مقالات رأي

أذربيجان ـ الدولة قبل الإسلام

في العقد الأوّل للانفصال عن الاتحاد السوفييتي حاولت أكثر من دولة اختراق أذربيجان العائمة على آبار نفط لا ينضب. تركيا وإيران من الجنوب والعربية السعودية ودول أخرى أبعد قليلاً. دخلت جميعها من بوابة الإسلام. فبنوا حسب التقديرات نحو 2000 مسجداً في ربوع الدولة ذات العشرة ملايين. كان الادّعاء المُعلن إعادة الناس إلى حضن الإسلام بعد قرن من التغريب بقوة المشروع السوفييتي. إلّا أن النُخب في باكو انتبهت سريعًا إلى هذا الاختراق، فأوقفته بقرارات واضحة في الدستور، ومنها أن الدولة علمانية، وأنها تقوم على أساس الفصل بين الدين وبين الدولة. لملم الدُعاة عباءاتهم ومصاحفهم وعادوا من حيث أتوا. ولملمت دولهم أذيالها وتراجعت عن هذا الأسلوب في خطب دولة ناهضة للتوّ.
فإذا زرت باكو العاصمة لن تجد -حسب محدّثي- أكثر من عشرين مسجدًا (في مدينة تعدّ 3.5 مليون نسمة) لا تصدر عنها التكبيرات ولا تصدح من مآذنها مكبّرات الصوت. الصلاة للمصلّين ـتقول المؤسّسةـ والحيز العام حرّ. والمسجد للصلاة والعبادة، لا هو مدرسة ولا مركز دعويّ. أما القسمة بين شيعة ـوهم الأكثرية الساحقةـ وبين سُنّة -وهم أقليّة- فغير قائمة لأن المصلّين على مذاهبهم يأمّون المساجد ذاتها. هذا علماً بأنّ اللون الأخضر شارة الإسلام هي مكوّن من ثلاثة في علم الدولة.
إشارة أخرى على نوايا النُخب التي تُمسك بزمام الأمور هو استمرار القطاع الزراعيّ في إنتاج الخمور وبجودة عالية كنشاط زراعيّ اقتصاديّ نشِط في الأقاليم المناسبة لذلك في وسط البلاد. كما أن الخمور تُباع ويتمّ تداولها في الحيز العام كباقي السلع ـ متوفّرة لمن يرغب. أما الأحوال الشخصية ومسائلها كلّها فتتمّ في مؤسسات الدولة، وإن كانت الطقوس الشعبية تأتي من تراث شعبيّ. هي محاولة لإبقاء الدين في خانته الروحانية إذا صحّ التعبير، وتحرير المجتمع من أحكامه وتجّاره. لأن عقيدة النُخب تقول بوضوح أن الاجتماع الحديث يُدار بطرق حديثة وبوسائل يُمكنها أن تصرّف شؤون الحياة العصرية والخير العام والحيّز العام لصالح الجميع بدرجة كافية من الكفاءة والاقتدار. هذا ما كتبه وأسّس له الأب المؤسّس حيد علييف الذي استطاع أن يعبر ببلاده المرحلة الانتقالية من نظام شمولي ـالإمبراطوريّة السوفييتيّةـ إلى نظام منفتح تعدّدي وديمقراطي على نحو معقول.
إن هذا التحوّل اللافت في أذربيجان هو ثمرة ركائز طوّرها المؤسّسون الجُدد وهي:
تنمية اقتصادية مستدامةـ من خلال استغلال واستثمار موارد البلد، لا سيّما النفط، لإحداث طفرات متتالية في مستويات المعيشة وهو ما حصل – للمعلومية، تمّ اكتشاف النفط في أذربيجان في نهاية النصف الأول للقرن الثامن عشر.
التصالح مع الماضي على حقَبِه- وفي مقدّمتها الحقبة السوفييتيّة التي لا تزال رموزها وعلاماتها في العاصمة وغيرها مُصانة ومحفوظة. لكن يشمل التصالح كل الحقب التاريخية التي مرت على أذربيجان بما فيها العربية والفارسية والتركية واحتلالات أخرى للبلاد. وهنا، أيضاً، سنجد أن الدولة تُعنى بالمعالم التاريخيّة كلها وتصونها وتكلّف طواقم من العمال بإدارتها.
السعي لبناء عيش مشترك بدون توتّرات- من خلال سياسات في مركزها تحويل الإثنيات الـ 16 الرئيسة في البلاد إلى مجتمع متجانس قدر الإمكان، عبر سياسات هادفة بهذا الخصوص.
ضمانات اجتماعية توفّرها الدولة- عبر خدمات تعليم وصحة وإسكان ودعم اقتصادي للمصالح والقطاع الخاص المتوسّط. عبر توطين اللاجئين جراء الحروب مع أرمينيا ـالأخيرة في العام 2020ـ وتطوير الريف ومقدّراته.
إن واردات الدولة من الغاز والنفط وتوابعه قادرة وفق تقديرات الاحتياطي وقدرات الإنتاج ومتطلبات السوق وعلاقات الدولة أن تحمل المجتمع الأذربيجاني والدولة لعقود طويلة على دالة النموّ والتطوّر العمراني. وهو احتمال تعزّزه سياسات النُخب التي عرفت كيف تموضع الدولة الفتيّة في موقع استقرار في بيئة متغيّرة وضاغطة من الشمال، الدب الروسي بواسطة تحريك القوقاز وتأليبه ضد نفسه، ومن الجنوب، إيران وتركيا. هذا يعني أن أذربيجان تشكّل نموذجًا في أربعة مستويات:
في المستوى الاقتصادي من خلال تنمية واضحة المعالم وعملة قوية (المانات الأذربيجاني يساوي نحو 50% من اليورو وقيمته الشرائية عالية).
في المستوى الاجتماعي عبر تعزيز تماسك المجتمع وتشكيل الأمّة.
في مستوى المشروع المستقبلي الذي ينتظر المواطنين مع التأكيد على المستقبل وإمكاناته والتصالح مع الماضي الذي أتوا منه.
في مستوى فصل الدين عن الدولة في بلد إسلامي في غالبيته الساحقة، وتغليب متطلّبات الاجتماع الحديث على التراث والتاريخ والثقافة السابقة للدولة. بمعنى أن للنُخب في أذربيجان مشروعها الذي في المستقبل وليس في الماضي كما يقترح الإسلام السياسي والثقافي العربي.
وهنا يُقال فليحيَ الفارق البسيط بين إسلام متبجّح ومدّع كحزب العدالة والتنمية في المغرب (مُني بهزيمة ساحقة) وحركة النهضة في تونس والإخوان المسلمين في مصر على آخر القائمة، وبين دولة إسلامية متواضعة في دينها وناجحة في مشروعها المدنيّ. أذربيجان القادمة من القوقاز تقترح علينا نموذجًا آخر -غير خالٍ من الثغرات كوجود مظاهر فساد مالي وأحياء فقر حول العاصمة- لكنه حيويّ يخطّ مساره بثقة نحو اجتماع معقول، أعاد لي أنا شخصيًّا ثقتي بالدولة. أقول هذا بعد أن حوّلت النُخب العربية (ونُخب غيرها في العالم) الدول باسم الإسلام وشريعته أو في تحالف معه إلى مافيات دولية لا تُنتج سوى التوحّش والتقتيل.
الأمر المطمئن هو أن للدولة عقيدة تقوم على الانفتاح في داخلها، وعلى الانفتاح نحو الخارج، أيضاً. هي دولة تعيش في الحاضر بأدوات الحاضر ولغته.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top