ثقافة

استجرار الذكرى عند الشاعر عبدالله الحريري

أجرى الحوار الشاعر حسين الضاهر

مثل معظم البدايات كانت بداية الشاعر السوري عبدالله الحريري، المولود في ريف درعا عام 1983، والذي صدرت له مجموعتان شعريتان بعنوان “لا تنس قلبك حافيًا” و”الشهيق إلى الرئة الحرام”.
عن خطواته الأولى على درب الشعر يقول الحريري: “لم أكن من أصحاب البدايات الواعدة، نشأت في قرية صغيرة في ريف درعا الشرقي، أنضجتْ شمسُ حوران في وجهي رغيفاً كل صيف، وأكل ترابه من طراوة أصابعي حتى شبع، لذلك لم أرسم سمكة على جدار البيت، ولم أشارك في لوحة الحائط المدرسية. كنت الأول على صفي كعادة بقية إخوتي، وأكثرت من الرسائل الغرامية لزميلات الدراسة؛ كانت أولاها في الصف الثاني الابتدائي على قصاصة ورقية صغيرة حمّلتُها لابن عمتي الذي أعطاها إياها ناهراً: “ولك هاي من عبد الله”! منذ ذلك الحين لا أقول لأنثى (ولك) إلا تحبباً”..
“أول ما كتبته على هيئة شعر كان في الصف السابع، والكسر العروضي الذي نبهني إليه شيخ القرية (الشيخ موسى)، وكان شاعراً، كفأني عن المحاولة مرة أخرى حتى الصف الأول الثانوي، حيث حثني على المتابعة أستاذ اللغة العربية في مدرسة المتفوقين التي التحقت بها، وكان اسمه (محمد درويش)”!
أما عن البداية، وتكرارها، “فهي ليست اختيارية بقدر ما هي طبيعة، لا أقول بفطرة الشعر، بل بالميل الأصيل نحو الكتابة، أما شكلها الشعري فكان لدوافع نفسية واجتماعية وعاطفية؛ فيكفي أن تكون من الجيل الأخير في حياة نزار قباني ومحمود درويش وغيرهما لتصرف اهتمامك بالكتابة إلى الشعر شكلاً، والشعر كأسلوب كتابي يخلب صاحبه قبل أن يخلب سامعه أو قارئه. ما أود قوله: لم تكن البدايات لتتغير لو أعدنا الكرّة في نفس الشروط، ربما كانت لتفعل في شروط مختلفة، لكنها لن تخرج عن الميل للكتابة في طبيعة الكاتب”.


تشكل الذاكرة مادة دسمة للكاتب بشكل عام، وللشاعر على وجه الخصوص إن وجد في بيئة ضيقة تفتقر للاحتكاك والمعايشة، هل تعتبر كذلك لعبد الله الحريري أم أنه يعتبر استجرار الذاكرة لخدمة القصيدة فعلاً قاسياً؟
أعتقد أن حياة الإنسان لحظة واحدة مستمرة هي (الآن)، وفي هذه اللحظة يعيش في تنازع بين الذاكرة وبين الرؤية/ الآتي، في عملية تشبه البورصة؛ مرة تصعد أسهم على حساب أسهم بينهما. أحياناً تسحبنا الذاكرة إلى قيعانها فلا نخرج إلا بشقّ الأنفس، ولا أعني الذاكرة الشخصية فقط، بل الماضي موروثاً واعتباراً، وغالباً ما يقع الإنسان في حفرة النكوص إلى الماضي في ظروف الضعف والهزيمة على كل المستويات العاطفية والنفسية والسياسية والاقتصادية. من هنا يمكننا أن نرقب توقف أو تباطؤ حركة التحديث في الأدب العربي بعد انكسار ثورات الربيع العربي، بل نجد انصرافاً يقينياً للماضي شكلاً ومضموناً. أما في أحيان أخرى ينصرف الكاتب للرؤية مستشرفاً المستقبل في قراءة إعجازية لواقعه وماضيه، فيبتكر، أو يحاول على الأقل، بالشكل والمضمون وحتى على مستوى الفكرة والصورة وتجاوز الحدود وكسر المألوف.
أما إذا كنت تقصد الوحدة والعزلة كظرف يُلجِئ الشاعر إلى اجترار الذكرى، فربما يقع فيه الشاعر وغير الشاعر بين فينة وأخرى، لكن الاستمرار في هذه الحال يعني برأيي أن الشاعر عاطل عن الشعر، بما تعنيه كتابة الشعر من متابعة الحركة الأدبية والقراءة والكتابة كفعل يومي.. إلخ، وهذه النشاطات بحد ذاتها تباعد بين جدران الوحدة وتبعد شفرة العزلة عن الرقبة.


كونك ابن بيئة ريفية، ما الذي قدمتْه المدينة لك، ومخيم اليرموك خصوصًا؟
يتوق كل أبناء الريف، وأنا منهم، إلى المدن. يتوهمون أنها ستقدم لهم الفرص وتفتح لهم الأبواب، لكن هذا ليس صحيحاً بالضرورة في بلداننا المحكومة بالحديد والنار، فأنت تنطلق من الريف الرحب المحمي بشبكة اجتماعية قوية من تغلغل المخابرات وأجهزة الدولة القمعية إلى مدن تختنق بعناصر الأمن، في الجامعات، والأحياء، والمقاهي، والمكتبات.. مدن تحولت فيها دور السينما لمواخير، والأمسيات الشعرية إلى مهرجانات لعق أحذية وتمسيح جوخ.
حررتنا دمشق من قبضة العادات الاجتماعية والضوابط العامة في الريف، لكنها حصرتنا بحيّزها المراقب، وروضتنا تدريجياً في البارات والمقاهي، فصدّقنا أن الكتابة تكون ببعض الادعاءات؛ كشراء جرائد معينة والقراءة والحديث عن مشاهير الكتّاب وارتياد أماكن بعينها والسهر حتى مطلع الفجر. وربما اعتقد بعضنا أن الفشل المهني والدراسي والعاطفي والعائلي وسيلة مشروعة لرفض واقعنا الرديء. وهل يطمح نظام ديكتاتوري لأكثر من ذلك؟ تفريغ الشباب من جموحه. من هنا يمكن أن نفهم خروج الثورة من الأطراف. لكن دمشق رغم ذلك أهدتنا أصدقاء كثراً، وألجأتنا بقساوتها لأعشاش رحبة في عشوائياتها الطرفية (يذكرني ذلك بأغنية سميح شقير: غرفة صغيرة)، ومنها مخيم اليرموك: الحالة الأكثر صخباً وخصوبة في ذلك الوقت، وأستطيع أن أقول إن أول المشوار بدأ حقيقة في مخيم اليرموك. ومن المحطات المهمة في دمشق (بيت القصيد) الذي يعود الفضل فيه للقمان ديركي بالدرجة الأولى، كان مكاناً لإلقاء الشعر دون مروره على أجهزة الرقابة؛ في قبو فندق برج الفردوس الضيق المكتظ بعشرات المدخنين كان الأكسجين طازجاً والحياة ممكنة.


الملاحظ في ديوانك “الشهيق إلى الرئة الحرام” ذكرك الكثير والمباشر للثورة، على عكس ديوانك الثاني “لا تنس قلبك حافيًا” فقد جئت على ذكرها بشكل رمزي غير مباشر وقليل، فما الذي قدمته الثورة لعبد الله الشاعر، ولقصيدته؟
كُتبت نصوص الديوان الأول أثناء الثورة، وربما يلمس قارئه التدرج الزمني منذ انطلاقتها حتى الهروب من مخيم اليرموك بعد سيطرة داعش وجبهة النصرة عليه، حيث طبع ونشر عام 2016 أثناء الحصار. من الطبيعي إذاً أن تعمّ مفردات الثورة والهتاف والمعتقل والحرب والموت والجوع أرجاءه. أما الديوان الثاني فكان بعد وصولي إلى تركيا، إنه أشبه بالاسترجاع للتجربة، وكذلك محاولة لاستعادة الطبيعي بعد النجاة من دائرة التهديد اليومي بالموت قصفاً أو بقطع الرأس. يشكّ الناجي، بعد ثماني سنوات من الصدمة المستمرة، بطبيعيّته وقدرته على الحب والضحك والغناء والرقص، وربما بقدرته على الكتابة أيضاً، لكنه في محاولته للعبور في هذا البرزخ لا يستطيع التخلص من نجيل ذاكرته الحمراء، لذلك يتشرب كل شيء يكتبه بالموت بعد أن كان الموت هو المحرك المباشر لما يكتب.
بالإضافة لذلك كانت هناك مسؤولية تجاه الضحايا، أخلاقية ووطنية، فبعد الانحرافات الكبيرة في المسار توجبت المراجعات، أنا لا أجزم بنجاحي في المراجعة، ولكنها كانت على الأقل بمثابة وقوف توصيفي على اللحظة أمام مفاهيم مثل (نحن) المنقسمة، و(سوريا) المجزأة، و(الثورة) المغيبة في ظلّ تصدر أمراء الحرب والعملاء وأصحاب المصالح. إن جاز القول، كان هناك محاولة للبحث عن الثورة (أو عن الثورة الجديدة) التي ليس من السهل توقع أماكن انبعاثها من جديد ضمن المناطق السورية المسحوقة.


