مجلة طلعنا عالحرية

قضية مخطوفي دوما.. القفز فوق القرائن

10752353_10152805452826963_2032038689_o

يقترب مخطوفو دوما الأربعة؛ السيدة سميرة الخليل الناشطة والمعتقلة السابقة، والمحامية الحقوقية رزان زيتونة وزوجها المهندس والناشط وائل حمادة والمحامي الشاعر ناظم حمادي، من طي عام كامل في الظلام. معلوم أن  النشطاء الأربعة هم من المعارضين المخضرمين للنظام. ولكن المسؤول عن تغييبهم حتى الآن ليس النظام عرّاب الجريمة الأكبر في البلد، وإنما كانت الجريمة هذه المرة بأيد “صديقة”! ومع كل التناقضات التي تحملها عبارة “المجرم الصديق”، إلا أنها معبرة في وصف حال المخطوفين الأربعة الذين لجؤوا إلى الغوطة “المحررة” بعد أن غدو جميعاً مطلوبين لأفرع النظام الأمنية بسبب نشاطهم ودعمهم للثورة والثائرين.

حتى الآن لم يتم الكشف عن مصير الأربعة ولا عن هوية الخاطف.

لا شكّ أن القضية معقدة وصعبة، وأن الخاطف عمل على اقتناص فرصة درسها جيداً لينفذ فعلته ويخفي الأدلة..

ومع ذلك فقد وصل من يعملون على كشف ملابسات وحقائق هذه الحادثة لأدلة وقرائن عديدة،  نستعرض هنا ثلاثاً من هذه القرائن:

 

القرينة الأولى: مخالفة المقال لواقع الحال

لم يتمّ اكتشاف حادثة الاختطاف التي وقعت في ليل الثلاثاء 9 كانون الثاني حتى الصباح التالي. وفي يوم 15 كانون الثاني اجتمع ممثلون عن التشكيلات العاملة في الغوطة الشرقية في مقرّ مجلس المجاهدين. تمّت خلال الاجتماع صياغة بيان مشفوع بقسم،  يتعهّد الموقعون عليه ببراءتهم من ثلاثة حوادث وبـ ”عدم معرفتهم أو اطلاعهم على أي منها واستعدادهم للتعاون بالبحث وتقديم المساعدة على أكمل وجه”.

الحوادث الثلاثة هي: اختطاف الدكتور أحمد البقاعي من قبل مجهولين، والثاني هو اختطاف الناشطين الأربعة (السيدة رزان زيتونة ورفاقها) كما نصّ البيان، والحادث الثالث هو مقتل أبو عبد الرحمن الخطيب -وهو أحد عناصر داعش- من قبل مجهولين أيضاً.

والبند الأول من هذا البيان هو ما يهمّنا هنا؛ حيث تم إطلاق سراح الدكتور البقاعي لاحقاً بعد هذا البيان بحوالي شهر من سجن يتبع لجبهة النصرة، وهي أحد الموقعين على هذا البيان. وعلمنا أيضاً أن جزءاً كبيراً من التحقيق الذي أجري مع الدكتور البقاعي أثناء اعتقاله كان عن رزان وزوجها وعلاقته بهما، وإن كان يتعاون معهما بأي شكل…

والسؤال هنا: هل كان هناك (كذب) بخصوص بيان البراءة المشار إليه؟ علماً أن البيان -الذي كُتب بخط اليد- اختُتِم بعبارة تقول: “تعتبر هذه الوثيقة حجّة على كل الموقعين عليها إذا ما ثبت عدم صحة أي توقيع، وستكون المحاسبة أكبر. ويبقى البحث جارياً حتى عند التشكيلات الموقّعة. والله خير الشاهدين”.

