تقارير

سراطين تلتهم الطفولة

قصي الأحمد

بنظراتها الطفولية البريئة، وبوجهها الشاحب، استقبلتنا الطفلة تسنيم، ابنة الثمانية أعوام، وهي مستلقية على سرير المرض، وفي يدها النحيلة إبرة تتلقى من خلالها جرعة كيميائية لمرضها.

بجانب تسنيم لعبتها الصغيرة، التي لا تكاد تقوى على حملها، واللعب بها.

حاولنا الكلام معها، لكن كلامها كان متقطعاً، تبدو فيه علامات التعب والوهن.

بجانب تسنيم تجلس جدتها، تنظر إليها بعين الرأفة أحياناً، وبعين القلق أحياناً أخرى. تقول: “قبل أربع سنوات، لاحظنا تغيراً طرأ على صحة الطفلة، حيث أصيبت بوهن عام في جسدها. اعتقدنا في البداية أنه مرض عادي، مما يصيب الأطفال عادة. غير أن التحاليل كشفت لنا، أنها قد أصيبت بمرض سرطان الدم، أو ما يعرف بالابيضاض اللمفاوي الحاد..

كان هذا الخبر صدمة كبيرة لنا، غير أن ما خفف عنا وقعته، هو أن المرض كان في بدايته، ولايزال معنا متسع من الوقت لعلاجها”.

في مشفى البيروني بدمشق، بدأت تسنيم رحلة علاج صعبة؛ فطريقها الطويل من مسكنها في مدينة دوما إلى المشفى مليء بحواجز لقوات النظام عليها اجتيازها، وكثيراً ما تستهلك رحلتها هذه أكثر من عشر ساعات!

بدأت الطفلة تتماثل للشفاء شيئاً فشيئاً رغم كل هذا.. غير أن انقطاعها عن العلاج، سبب تراجعاً في حالتها الصحية، ذلك أن قوات النظام أطبقت حصارها على الغوطة، ومنعت أي أحد من الدخول والخروج منها.

أصبحت حالة تسنيم تزداد سوءاً، وبدأت علامات تطور المرض تظهر عليها: “ونحن ننظر إليها ولا ندري ما نفعل.. إلى أن علمنا بافتتاح مركز رحمة لأمراض الدم والأورام في الغوطة، فتوجهنا إليه مباشرة، وبدأنا فيه رحلة علاج أخرى..”.

إلا أن استجابة تسنيم هذه المرة، كانت أقلّ من المرة الماضية، بسبب النقص الكبير في الأدوية والأغذية اللازمة لها.

تعلّق الجدة: “ولكن على الأقل، هذا أفضل من بقائها بلا علاج”.

بدأت علامات التحسن تظهر على الطفلة ببطء، وساعدها في ذلك، وجود عائلتها بالكامل بجانبها، فعناية أبيها بها، وحنان أمها عليها، ومواساة إخوتها لها، كلها ساعدت بشكل كبير، بتحسن حالة الطفلة، وتماثلها للشفاء.

غير أن الأقدار شاءت غير ذلك، فمن حرمها من الخروج لاستكمال علاجها أول مرة كان نفسه السبب في تأخر شفائها هذه المرة، لكن بطريقة أشد.

ذلك أن الطفلة تلقت صدمة كبيرة -لن تشفيها الجرعات الكيميائية ومراكز العلاج- أدت لتدهور حاد في صحتها، بل إلى تدهور في حالتها النفسية والاجتماعية.. إنها صدمة استشهاد والدها، في قصف لقوات النظام، على مدينة دوما.

دخلت تسنيم بعدها، في حالة نفسية مزرية، فأصبحت شديدة البكاء، وصارت استجابتها للشفاء أقل من قبل.

تسنيم هي واحدة من 170 طفل، مصابين بالسرطان في الغوطة الشرقية، بحسب الدكتورة وسام الرز مديرة مركز رحمة لأمراض الدم والسرطان، والمرضى يعانون من نقص كبير بالأدوية وعدم توفر الأجهزة اللازمة لعلاجهم. بل إن بعضهم فارق الحياة بسبب العديد من هذه الصعوبات، وأحياناً أقل منها..

لا تزال تسنيم تتابع علاجها في مركز رحمة، وهي تشعر باستمرار أنها ليست كبقية الأطفال الذين في سنها، خصوصاً وأن المرض يؤثر على نشاطها اليومي، ويشكّل وهناً في جسدها، ناهيك عن آلام المرض والعلاج، كوخزة الإبرة، والجرعة الكيميائية، وغيرها..

وأشدها صورة والدها، التي لا تزال في مخيلتها، إلى اليوم.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top