها لواقفها الأمير حسام الدين الحسين بن شرف الدين عيسى الجرّاحي”. وأضاف الحنبلي، أنّ الجرّاحي المذكور، هو أحد أمراء الملك صلاح الدين الأيوبي، محدّدًا وفاة صاحب الوقف الجرّاحي، سنة 598 للهجرة، مؤكّدًا أنه دفن في تلك الزاوية، وأنّ هناك عددًا من المدفونين في جهتها القبلية، قد يكونون من جماعة الجرّاحي.
ومع مرور الأيام صار قبر الجرّاح مزارًا، وأصبح اسم صاحبه، “شيخ”، بعدما ذكر الحنبلي في مصنفه، بأنه أمير. إذ يقول الشيخ عبد الغني النابلسي المقدسي، الحموي الأصل، في رحلته الموسومة بـ«الحضرة الأنسيّة في الرحلة القدسيّة»، والتي قام بها لفلسطين في أواخر القرن السابع عشر ميلادي، يقول: “فوصلنا إلى مزار الشيخ جرّاح، فوقفنا هناك وقرأنا الفاتحة”، ويضيف: “هذا المزار، في المدرسة الجرّاحية” مستندًا إلى ما ذكره الحنبلي في تاريخه، من دون أن يتطرّق إلى أنّ الحنبلي كان قد وصفه بالأمير عند صلاح الدين الأيوبي. وبعدما كان أميرًا، عند الحنبلي في تاريخه، ثم صار شيخًا بمزار في رحلة الشيخ النابلسي، تبيّن أنه كان طبيبًا أيضًا، بحسب مصادر تاريخية حديثة، لم تستند إلى أي مرجع سابق في إطلاق هذه الصفة الإضافية على الشيخ الجرّاح! فبحسب ما جاء في كتاب «المفصّل في تاريخ القدس»، الذي وضعه المؤرّخ المقدسي عارف العارف، فإنّ الشيخ جرّاح، كان طبيبًا، دون أن يؤكّد تلك المعلومة، إلّا أنه نقلها في سياق ترجمته، للمدرسة الجرّاحية، ناقلًا أنه يقال إنّ الجرّاح، كان طبيبًا خاصًّا، للملك صلاح الدين الأيوبي. وأيًا كانت الروايات التاريخية والشفاهية حول تسمية الحيّ، فإنّ ما هو ثابت هو حقّ أصحاب الأرض الأصليين من الفلسطينيين في ملكيته مهما احتال ودبّر المحتلّ الصهيوني.
رمزٌ لحداثة المجتمع المقدسي قبل النكبة
لا يمكن حصر مساحة حيّ “الشيخ جرّاح” برقم محدّد، لكنّ الثابت أنه في عام 1905 كان يضمّ 167 عائلة في 167 منزلًا البعض منها قصور فاخرة، وهذا عدد كبير في بداية القرن الـعشرين قبل نمو أحياء البقعة والطالبية غربي القدس، وقبل 10 سنوات من الحرب العالمية الأولى.
ومن أبرز المحاولات الصهيونية العديدة على مدار العقود الماضية، ما عُرف بمعارك “الشيخ جرّاح” قبيل النكبة عام 1948، التي لاقت فشلًا صهيونيًا ذريعًا، وواجهت مقاومة فلسطينية باسلة حمت الحيّ وسكانه.
وتذكر مصادر فلسطينية تاريخية، أنّ معظم سكان حيّ “الشيخ جرّاح” كانوا قبيل النكبة من الطبقة الراقية الثريّة الوازنة في المجتمع، كعائلات (الحسيني والنشاشيبي وغوشة وجار الله)، وسعت العصابات الصهيونية كثيرًا للقضاء عليهم وتشريدهم؛ لحرمان القدس من مورد يغذيها بالعقل والمال، ما حدا بأهالي الحيّ والفلسطينيين من حولهم لمقاومة العصابات ودفعها عسكريًا.
ومنذ مطالع القرن الماضي ارتبط الحيّ بالذاكرة الجمعيّة للمقدسيين والفلسطينيين عامّة، كرمز للحداثة التي أصابت المجتمع المقدسي والفلسطيني قبل الاحتلال البريطاني بزمن طويل، وعبّر الحيّ -بحسب مؤرّخين معاصرين- عن التغيير الكبير في نمط الحياة الثقافية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، وكان الأكثر نموًا بعد النكبة، والخيار الأمثل لمقرّات القنصليات والسفارات الأجنبية والمستشفيات والفنادق التي فقدت مبانيها غربي القدس.
وحكاية حيّ “الشيخ جرّاح” مع المخططات التوسعية الصهيونية قديمة، ففي عام 1950 تقدّمت وحدات منظمة “الهاغانا” الصهيونية الإرهابية إلى الحيّ واحتلت ثلاثة منازل لعائلات فلسطينية وهي تدعي ملكيتها. وفي عام 2009 استولى الصهاينة على منزل عائلة “الغاوي” بالقوة ورموا أثاث المنزل إلى خارج الدار وحولوه مركزًا للانطلاق منه للاستيلاء على نواحٍ أخرى من “الشيخ الجرّاح”، ما وضع جميع المقدسيين في دائرة الخطر، خاصّة أنّ المستوطنين يواصلون هدم المنازل الخالية ويخططون لبناء وحدات سكنية في إطار مخطط تهويد القدس وإتمام الطوق الاستيطاني على الشطر الشرقي منها.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top