تحقيقات

“الحواضر” تخنق السوريين بعد أن كانت وجبتهم المدللة!

يصل سعر البيضة الواحدة حالياً إلى 250 ليرة سورية، مع قابلية الزيادة، نظراً لتأثر كل الأسعار بالدولار الأمريكي وتراجع قيمة الليرة أمامه، ولنفرض أن شخصاً ما أراد تناول بيضة واحدة صباح كل يوم على مدى شهر، سيحتاج إلى 7500 ليرة، وهو مبلغ ليس بالقليل إذا ما قورن بالأجر الشهري الذي يتراوح بين 50- 65 ألفاً.

140 ألف ليرة شهرياً “فقط” لوجبة “حواضر” بسيطة!

ياسمينة أحمد- دمشق

بصوت متقطع، ونظرة كئيبة خيّمت على كامل وجهها، تقول وفاء: “لا ينال أطفالي الثلاثة كفايتهم من الغذاء يومياً، فحتى وجبة الإفطار ذات المكونات البسيطة، أصبحت من الكماليات على موائدنا، ولم يعد بإمكاننا توفيرها دائماً لهم، رغم أهميتها، كالبيض والحليب والجبن، والتي تستمر أسعارها بالارتفاع بشكل جنوني، حارمة صغارنا من الحصول على ما يغذيهم ويساعدهم على النمو”.
لطالما ترافقت وجبة الفطور أو كما يطلق عليها “الحواضر”، بالدفء في أحضان البيوت الدمشقية والسورية عموماً، وشكّلت رمزاً راسخاً في ذاكرة السوريين، كيف لا، وهي الحاضر الأكبر والضيف الدائم على الموائد، ولا ضير في تناولها أحياناً في غير موعدها الصباحي، فهي مناسبة لكل الأوقات، لتوفرها وانخفاض ثمنها مقارنة بالدخل.
تتابع وفاء: “يقولون العقل السليم في الجسم السليم، لكن إذا استمرت الحال على هذا المنوال، لن يكون هناك جسم سليم ولا عقل سليم، وإذا تمعنّا جدياً في الأمر، ستظهر لنا الكارثة بعد سنين، على شكل جيل هشّ، مدمّر جسدياً ونفسياً، ضعيف أمام الأمراض والمحن والمصاعب”.

مكونات بسيطة أصبحت معقدة!
عادة ما تشمل الحواضر، البيض، اللبنة والجبنة، الزيت والزعتر، الزيتون بأنواعه، والشنكليش أو السوركة، والمكدوس، وتستبدل أو يضاف إليها أيام الجمعة الفلافل والفول والمسبحة والفتات، في طقوس حميمية تصبغ المدينة العتيقة بطابع مميز لم يتبدل عبر السنوات السابقة، إلا أنه بات اليوم من الصعوبة وأحياناً من المستحيل توفير هذه المكونات على بساطتها، نظراً لجنون أسعارها المتماشي مع موجة غلاء تكتسح كل شيء في طريقها، وأولها الإنسان السوري الذي أصبح يعيش “على التوكل”، ودون أدنى نية لدى حكومة بضبط الأمر، في مشهد يبدو وكأن هذه الحكومة تتآمر مع سبق إصرار على إفناء من بقي منهم في “حضن الوطن”، ولم يولِّ وجهه صوب أصقاع العالم على اختلافها وحتى تلك غير المتوقعة، طلباً للأمان والكرامة، وهرباً من القتل والتشرد والجوع والظلم.

أسعار مرعبة!
يصل سعر البيضة الواحدة حالياً إلى 250 ليرة سورية، مع قابلية الزيادة، نظراً لتأثر كل الأسعار بالدولار الأمريكي وتراجع قيمة الليرة أمامه، ولنفرض أن شخصاً ما أراد تناول بيضة واحدة صباح كل يوم على مدى شهر، سيحتاج إلى 7500 ليرة، وهو مبلغ ليس بالقليل إذا ما قورن بالأجر الشهري الذي يتراوح بين 50- 65 ألفاً.
ماذا عن الأسرة؟ مثلاً لو أن أسرة مكونة من أربعة أشخاص تتناول البيض يومياً، وبالتالي فهي ستحتاج إلى حوالي 30 ألف ليرة (4 بيضات كل يوم)، وهو ما يشكل كارثة هنا، طبعاً دون أن نتطرق لبقية الأنواع، أو لغيرها من الاحتياجات الاعتيادية للأفراد من مصاريف ونقل وفواتير.. وتجدر الإشارة إلى أن قسماً كبيراً من السوريين في العاصمة مهجرون ونازحون، ويعيشون في بيوت مستأجرة تتراوح قيمة آجارها الشهري بين 75 -200 ألف، وقد تزيد عن ذلك في أحيان أخرى.

المصيبة في تنويع الأصناف!
في حال أرادت الأسرة ذات الأربعة أشخاص تناول عدة أنواع من “الحواضر”، ستتكبد عبءاً مادياً كبيراً، علماً أن الأسعار تتغير بين ساعة وأخرى، وليس بين يوم وآخر، كما وتختلف بين مناطق دمشق نفسها، وبين محافظة وأخرى، مرفق قائمة بأسعار الحواضر في دمشق، بدون تكلفة قطعة “المكدوس” الشعبي التي أصبحت من الرفاهيات.
إذا اشترت هذه الأسرة 200 غ من الجبنة البيضاء، اللبنة، الزيتون الأخضر، يومياً، ستصرف 3700 ليرة يومياً، ما يقدر شهرياً بـ 111000 ليرة! وفي حال أضيف إلى هذه الوجبة 4 بيضات يومياً ستكون تكلفة وجبة الحواضر الخفيفة شهرياً 141 ألف ليرة!
تقول ثناء: “أحتاج يومياً أنا وأولادي الثلاثة إلى إفطار بما يقارب 7 – 8 آلاف ليرة”، ما يعني حسب كلامها إنفاق 210 -240 ألفاً في الشهر، مع العلم أنها موظفة حكومية لا يتعدى راتبها 60 ألفاً.
أما أسامة، صاحب متجر صغير لبيع الخضار والفاكهة، فيؤكد أنه برغم عمله على مدار اليوم، فلا يستطيع تأمين مستلزمات إفطار متعدد الأنواع يومياً كما كان قبل سنوات، موضحاً: “في الوقت الذي تأكل فيه أسرتي صنفاً معيناً كالبيض، فذلك يعني أن لا أصناف أخرى كالجبنة أو اللبنة، وبحكم عملي أحاول إضافة القليل من الخضار لتساعد على تغذية أولادي، فالأسعار ملتهبة ولا قدرة لي على توفير كل متطلبات المعيشة، من مأكل وملبس، ووقود التدفئة وغيرها”.
وإذا تمعنا قليلاً في أمر الأسر الصغيرة التي لا يتعدى أفرادها الثلاثة أو الأربعة ومدى إنفاقها على وجبة إفطار بسيطة، فما الحال الذي ستعانيه الأسر الأكبر حجماً؟ وكيف سيتدبر الناس شؤون حياتهم في واقع بات يعتصرهم حدّ الاختناق، ويسلبهم ما تبقى من كرامة على شكل لقمة مغمسة بالذل والندم.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى