مقالات رأي

إرادة الحريّة / شوكت غرز الدين

Hama

 أراد الشعب السوريّ الحريّة، ووضعها في أعلى سلم أولوياته برسم التحقيق. وكان لا يملك حينها إلاّ “إرادة الحريّة”، غير آبه بـ “إرادة القوّة” المتجسدة بموازين القوى ومفاعيل الزمن والمصالح التي يمتلكها النظام السوريّ وحلفاؤه العضويين. فيخرج الشعب السوريّ بهذا على طبيعته المحددة سلفاً في العلوم والأديان لأنه يخرج من الحسابات الضيقة إلى حسابات المجد.  

فعلى الرغم من معرفة الشعب السوريّ لـ “إرادة القوّة” وما تمثله من تهديد لأمنه واستقراره وحتى مصيره، بسط الشعب السوريّ “إرادة الحريّة”، وقدِّم لها التضحيات الأسطوريّة من أرواح وأملاك؛ لتحقيق دولته الوطنيّة ذات النظام الديمقراطي. وهي التي من المفترض أنْ تكون عاملاً أساسياً في إلغاء “واجب العبودية” الملقى على كاهله، وتؤسس لأمن واستقرار منطقة شرق المتوسط، وتساهم في تراجع الإرهاب لعدم تعدّيها الحدود الوطنيّة الجيوسياسيّة.

ولكن، مع تصدّي “إرادة القوّة” عند النظام “السوبرمان” وحلفائه العضويين لـ “إرادة الحريّة” عند الشعب السوريّ، تشظى الشعب السوريّ -بوصفه حاملاً لإرادة الحريّة وباسطاً لها في التاريخ-  وكأنه تعرض لانفجار نووي إلى ما لانهاية له من الذرات المتحاجزة والمتكاونة. الشيء الذي أدى إلى ظهور الإرهاب بحلته الداعشيّة الجديدة القديمة في آن. وقد هدفت “إرادة القوّة” من تصديها بالقوّة المتنوعة لإرادة الحريّة إلى خلق الإرهاب وتوظيفه لصالح بقائها من جهة، وإلى المحافظة على “واجب العبوديّة” العزيز على قلبها من جهة ثانية. فالاثنان: الإرهاب وواجب العبودية، هما الابنان الشرعيان لـ “إرادة القوّة” عبر التاريخ. 

     وهكذا، اشتد الصراع في سوريّا بين الإرادتين: “إرادة الحريّة” ضد “إرادة القوّة”. البطل في إرادة الحريّة هو الشعب السوريّ، أما في إرادة القوّة فهو “السوبرمان”. الشعب السوريّ بوصفه مصدراً للقوة والحقيقة والثروة الكامنين بفاعليته، والسوبرمان بوصفه فرداً تكونت قوته بعتاده الحربي وحقيقته مستمدة من خارجه وثروته في المواد الأولية والفساد. وهو مغرور يرى نفسه بمرآة أوهامه الخاصّة.

يُمثِّل الشعب السوريّ إرادة الحريّة؛ لاتخاذه من الحريّة هدفاً أعلى في سلم أولوياته نقيضاً للاستبداد والإخضاع بالقوّة واحتكار القوّة والثروة والحقيقة من جهة، ولتقدّيمه الغالي والنفيس من أجل تحقيق الحريّة وبسطها وإنمائها من جهة ثانية. أمّا إرادة القوّة فيُمثِّلها “سوبرمان” ما؛ فمرّة يكون سوبرماناً سورياً كالأسد، الجعفري، المعلم، النمر، الجولاني، علوش. ومرّة ثانية يكون إقليمياً كالخامنئي، نصرالله، البغدادي. وأخرى يكون دولياً كبوتين، لافروف. ويستخدم مثل هذا “السوبرمان” القوّة بمختلف تنوعاتها لكسر “إرادة الحريّة” والمحافظة على احتكار “إرادة القوّة”.

 وعلى الرغم من محاولات “إرادة القوّة” المتراكمة سابقاً لبعثرة وتشتيت “إرادة الحريّة”، واستخدامها استراتيجيات متنوعة وطويلة الأمد، إلا أن “إرادة الحرية” ظهرت كطائر الفينيق من الرماد … لتلهِم آمال الأحرار في العالم. ولذلك خافت “إرادة القوّة” من “إرادة الحريّة” فولدّت الإرهاب، كما خافت مرة في ألمانيا فولدّت النازية. يجب أنْ لا ننسى أنَّ “إرادة القوّة الهتلرية” هي البنت الشرعية لأفكار “نيتشه”، الفيلسوف الذي أسسها، وحتى أنَّ الفيلسوف “هيدغر” هلل لها.

وبدأت المحاولات الدوليّة المحمومة الممثلة أيضاً لـ “إرادة” القوّة” بالسعي لتغيير أولوية الأولويات السوريّة وتحويلها من “إرادة الحريّة” إلى “واجب محاربة الإرهاب الداعشيّ”. هنا بات الشعب السوريّ إزاء صراع ملتبس كالتباس الحقّ مع ابن عمه. فهذا السعي ما هو إلاّ دعم لـ “السوبرمان” وانتصار لـ “إرادة القوّة” على “إرادة الحريّة”. وما الدعوة لتحالف إقليمي يكون “معجزة” بين النظام السوريّ وتركيّا والسعوديّة والأردن إلاّ خير دليل على هذا الدعم بعد فشل “إرادة القوّة” لدى التحالف الدوليّ السابق.

نعم، لقد وقع التناقض بين “إرادة الحريّة” التي نريدها وبين “إرادة القوّة” التي نعايشها. ولا يبقى أمامنا سوى أمرين اثنين؛ إما القضاء على إرادتنا بالحريّة، وإما القضاء على أنفسنا. ولكن، بالرغم من هذا التناقض الفجّ علينا الانتباه إلى أنَّ إرادة الحريّة هي الكفيلة بالقضاء على الإرهاب وأنَّ إرادة القوّة هي الكفيلة بنمو الإرهاب. وبالتالي فإنَّ محاربة الإرهاب لا تكون البتة بإرادة القوّة وإنما بإرادة الحريّة. فلهذا يجب أنْ لا تضيع “إرادة الحريّة” في دهاليز “إرادة القوّة”.

     إذن، يقع على عاتق “إرادة الحريّة” الاستمرار في التصدي لـ “إرادة القوّة” وما يتفرع عنها من “واجب العبوديّة” ومن “واجب محاربة الإرهاب”. والتصدي كذلك لمن يريد أن يعيدها إلى طبيعتها التي تسامت عليها، ولمن يرجئها وينتظر الفرج مقايضاً أمنه بحريّته، ولمن يقف في “منزلة بين المنزلتين” فلا هو مناصراً لـ “إرادة الحريّة” ولا لـ “إرادة القوّة”؛ إنَّه بلا إرادة. ويقع على عاتق الأحرار توحيد الشعب السوري المتشظي. 

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى