مقالات رأي

الثورة السورية ضد عنترة!

اللوحة للفنان سمير خليلي

حسن عارفة

بعيداً عن مجازر النظام السوري وجرائمه خلال السنوات العشر الماضية، وبعيداً عن خضوعه لحلفائه وانحناءاته الكثيرة، وكسره لمختلف القوانين الإنسانية بكل المجالات، وبعيداً أيضاً عن مصائبه ومصائب بعض الأطراف الأخرى حتى؛ فهي كثيرة ولا يسعها صفحات مجلة أو موقع أو مركز أبحاث حتى! 

لنعد لإحدى أكبر مشاكل سوريا مع الأسد، التي ببساطة وصفها الشاعر السوري الراحل نزار قباني حين قال في إحدى قصائده: “هذي البلاد شقة مفروشة.. يملكها شخصٌ يسمّى عنترة!” ومن هنا، يجب أن نبدأ بواحد من أهم أسباب الثورة المحتومة على هذا النظام، وسردية المعاناة لمن قالوا لا في وجهه قبل عام 2011 وبعده. 

لم يكن “عنترة” شخصاً عادياً، استطاع تحويل بلد كامل إلى شقة مخنوقة، مكونة من غرفة واحدة، لا شرفات لها، ولا دورات مياه، فهذه الأخيرة أصبحت معتقلات! حتى النوافذ عززها بشِباكٍ حديدية لتغدو شبيهة بنوافذ المعتقلات، وأصبح باب الشقة متربَساً بسلاسل لا يملك مفاتيحها إلا سفراؤه وعبيده! 

في شقتنا السورية، جدران ملوّنة، فسيفسائية إلى حدٍّ ما، أصبحت معرضاً لصور عنترة، صور عائلته، شعاراته، إنجازاته وخراب سقطاته؛ كانسحابه من القنيطرة هرباً من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأجندة بقاموس يشرح مفردة الانقلاب العسكري على أنها ثورة، وقمع البلاد بأنها حركة تصحيحية، وحتى الاستفتاء أصبح انتخاباً في هذا القاموس. 

لكن، الحق يقال، استطاع عنترة تفعيل الكهرباء، والماء، ولوازم الحياة في هذه الشقة. أقنعنا بأن هذه الأمور رفاهيات.. فضائل ومنّة منه، جمائل، هبات وهدايا، كما أكرم السكان بتلفاز ناطق باسمه، يفتتح برامجه بـ”بطولات عنترة”، “لا شيء في إذاعة الصباح نهتم به.. فالخبر الأول فيها: خبرٌ عن عنترة.. والخبر الأخير فيها: خبرٌ عن عنترة!.. لا شيء في البرنامج الثاني سـوى عـزفٌ على القانون من مؤلفات عنترة.. ولوحةٌ زيتيةٌ من خـربشات عـنترة.. وبـاقةٌ من أردإ الشعر بصوت عـنترة!!” قال القباني في قصيدته، وهكذا.

لعنترة الأسد السوري، ميزة غير بشرية؛ هو الخالد الأبدي، من حافظ إلى بشار ثم حافظ الحفيد. ولم لا؟ لا شيء يمنعه من التفكير والرجوع بهيئة بشار الحفيد، فهو لا يموت، متحور ومتحول، متطور بشكل دائم؛ ففي الثمانينات ضرب مدنه بالأسلحة التقليدية، وباع ما باع، وفاوض ما فاوض، وتاجر بجزء من الشقة (الجولان) واستثمر به، وكذا فعل بضيوفه اللاجئين من فلسطين وتاجر بهم، محققاً أرباحاً خيالية، جعلته يملك الشقة من عام 1971 بعقد مفتوح، رغم أنه مستأجر لها، لكنه يملكها! وبعد الـ2011، طور أسلحته ليقتل شعبه بأنواع متعددة من الغازات. 

هكذا حالنا كشعب سوري سكن 40 عاماً في شقة استملكها عنترة، وللتنويه، عنترة هنا ليس عنترة الشاعر والفارس الجاهلي، هو عنترة بالمفهوم الشائع لدينا، عنترة الرمز الأسدي الذي يلخص كل صفات التسلط والحقد، هو المتحرش المتنمر، والتلخيص الأمثل لكل صفات الشرّ، فهذا العنترة فارس يدير ظهره لأعدائه جنوب غرب سوريا، ويوجه سيفه نحو شعبه؛ فكان لا بد مما بدأناه عام 2011، لنتمسك بمطالب البدايات، ونواجه عنترة وأشباهه الكثر في الخارطة السورية الممزقة حالياً.  

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى