Site icon مجلة طلعنا عالحرية

مازن درويش يفوز بجائزة “الأونيسكو”/ غيرمو كانو لعام 2015

11148634_1091105017572808_4717401819482927498_n

تقديراً لجهوده في تطوير المهنيّة الصحفيّة, والشفافيّة في سوريا طوال أكثر من عشر سنوات, منحت منظمة “الأونيسكو” الصحافي السوري المعتقل مازن درويش جائزتها لحرية الصحافة التي تسلمتها زوجته الصحفية يارا بدر، خلال احتفال أقيم في ريغا عاصمة لاتفيا مساء اليوم الأحد، لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، بحسب ما اعلنت المنظمة في باريس. إذ لا يزال مازن درويش وكلّ من الزملاء العاملين في “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” قيد الاعتقال والمحاكمة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

اعترافاً بشجاعته, والضتحيات الشخصية التي قام بها درويش كمنعه من السفر منذ العام 2007, والمضايقات الأمنية المتكررة, الاعتقال المتكرر, التغيّب القسري والاحتجاز التعسّفي والتعذيب الذي كاد يودي بحياته, أتى هذا تكريم منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة, الذي تضمّن كذلك مطالبة “الاونيسكو” إطلاق سراح درويش الفوري بحسب ما ذكرت السيدة “إيرنا بوكوفا” مديرة المنظمة, التي أشارت كذلك إلى قرار مجلس الأمن بتاريخ 15 أيار/مايو 2013، الذي طالب السلطات السورية صراحة إطلاق سراح درويش والزملاء معه, كما واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 262/67 الذي يطلب من “السلطات السورية الإفراج فوراً عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسفاً بمن فيهم أعضاء المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” المحتجزون منذ 16 شباط 2012.

وفي كانون الثاني/يناير 2014، وجه فريق عمل الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي رسالة إلى السلطات السورية ندد فيها باحتجاز درويش وزملائه في المركز الإعلامي تعسفاً ودعا إلى إطلاق سراحهم فوراً. وبعد شهر اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2139 مطالباً بإطلاق سراح جميع المعتقلين تعسفاً في سوريا.

نص الكلمة التي ألقتها يارا بدر, زوجة الفائز بجائزة “غييرمو كانو” لعام 2015, الحقوقي والصحفي المُعتقل “مازن درويش”:

(في الحريّة والصحافة

سيداتي سادتي، الحضور الكرام،

أشعر بفخر بالغ أن اقف بينكم اليوم، وبحزنٍ أكبر لأنّ صاحب الحق بالحديث إليكم اليوم ليس هنا، بل في معتقلٍ بعيد، بعيدٍ حتى عن الحضارة. في أثناء مراسلاتنا اللوجستية سُئلتُ إن كان بإمكان مازن الحديث عبر سكايب أو إرسال رسالة الكترونية، لدقائق بقيت مدهوشة. أنا أسمع عن السجون في بعض الدول الأوروبية التي تتيح للسجناء استخدام وسائل الاتصال، لكنني ومازن من بلدٍ ينتفضُ اليوم على أسواره ليبني مستقبلاً أفضل في تحوّل يشابه ما قامت به أوروبا في انتقالها من عصور الظلمات إلى عصر التنوير، وفي رفضها- لاحقاً- الانصياع لعهد الاستبداد الذي يُقيّد الإنسان في زنزانة مساحتها متر بنصف متر لا يعرف الضوء طريقاً إليها، عارياً من كلّ شيء سوى روحه وإيمانه.

وإن كُنّا جميعاً نولد أحراراً كما تحدّث “شيلنغ” في نهاية القرن الثامن عشر باعتبار الحريّة (جوهر الأنا البشريّة)، فإنّ البعض فقط ممّن يتميّزون بالحسّ الأخلاقي العميق، ويمتلكون الوعي بالمسؤولية الأخلاقية، يكونوا أحراراً بالمعنى الوجودي الدقيق للكلمة عبر نضالهم من أجل الحريّة، فمن تجربتي المتواضعة، لا أستطيع أن أتخيّل معنى أو مرادفاً عمليّاً لكلمة حر سوى الفعل النضالي من أجل الحريّة باعتبارها شكل وجود لتلك الأنا البشريّة.

