مقالات رأي

السويداء بين تموزين

كان عنوان تموز 2018 هو إخضاع السويداء بالمساومة على نسائها المختطفات من قبل “داعش”، والنتيجة جرّ أبنائها للخدمة العسكرية، فيما أن عنوان تموز 2022 هو إخضاع السويداء لحكم الميليشيات، التي تؤمن طرق التهريب والمخدرات، دون أن تجد من يقف أمامها. وكلا التموزين فشلا في تحقيق هذه الأغراض.
بين تموز 2018 وتموز 2022 مرت أربعة أعوام، تغيرت فيها معالم السويداء كما هو حال المسألة السورية بعمومها. فإن كان الاستعصاء السياسي الناتج عن تنازع الأجندات الدولية جيوبوليتيكياً في إيجاد منافذ للحل العام في المسألة السورية، هو عنوان عام للمسألة السورية في الأعوام السابقة؛ فإن السويداء، وكجزء منها، تتشابك أحداثها وتختلط أوراقها وتتغير معالم الحدث فيها، وربما يكون العنوان الأبرز فيها: تماسك ووحدة أبناء السويداء لمواجهة هجوم “داعش” في تموز قبل أربع أعوام، إلى ما بدى على أنه تفتت في قواها وتماسكها الذاتي ومعالم اقتتال داخلي تستعر ناره تحت الرماد قبيل تموز 2022 الحالي..
أبرز معالم تموز 2018 أنه أثبت فكرة تماسك السويداء عصبياً، بمختلف مكوناتها المعارضة والشعبية والموالية لأي هجوم خارجي، ومسؤولية الروس الأولى والمباشرة، ومن خلفها السلطة السورية، عن هجوم “داعش” لقرى المنطقة الشرقية من محافظة السويداء، خاصة بعد سحب قوات الجيش من أطراف المحافظة الشرقية، وترك المساحة مفتوحة أمام التنظيم لدخول القرى الآمنة.
منذ تموز ذاك، بقيت السويداء ساحة مفتوحة لملفات عدة، أهمها تخلف أبنائها عن الخدمة العسكرية، وعدم إمكانية افتعال حدث عسكري مباشر فيها؛ لكونها من “الأقليات” التي لا تنطبق عليها صفات الإرهاب المزعومة. أضف لتجاذبها جيوسياسياً؛ لوقوعها في المنطقة الجنوبية المحاذية للأردن والبادية الشرقية السورية، الموقع الذي أهّلها لتكون معبراً لتهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود للأردن، ومنها لدول الخليج. فيما معادلة السيطرة عليها وإتباعها لمشروع ما انفصالي، أو إخضاعها بالقوة فشل سياسياً حتى الآن. لكن الفوضى العامة كانت سمتها الأبرز للأمس القريب. فالتماسك العصبي لأبناء هذه الأقلية بدأ بالتزعزع والاختلال، وبدأت تطفو على السطح عصابات الخطف وتهريب المخدرات والسلاح، الموقف الذي استدعى الأردن للإعلان الرسمي والمحذر من تغيير قواعد الاشتباك لمواجهته مؤخراً.
تتويجاً لهذا، وبعد غزوة روسيا لأوكرانيا، بدت معالم الانسحاب الروسي من بعض المواقع السورية عسكرياً، ومنها السويداء، وتركها ساحة مفتوحة للتمدد الإيراني. هذا التمدد الملحوظ بشكل غير مباشر من خلال الأذرع التي باتت الأوضح على ساحة المحافظة وتحاول فرض سطوتها عليها.
في تموز هذا العام 2022، كانت تتبدى بوضوح معالم اقتتال داخلي بين أبناء السويداء أنفسهم، حيث تمت تنمية وتعزيز فصيل محلي يتبع للمخابرات العسكرية، كما أثبتت البطاقات الأمنية التي يحملها أصحابها، أطلق عليه حركة الفجر، والذي بات يُهيئ ليصبح قوة أمر واقع من أبناء السويداء أنفسهم، وبرعاية وتعزيز أمني وميليشوي إيراني ومن حزب الله اللبناني، حسب اعترافات أفرادها، ليفرض سطوته وهيمنته على المنطقة.
الفصيل تحول من مجرد ميليشيا للخطف والسلب إلى مكون بذاته، توكل إليه مهمة تصفية مجموعات وأفراد منها المسماة مكافحة الإرهاب، أو عدد من عشائر البدو ساكني حي المقوس في المدينة، إلى ادعاء محاربة مروجي المخدرات، فيما كان مقر الفصيل نفسه معملاً لإنتاج وتوزيع المخدرات، كما كشفت أحداث اقتحامه من قبل أهالي السويداء! وليس فقط الطلب من عائلات السويداء أن تحج له لطلب الصفح وتقديم فروض الطاعة، ومحاولة فرض هيمنته على المنطقة الشمالية من السويداء. الأمر الذي وصل لمدينة شهبا، حيث قام بخطف عدد من أبنائها من آل الطويل ومحاولة فرض شروط خضوعهم ومن خلفهم كامل شهبا لفصيله، الأمر الذي تطور لالتحام أهلي جماعي من أبناء شهبا وإغلاق الطرق المؤدية لها بما فيها طريق دمشق الرئيسي وعدم رضوخهم لسطوة فصيل الفجر هذا.
لم يتأخر رد أبناء السويداء بالدعوة لتماسكهم المحلي مرة أخرى، ورفض سياسة الاخضاع والفلتان الأمني، لا وبل تحييد موضوعة الاقتتال المحلي إلى موقف شعبي موحد متمثلاً بالحاضنة الشعبية وفصائل السويداء ذاتية التسليح وبمقدمتها حركة رجال الكرامة، بالتوجه لاجتثاث هذه العصابة وعنوانها المطروح: لا نرضى حكم الميليشيات، ولا كبير في السويداء إلا الكرامة وعزة النفس. نحن مع حرمة الدم السوري، ومع تفعيل دور المؤسسات القانونية والقضائية، مع التغير العام لمصلحة الكل السوري، ولكن ما دامت هذه المؤسسات معطلة عن الفعل بحكم سطوة الأجهزة الأمنية فمن حق الواقع المحلي أن يطرح معادلته الواقعية التي عبر عنها الشيخ أبو حسن يحيى الحجار، قائد حركة رجال الكرامة، قبل أيام من اليوم: “ما لم تقم مؤسسات الدولة بدورها بالتغيير، فنحن سنصلح ونغير”.
ثوابت السويداء لليوم: لا للفتنة الداخلية، نعم للموقف الشعبي الموحد، لا للقتل والدم، نعم للعدالة والقانون، وإن كان معطلاً لليوم، فنعم للعرف الاجتماعي الأخلاقي كعرف عام تقبله كل المجتمعات البشرية حين يعطل فيها القانون والقضاء وترفض سطوة العصابات المارقة والاتجار بالمخدرات والسرقة والخطف. لا لحكم الميليشيات ونعم للتغير السياسي الذي يفضي إلى تحقيق العدل وسيادة القانون. لا لتلظي السلطة والميليشيات الإيرانية بتأليب أبناء الجبل على بعضهم بغية تحقيق مآربها بإحكام الهيمنة على السويداء كمعبر لتجارة المخدرات والسلاح، بل يجب كشف مخططاتها للعلن، محلياً ودولياً. فإن كانت المعادلة التي فرضت على السوريين: النظام أو الإرهاب، فإن معادلة السويداء كانت هي النظام أو العصابات، ولكنها معادلة مرفوضة بالسويداء كلياً.
لقد تأخر موقف السويداء لعلاج هذه الظاهرة تحكيماً للعقل والسبل السلمية للحل، فقد وقفت أمام مفترق طرق تبحث فيها عن آلية ناجعة لعلاج هذه الظاهرة، فبادرت بمظاهرات شعبية سلمية بداية هذا العام، وحاولت مراراً الضغط باتجاه تحسين الأوضاع القانونية والسياسية والاقتصادية، لكن أجهزة الدولة ومؤسساتها لا ترى ولا تسمع، بل تعزز سطوة الميليشيات! ليقف المجتمع الأهلي والوجدان العام للناس في حيرة في اتخاذ إجراء نهائي في هذه المرحلة. فأي إجراء جذري قد يقود لمقتلة داخلية تؤدي لتفكك النسيج المحلي وتأجيج الاقتتال الأهلي بين عائلات السويداء.
كل هذا والسلطة والأجهزة الأمنية مراقب بل معزز خلفي لهذه الفتنة والمستفيدة منها بكل أوجهها. ولكن الحكمة والعقل أيضاً تقول لا للذل، لا للهوان، لا لحكم الميليشيات؛ فتاريخ السويداء الوطني لا يسمح للعابثين فيه بالتمدد أكثر. فكان القرار في تموز هذا، وبالتزامن مع ذكرى تموز داعش 2018: التماسك المجتمعي والوقوف بوجه العصابات واجتثاثها، كموقف مجتمعي عام، لم يتطور بعد لموقف سياسي خاص، بقدر أنه يمس الموقف الوطني السياسي العام السوري بضرورة إحداث التغيير السياسي والانتقال من حكم الميليشيات إلى حكم مؤسسات الدولة وإقامة العدل وسيادة القانون.
موقف أبناء السويداء لليوم يظهر التعقل، حقن الدم بكل الطرق السلمية، الوقوف عند كرامة الناس وتاريخها، وهي مواقف وطنية أخلاقية ذات عمق مجتمعي راسخ، تتطلب من مثقفيها وسياسيها ورجالها الاجتماعيين الوطنيين إنارة هذه المواقف الوطنية متخذة منها أساساً للتغيير السياسي العام الوطني. إذ لازال بإمكان السويداء أن تلعب دوراً حيوياً في المعادلة الوطنية السورية، وئذ يبدو قول العقل والحكمة أن لا حل جذرياً بالسويداء إلا بحل جذري في سوريا كاملة؛ حلّ يقيم العدل وسيادة القانون، يحفظ كرامة الناس وحرياتهم العامة والشخصية، ويغير المعادلة السياسية فيها من حكم سلطة إلى حكم المؤسسات. فإن كان هذا الحل بعيد المنال لليوم، فمن الحكمة والعقل أيضاً ألا ترضى السويداء بسطوة الميليشيات، وأن تعود لتماسكها الوطني في مواجهتها ورفض الانزلاق لمشاريع فتنة داخلية أو حركات انفصالية، وهذا هو عنوان تموز هذا الصيف. ليبقى السؤال المطروح: هل تتوقف السويداء عند حدود مجتمعية باجتثاث هذه العصابات، أم تتحول لمقدمات في طرح المسألة السورية في التغيير السياسي المطلوب؟ سؤال برهن السوريين جميعهم، وليس أبناء السويداء وحسب.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top