مجلة طلعنا عالحرية

نساء الموت المبكر

سرى علّوش

المرأة التي لا تعرف عن الحب أكثر من وقوعها فيه؛ ليست أكثر من طفلة نمطية وساذجة، تفكر كيف ترفع نفسها وتقف على قدميها وفي كل مرة تسقط أكثر، وتصل إلى أعماق لم تصلها من قبل؛ هذه صورتها النمطية حتى في عينيها. المرأة المهووسة بالعاطفة والمتكبرة على المنطق والكبيرة عليه، تصهل كحصان يبكي حين يفتح لها أحدهم جرحًا جديدًا، وتفضل الصبر على كسر قلبها مرة واحدة أخيرة لتضع حدًا لهذا العذاب. المرأة الشديدة الذكاء والحرص التي يكرهها رجلها ويلقي عليها اللوم دائمًا إذا تعطل خط السير، أو انقطعت الكهرباء، أو مات أحدهم، أو خسرَ في لعبة الورق أمام آخرين، فقط لأن الحب يعني له ألا ترى شيئًا أو تقترب من الخط الذي يجب ألا تقطعه.

        المرأة الصغيرة على الصراخ والحزينة كأرجوحة لا تلمسها الريح. تنظر في المرآة لترى شبح امرأة أخرى ينهال عليها الصبر بالسياط، فتأكل ألمها وتحاول ألا تموت. كل امرأة تبحث عن قلبها بين أضلاع رجل، وكل امرأة تقطع إشارات المرور الحمراء غير عابئة بالقناص الذي يترقبها منذ أن ولدت ليطلق عليها رصاصة تحتفل بعدها القبيلة، وكل امرأة رفعت صوتها فوق صوت الباطل المحق السائد عنوة وقالت لا.. هي تلك المرأة.

       النساء الصامدات كحائط مكسور، والواضعات كل منهن قلبها تحت قدمي رجل نسيها بسبب الازدحام السكاني، المهملات كصفقة مؤجلة، والمنسيات كغرفة الصف الثاني في المدرسة الإبتدائية، الواقعات في الحب على أقدامهن أشجارًا لا تثمر ومع ذلك لا تموت. النساء الوحيدات مهما ازدحمت حياتهن بالضرورات، لا عدالة تنصف أحلامهن من أظافر الذين لا يعرفون الرحمة، ولا قانون يرفع من قدرهن بقدر بشريتهن، ولا دين يؤمن بأحقيتهن بحياة كالحياة.

     عقيمات نحن، لم نتزوج ولم ننجب، ولم نعرف العشق إلا من طرف واحد، وهكذا أصبحت واحدتنا عانسًا أو مطلقة، محض فريسة لكلام الناس أو للرجال الملولين بطبعهم والباحثين يومًا بعد يوم عن فريسة جديدة. ينهرنا العالم دائمًا عن البحث عن أنفسنا ويحكمنا بالعيب والحرام والمنهي عنه. كل شيء يحدث لنا مسكوت عنه لأن الفضيحة سيدة الموقف وعقرب البوصلة التي يسير خلفها الجميع.

     حاملات وزر أنوثتنا نولد، ومطالبات بالتكفير عنها وإخفائها هربًا من أعين الناس، وهكذا فإن لم نكن عفيفات على طريقة السائد دائمًا.. نصير عاهرات حتى وإن ثبت العكس. أحلامنا عار، أفكارنا عار، أوجاعنا عار، صورنا عار يخشى منه الأب والأخ والزوج. منسيات نحن كدم الشهداء، كساق جثة مفقودة، كخشبة سفينة أكلها البحر، منسيات يا الله ولا ذنب لنا. تتهاوى أرواحنا صباحًا وتسقط من أجسادنا على بلاط المنازل لكنّ أحدًا لا يرفعها ويساعدنا على الالتصاق بها مجددًا كروتين بشري يصفق له الجميع.

       نساء الموت المبكر نحن؛ تلدنا الصدفة ونتبعها لتحط بنا على أول رصيف تحمل الريح ضيوفه العابرين. نرفع أجنحتنا ونبدأ بالطيران إلى أقرب قفص يحمينا صاحبه من شرور أصحاب الأقفاص الأخرى دون أن ندرك أن الأقفاص جميعها متشابهة، وأن قلبًا لا يتسع لدموعنا المسفوحة سرًّا كل ليلة لن يتسع لأي شيء آخر. نمضي حياتنا واقفات خلف الأبواب بانتظار صدفة جديدة تضع جناحين لرجل القفص عله يبكي مثلنا، أو يسمي القفص بيتًا ويملأه بما استطاع من الأحلام. أولادنا يكبرون، يصبحون أكبر منا، يتعلمون المشي وصناعة الوعود للجميلات اللواتي سيصدقنهم.

يصبحون رجالاً بأقفاص يتركون الحدائق خارجها، وحين نهرم من الانتظار نترك بناتنا واقفات على حد غيمة قريبة من الأرض.. ريثما تلدهن الصدفة، وتعلمهن الطيران.. إلى أسفل!.

 

Exit mobile version