تقارير

ارتفاع درجات الحرارة وجه آخر للمعاناة في مخيمات إدلب

دارين الحسن – إدلب

لا يحتمل الستيني “أبو سعيد” البقاء في خيمته عند الظهيرة، فيضطر للخروج والجلوس تحت ظل شجرة زيتون قريبة من المخيم، ويرشّ ملابسَه بقليل من الماء، في محاولة للتخفيف من تأثير الحر على جسده النحيل ونفسه المشبعة بالهموم والأوجاع.
أبو سعيد من مدينة سراقب يعيش مع زوجته في أحد مخيمات مدينة أطمة الحدودية مع تركيا منذ أكثر من عام ونصف، وهو ككل النازحين الذين يعانون من ارتفاع درجات الحرارة في ظل انقطاع الكهرباء، وشحّ المياه، وضعف الرعاية الصحية، الأمر الذي يعرضهم للإصابة بالأمراض، ويفاقم أحوالهم المتدهورة أصلاً.
أساليب بدائية لتخفيف وطأة الحر
يتحدث أبو سعيد عن معاناته: “الشتاء غريق والصيف حريق؛ حيث نواجه العديد من المشاكل في فصل الصيف، في مقدمتها نقص المياه والرعاية الصحية، وانتشار الحشرات، والسكن في خيام مصنوعة من النايلون، لا تحمينا من الغبار والحشرات وحر الصيف الذي يكوينا ويأخذ علينا أنفاسنا”.
ويؤكد أبو سعيد أنه لا يجد ملاذاً إلا اللجوء للأراضي المزروعة بالأشجار، هرباً من درجات الحرارة الخانقة داخل الخيام، فهو مريض بالضغط والسكري، ويزيد الحر من آلامه وأوجاعه، دون أي إمكانية لمغادرة المخيم بسبب فقر حاله وارتفاع إيجارات المنازل.
الأوضاع مع “جميلة الكريدي” (35 عاماً) النازحة من مدينة معرة النعمان إلى مخيم حربنوش بريف إدلب الشمالي، قد تكون أسوأ، باعتبارها أم لخمسة أطفال، تحاول درء الحر عنهم من خلال وضعهم في أوعية مليئة بالماء وقت الظهيرة! وعن ذلك توضح: “الحر لا يطاق داخل الخيام، فما أن تشرق الشمس حتى نشعر وكأننا نجلس داخل فرن، كما نعاني من الغبار الذي يتسلل إلى خيامنا عند هبوب الرياح، وانتشار الذباب والبعوض، وفساد الطعام بسرعة كبيرة نتيجة ارتفاع الحرارة وعدم وجود كهرباء لتشغيل الثلاجات”.
وتؤكد أن اثنين من أطفالها بأعمار 3- 5 سنوات أصيبا بمرض الجفاف منذ عشرة أيام مضت، وتظهر عليهما أعراض إسهال واقياء مع ارتفاع درجة حرارة الجسم، بسبب الحر الشديد، ولا تزال مستمرة في علاجهما.
وعن الطرق التي تحاول من خلالها حماية أطفالها تقول: “أشتري ألواح البوظ بشكل يومي لتبريد مياه الشرب، وأبلل قماش الخيمة بالماء لترد عنا حرارة الشمس الحارقة”.
مطالبات دون استجابة
من جهته “وليد الجمول” (41 عاماً) مدير مخيم في بلدة كللي يشرح أوضاع النازحين: “موجات الحر الشديدة هذا الصيف أدت لتفاقم أمراض كبار السن والأطفال في المخيم، وسط انقطاع تام للكهرباء، وقلة في المياه، دون أن يتمكن كثير من النازحين من الوصول إلى المراكز الطبية في المنطقة والاستفادة من خدماتها، لبعدها عن مكان إقامتهم، وعدم توفر المواصلات، وضعف إمكانياتهم المادية”.
ويشير الجمول إلى كثرة الزواحف السامة في السهول التي تقام عليها المخيمات، مثل الأفاعي والعقارب، وانتشار الروائح الكريهة المنبعثة من مكبّ النفايات القريب من المخيم، والصرف الصحي المكشوف.
ويطالب المنظمات الإنسانية برشّ المبيدات الحشرية، وتوزيع عوازل للخيام لتقي ساكنيها من حرارة الصيف اللاهبة، إلى جانب توزيع ألواح طاقة شمسية وبطاريات، كون أغلب النازحين لا يمتلكون مراوح، إضافة لزيادة مخصصات المياه والمنظفات للنازحين في فصل الصيف.
وحذّر فريق “منسقو استجابة سوريا” من مخاطر ارتفاع درجات الحرارة على النازحين السوريين في مخيمات الشمال السوري، ورصد الفريق انعدام المياه الصالحة للشرب في أكثر من 200 مخيماً في مناطق أطمة وقاح ودير حسان وحارم وحربنوش وكللي شمال إدلب، حيث تضم هذه المخيمات ما يقارب 400 ألف نازح، الأمر الذي تسبب في إصابة عدد كبير من النازحين بأمراض جلدية كالجرب وغيره من الأوبئة، بينهم أطفال ونساء.
كما وجّه الفريق نداءً لجميع المنظمات الإنسانية لزيادة المشاريع الإنسانية، وتأمين العديد من المستلزمات الأساسية للنازحين، بغية تحسين الأوضاع الأساسية في المخيمات لمواجهة ارتفاع درجة الحرارة في المنطقة.

النازحون عرضة للأمراض
بدوره الطبيب “أسامة الرزوق” (38 عاماً) من مدينة إدلب يقول لـ”طلعنا عالحرية” عن الأمراض التي تنتشر في أوساط النازحين خلال فصل الصيف: “يؤدي ارتفاع درجات الحرارة في ظل نقص مستلزمات النظافة الشخصية والمياه إلى انتشار عدد من الأمراض المعدية بين النازحين، ومنها الجرب الذي ينتشر مع ارتفاع درجات الحرارة وقلة النظافة الشخصية”.
ويشير إلى انتشار أمراض أخرى كالتهاب المعدة والأمعاء، والإسهالات الناتجة عن استخدام المياه الملوثة، وانعدام مقومات النظافة العامة، مؤكداً أن العلاج وحده غير كاف، إن لم يؤمن للنازحين الكميات الكافية من المياه الصالحة للشرب، والاستحمام اليومي في فصل الصيف وغسل الثياب بمياه معقمة.
وينصح الطبيب النازحين بالتزام الخيام ما أمكن وقت الظهيرة، وعدم التعرّض لأشعة الشمس المباشرة، لاسيما الأطفال وكبار السنّ، وتخفيف الحرارة عن الأطفال باستخدام الماء، مع الإكثار من شربه تجنباً للجفاف، وحفظ الأطعمة بشكل جيد خوفاً من فسادها، ما قد يؤدي إلى التسمم.
وبحسب إحصائيات فريق “منسقو استجابة سوريا”، بلغ عدد المخيّمات الكلّي في مناطق شمال غربي سوريا 1304 مخيماً، يقيم فيها نحو مليون و44 ألف نازح، ومنها 393 مخيماً عشوائياً، يقيم فيها 187764 نازحاً.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top