أتيت على ذكر “اسطنبول” عدة مرات في ديوان “لا تنس قلبك حافيًا” ومن بينها قصيدة بعنوان “في اسطنبول أنا إثنان”، هل تعتبر نفسك عشت حالة تشظي في لجوئك؟ وبعد سنوات من هذا الديوان، هل ترى نفسك قد نجوت من ذاك التشظي “إن وجد”، وما الذي استطاعت تقديمه اسطنبول لحالتك الشعرية غير المدن الأخرى التي عشت معها؟
أعتقد أن حالة التشظي بالنسبة لنا بدأت ما قبل اللجوء، حيث انهارت تصوراتنا الراسخة عن الوطن والشعب والمجتمع والعدو والوطنية والخيانة وغيرها بعد انحياز قسم لصف النظام وانجرار قسم باتجاه تنظيمات راديكالية لم تقتصر على داعش والنصرة. لكن هذا التشظي أشخص نفسه عندما أيقنّا بالهزيمة. نحن هُجّرنا في منتصف عام 2018، وعلى الرغم من أنه لم يكن انتصاراً للنظام لكنّه كان هزيمة لنا؛ حُلمنا بالرقص في ساحة الأمويين وبالدولة الديمقراطية، قبور أصدقائنا الذين ارتقوا خلال سنوات الحرب والحصار، كل ذلك تساقط منا مع حركة الحوافل التي أقلتنا باتجاه الشمال السوري.
أما استنبول فهي جزء من تاريخ تعلمناه مغلوطاً، وأراد البعض أن نراجعه بشكل مغلوط أيضاً. قبل مئة عام من وصولي إليها كان التاريخ يتململ بكتفيه ليغير وجهته، ولم يكن علي إلا اقتفاء الأثر في شوارعها وساحاتها وقراءة حركة التغير في ملامحها. رأيتها كعجوز تُجري كل يوم عملية تجميل، تحاول إنكار تأثير الزمن بها، ولا أحد يهمس في أذنيها: “كفاكِ، فالزمن لا يعود إلى الخلف”، لكنها لن تستطيع قهر طبيعتها. منذ مئة سنة واسطنبول تحب السياح أكثر من أبنائها، فكيف لها أن تحبنا وهي ترانا فطوراً نلتصق وننمو فوق قشرتها العتيقة؟ إنها تجذبنا إليها لتقول حين نركن إلى عباءتها: “لقد اقتربتم كثيراً، هاكم باب البحر، واتركوا لي وجوهاً تتبدل كل ليلة في شوارعي المكتظة”. إنها مدينة جميلة، ملولة، يكاد الزهايمر يأكل عقلها.


هناك من يعتبر الشعر حالة تجدد على مستوى النفس، وهناك من يعتبره موت مكرر، ما هي نظرتك لهذا الكائن؟
الكتابة بشكل عام فعل باحث عن الخلود، محاولة اللاموت عن طريق القدرة على الإيجاد/ الخلق. قد يخالف بعض الكتّاب ذلك لما ينطوي عليه من أنانية الكاتب نفسه، ومن دحض لدوافع الكتابة المدعاة، لكنه بهذا المعنى فعل تجدد. هذا يرجعنا إلى طرحك بأن الذاكرة مادة دسمة للكتابة، لأن الكاتب يميل إلى إحياء كل شيء، يحاول توسعة الآن باتجاه الماضي، إنه ببساطة لا يحب الموت، ولو اتسع المجال لأمكننا الخوض في دافع الانتحار عند الكتّاب كمحاولة هروب من مقاومة الذي لا يقاوم، بمعنى “وداوها بالتي كانت هي الداء”.
قد يتحرر الكاتب من سطوة هذا الدافع الذاتي البحت، لكن على حسابه الخاص. يحدث ذلك حين يضيق بابه إلى الداخل ويتسع على الخارج، وهنا يصل لمبتغاه في موت متكرر من أجل نفخ حياة دائمة فيما يكتب: موت أو قتل مؤقت للذات، التي لا تفتأ تحاول فرض سطوتها في نوب وثورات متكررة، لصالح الفكرة والفن، أي لصالح القيمة الجمالية.
الشعر أميل للجمال، لكن يسهّل انقياد الشاعر للخطابية والغائية وكثيراً ما يشغله الزخرف وينقاد لمغريات الوصول السريع والشهرة، وهو بذلك يخرج عن طبيعته، فيصير جهده محاولة فاشلة لمقاومة الموت بالموت. على الشاعر أن يدرك بأنه الولد المتمرد في عائلة الكتّاب، يستقل بنفسه عن مشغلات ومروجات الكتاب من صحف ودور نشر وقنوات إعلامية وغيرها، ويراهن على جهده وحده “ليكون يوماً ما يريد”، وقلة من ينجحون بذلك.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top