مقالات رأي

إدوارد سعيد وترياق الكراهية

يوسف المنجد 

على الرغم من الأهمية البالغة لأفكار وكتابات المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد، والانتشار العالمي لها، وخصوصاً في مجال فهم العلاقة بين الأعراق والثقافات، ومنها العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي، إلا أن تلك الأفكار والكتابات ظلت، في المجال الثقافي العربي تحديداً، وقفاً على النخبة المثقفة، هذا إذا لم نقل على نخبة النخبة، ولم يكن هنالك أي جهد لتعميمها -إن صح التعبير- على مختلف فئات المثقفين. وربما يرجع السبب في نخبوية كتابات سعيد، إلى الصعوبة التي تكتنفها؛ سواء من حيث الشكل أو المضمون، تلك الصعوبة التي يمكن إسنادها إلى الثقافة المتنوعة والمتعمقة في آن، التي كان يحوزها الراحل سعيد، الأمر الذي يجعل أمر تلقف أفكاره مهمة تحتاج إلى جهد وصبر كبيرين، مع مستوى ثقافي عال.

إضافة إلى كون كتاباته كلها قد تُرجمت عن اللغات الأجنبية من قبل مثقفين ذوي تخصص رفيع المستوى في النقد الأدبي، وخصوصاً الترجمة الأولى لكتابه “الاستشراق” والتي نهض بها الناقد الأدبي المعروف كمال أبو ديب، مُؤْثراً فيها الابتعاد عن المصطلحات الأجنبية، ونحت مصطلحات عربية بديلة. ومع أن ترجمة “أبو ديب” للاستشراق لا يمكن أن توصف بكونها مجرد ترجمة، بل مما يمكن أن يصنف ضمن خانة الإبداع مع الإبداع، إلا أن ذلك النهج رغم دوافعه الحضارية المرموقة، ساهم في زيادة صعوبة تناول الكتاب كما رأى كثيرون. الأمر الذي تم تجنبه في الترجمة العربية الثانية للاستشراق، والتي تولاها الدكتور محمد العناني، حيث تم تقديم الكتاب بلغة سلسة ومعاصرة.

ولعل أفضل ما يمكن أن يوصف به فكر الراحل سعيد، هو أنه فكر إنساني بكل ما في هذه الكلمة من عمق ومن معانٍ جميلة نبيلة، وفكر موضوعي مُنصف إلى أقصى ما يستطيعه إنسان من لحم ودم وهوية وثقافة.

وجوهر رسالته هو غرس الوعي بحقيقة المساواة الإنسانية، من خلال مقته الشديد للمركزية والاستعلائية والشوفينية وتسامي الأعراق وتفاضل القوميات والثقافات.

وصحيح أن هجومه ينصبُّ أكثر ما ينصب على استعلائية الغرب، وعنصريته وإرادة الهيمنة على الشعوب التي يعتبرها في مرتبة أدنى؛ إلا إن هجومه ذاك موجه في الحقيقة إلى عموم الاستعلائية وادعاءات الفرادة والنقاوة والجوهرانية أياً كان مصدرها.

فهو لا يرمي إلى استبدال مركزية الغرب بمركزية أخرى، أو استعلائية الغرب باستعلائية العرب (مثلاً)، وإنما هو ضدّ الاستعلائية والتمايزية بالمطلق. فالثقافات عنده منشبكة متداخلة، متكئة على بعضها، متكاملة فيما بينها، ولا وجود لثقافة نقية خالصة بالكامل. وهي (الثقافات) دنيوية تاريخية، بمعنى أنها من إنتاج البشر ومن ثمار الخبرات الإنسانية، فهي بالتالي ليست منزَّلة ولا منزَّهة ولا مقدَّسة، بل هي تخضع باستمرار للنقد والفحص والمراجعة. وهي كذلك ليست جوهرية ثابتة بل متغيرة متطورة.

وفي نظر سعيد فإن أكثر ما يؤجج الصراعات والعداوات بين الأمم ويغذيها بالكراهية والنفور، هو التعصب والتباهي الثقافي، وتغذية الأجيال بمآثر الأجداد، ونحت شخصيات أسطورية منهم. في مقابل تبخيس الآخر ورفضه والحط من قيمه وثقافته ورموزه، وإن قبول الآخر عملاً لا نظراً، والتعرف عليه كندٍّ وليس كصنف منحط، لكفيل باستبدال ثقافة الكراهية والعداوة والبغضاء والنفور، التي تعد الوقود الذي يؤجج الصراعات ويخلق الحروب ويخلِّف الدماء والمآسي والآلام. والسبيل إلى ذلك في نظره هو تغذية الأجيال بالروح النقدية المتشككة التي لا تسلِّم بكل ما يقدم إليها، وبالانفتاح على الثقافات ودراستها، وعدم الاقتصار على الثقافة القومية.

ومع محدودية الاهتمام عربياً بإدوارد سعيد؛ إلا أنه كثيراً ما تم فهمه بخلاف مقصده، أو أُخِذ في طرق مغايرة لتلك التي أراد سلوكها، إذ كثيراً ما تُستثمر كتبه ودراساته كوثائق إدانة للغرب وحلفائه من باب “وشهد شاهد من أهلها” باعتباره مسيحياً، ويحمل الجنسية الأمريكية، وعاش جلّ حياته في الغرب. كما ويُفهم كمدافع عن الإسلام، رغم أنه صرَّح في أكثر من مكان من كتبه أنه لم يكن يقصد لا في “الاستشراق” ولا في “تغطية الإسلام” ولا في غيرها من كتبه ومقالاته الدفاع عن الإسلام؛ وإنما الذي كان يقصده هو الهجوم على تزييف الوعي، وكشف الغطاء عن ادعاءات العلمية والموضوعية والنزاهة والحيادية والبراءة التي كان يزعمها الغرب لأعماله عن الشرق عامة وعن الإسلام والعالم الإسلامي خاصة، بهدف وضع القبول لتصرفاته لدى جمهوره تجاه الشرق، من احتلال وهيمنة واستعمار ونهب للثروات، وبيان أن تلك الأعمال الأدبية والفكرية التي كانت تستهدف الشرق، إنما كانت تنطلق من دوافع إمبريالية استعمارية.

فمن مبادئ سعيد الأساسية احترام جميع الأديان والثقافات والقوميات، وكثيراً ما يورد عبارة “إيميه سيزر”: “ثمة متسع للجميع في ميدان النصر” كتعبير عن إمكانية التعايش السلمي وإنه ليس شرطاً  لكي تزدهر ثقافة أن تقوم بالقضاء على الثقافات الأخرى.

كذلك فإن أفكار سعيد التي تدعو إلى الانفتاح والتمازج الحضاري، كثيراً ما تم استعمالها كمؤيدات للدعوة إلى الانغلاق والتنافر الثقافي، وأفكاره التي تدعو الغرب إلى مراجعة تصوراته عن الإسلام والعالم الإسلامي، كثيراً ما تستعمل في العالم الإسلامي لتأجيج الكراهية والعدائية للغرب وحضارته، كما تؤخذ في العالم الغربي أحياناً كدعوة لمعاداة السامية والتحريض على الإرهاب.

إن فكر سعيد مهم جداً كعلاج للكثير من الأمراض الفكرية والثقافية والحضارية في العقلين العربي والغربي على حد سواء، ولا سيما مرض الكراهية الذي يعد من أكبر مصادر الشر في العالم، ومن الضروري لكي تُفهم كلماته كعلاج لتلك الأمراض، لا كمصادر لها، وتساهم بالتالي في تقديم ترياق لسمومها، أن تكثر حولها الدراسات والنقاشات لتتمكن الأجيال من تطويرها والاستفادة منها.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top