مازن درويش من هؤلاء القلّة، فاعلٌ حر يتميّز بحسّ أخلاقي عال وبوعي بمسؤولياته الأخلاقية الإنسانيّة قبل أي شيء آخر، إذ اختار وبإرادة حرّة قبل أكثر من عشر سنوات التخليّ عن الكثير على المستوى الشخصي ليعود ويعمل في سوريا، في ظل الشرط السوري القمعي. وحيث أنّ منظومة الصحافة هي أبرز فاعليّة في مقاومة سلطة الدولة المُطلقة/الشموليّة وذلك من خلال كسرها لتحكم الدولة باالمعرفة/ المعلومة فقد اختار مازن كحقوقي ومناضل من أجل حقوق الإنسان ممارسة العمل الصحفي انطلاقاً من إيمانه بأنّ (الكلمة حق، والدفاع عنها واجب) وهو شعار “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” الذي أسّسه في دمشق في العام 2004 لمراقبة وضع الحريّات في سوريا، والانتهاكات بحق كل من يناضل لأجل الحق في “الرأي والتعبير”،. عمل درويش بتفانٍ متواصل لأكثر من اثني عشر ساعة يومياً, على نشر المعلومات ومراقبة آليات نشر وتحكم السلطات السورية بالمعلومة, وحيث أنّه لا مُجتمع حُر في ظل إكراه المؤسسات السلطويّة (عسكرية, أم دينية, أم سياسية)، فقد كان نضال مازن درويش من أجل الشفافيّة نضالاً من أجل “الحق بالحصول على المعلومات”، من أجل “حريّة الرأي والتعبير” ومن أجل الحق بتبادل المعلومات”, كحقوق أساسيّة للمواطنة والكرامة الإنسانيّة, ودائماً كان الصراع مع المؤسسات السلطويّة- أياً كانت مُسمياتها وأيديولوجياتها- هو صراع أخلاقي أوّلاً وقبل كل شيء وليس صراعاً مادياً على السلطة ذاتها.

كتب مازن درويش عام 2007: “إنّ السعي المتواصل من اجل تحرير الإعلام من سيطرة الدولة يشكل واحدة من مجموعة الأهداف الأساسية من اجل التحويل الديمقراطي الحقيقي والشامل في العالم العربي”، وكان اعتقاله في بدء عام 2012 رسالة شديدة اللهجة ومحاولة لقمع هذا التيار السلمي العقلاني المدني. ولكن لا يمكن اعتقال الأفكار بذات الدرجة التي لا يمكن معها اعتقال الإرادة الحرّة، يمكن فقط إيقاف فاعليّة المرء ومنع الخيار الحر عنه، في محاولة لمنع أي وجود بديل عن الوجود في ظل المؤسسة السلطويّة ذاتها.

في ربيع العام 2011، كتب درويش: “لم تستطع في يومٍ من الأيام أي جماعة أو حكومة، أو نظام احتكار الحقيقة، أو إخفائها، أو حتى طمس وجهٍ من أوجهها حتى في زمن الجدران الفولاذية والأيديولوجيات الأحاديّة، والمجتمعات المغلقة.” لكن السلطات اليوم، وفي خضم ثورة عالم الاتصالات والـ “Social Media” تعمد إلى سياسة “فوضى المعلومات” لخلق ضبابيّة تشوّه الحقيقة التي يسعى الصحفي إليها، وحيث أنّ الصحافة عملية إبداع حر، لها قوانينها ومبادئها الثابتة، ولكن وسائلها وفاعليها الذين يستعملون تلك المبادئ لإنتاج خطاب مُضاد وحر هم المتغيرون، فإنّ هذا النظام يحتاج إلى مفكرين ومنظّرين يصيغون “منظومة كُليّة” فاعلة عبر ترتيب الخصائص في أنساق منسجمة، وذلك من خلال عملهم الذي يجمع الإرداة الحرّة بالوعي بالمسؤوليّة الاخلاقية، من هنا يأتي رفض السلطات السورية المعنية إطلاق مازن درويش، ومن هنا كان دوماً استهداف الصحفيين في كل مكان، أولئك الفاعلين الاحرار القادرين على تحقيق التغيّر المُجتمعي عبر صياغة منظومة إعلاميّة كُليّة فاعلة.

في جنون الحرب، في هذه المعركة الطويلة، القاسية والمليئة بالألم، من أجل الكرامة الإنسانيّة والحريّة، نحارب بأخلاقيّة، بأدواتنا المهنيّة، وبإرادة حرّة, هذا ما تعلّمته منك.

مازن، أنا أحتاجك ولكني أدرك أنّ سوريا تحتاجك أكثر، بعمق حاجتنا إلى المِثال والفاعليّة الأخلاقية، بحجم حاجتنا إلى صحافة حرّة لبناء مجتمع ديمقراطي.

إلى إنانا وأداد, أولادي, أهدي هذه الجائزة, دفعت سنوات من عمري في الظلام كي تعيشوا وأطفال سوريا في زمن لا تخافون فيه من الحلم, ومن الفكرة ومن القول, فسامحوني على الغياب).

المركز السوري للإعلام و حرية التعبير

Exit mobile version