ربما هناك فتاوى يقتنع بها أصحابها بجواز (اليمين الغموس) في حالات مشابهة، أو بجواز ما لا يجوز عادة بحسب الحاجة و(الضرورة). ولكن هل تمّ تبرير هذه المغالطات أمام جمع الرجال الموقعين على البيان؟ وألا يعني الإخلال أو الاستخفاف بأحد بنود البيان الثلاثة أن ذلك ممكن بخصوص باقي البنود وخاتمة البيان؟

 

القرينة الثانية: شاهدة عيان

أفادت سيدة لا تزال موجودة حاليا في مكان ما في الغوطة الشرقية بأنها رأت رزان -عرضاً- داخل سجن يتبع لأحد التشكيلات العسكرية حددته، وحددت السجن -الذي كانت محتجزة فيه على خلفية جنائية- مع مكانه..

قد تكون المرأة واهمة أو أنها تشهد زوراً. أو حتى قد تكون مدفوعة لتأجيج الفتن. ولكن المفترض أن أي من تلك الاحتمالات وغيرها يقتضي التحقيق والمتابعة. فهل تمّ أو يتمّ ذلك؟

 

القرينة الثالثة: التقنية تحدد موقعاً جغرافياً

سنتوسع بهذه القرينة أكثر نظراً لأهميتها، ولأن لا يتمّ القفز فوقها وتجاوزها كما سابقتيها.

ذكر الأستاذ ياسين الحاج صالح – وهو زوج سميرة الخليل أحد المخطوفين الأربعة وصديق قريب من الباقين- في مقال له بعنوان (تسعة أشهر) نُشِر على موقع “الجمهورية” أن عنده “معلومات قطعية وليست تخمينات”، تشير إلى “الجهة الخاطفة أو منظّمة الخطف”. سألناه ما هي هذه المعلومات، ومن هي الجهة؟ فأجاب: “لدي معلومات موثوقة قطعاً أن شخصاً معلوم الاسم دخل على كمبيوترات المخطوفين التي صودرت أثناء عملية الخطف، وأن هذا الشخص من التشكيل المسمّى (جيش الإسلام)، وأنه تمّ من المكان نفسه إنشاء حسابات على فيسبوك لعناصر من (جيش الإسلام). وحين أُبلغ قيادي من جيش الإسلام بالأمر، تمَّ على الفور إلغاء هذه الحسابات، دون أي إجراء آخر”.

ورداً على نفس الاستفسار قال أحد أصدقاء المخطوفين والذي تعاون مع الأستاذ ياسين في الحصول على هذه المعلومات: “عملنا -بعد أن تأكدنا من الخطف مباشرة- على إغلاق حسابات فيسبوك Facebook وسكايب Skype وحتى البريد الإلكتروني للمخطوفين، وذلك أسوة بالإجراءات المعتادة عند اعتقال أحد النشطاء من قبل النظام، لأن لا يتمّ فتح حسابه غصباً مما قد يؤدي لمزيد من الإيذاء له ولآخرين. لكننا انتبهنا بعد ثلاثة أيام من الخطف أن حساب سكايب الخاص برزان بدا مفتوحاً وبعده بقليل فُتح حساب وائل. وكذلك أعطى حسابا فايبر Viber لكل من وائل ورزان إشارة إلى الدخول إليهما بعد يوم الخطف بأربعة أيام.

أبلغنا أصدقاءنا التقنيين بهذا، وهم بدورهم راجعوا شركة مايكروسوفت Microsoft مالكة سكايب فأكدت ذلك، وأكدت تأمين حسابات المخطوفين”.

قبل إحالة هذه المعلومات لخبير تقني حاولنا أن نحصل على المعلومات (الخام) من مصدرها المباشر، فأفادت إحدى الشركات التي تملك مخدمات Servers على الانترنت أنه تمّ رصد حركة لحسابات سكايب الخاصة بكل من رزان ووائل من قبل عنوان آي بي IP Address محدّد. وبتتبع هذا الآي بي اتضح أن حسابات على فيسبوك قد أنشئت منه تعود كلها لعناصر من (جيش الإسلام)، وبعضهم معروف وموجود بالغوطة الشرقية. وزيادة على ذلك فإن حسابي الفايبر الخاصين بكل من وائل ورزان قد تمّ تسجيل الدخول لكل منهما من هذا الآي بي (العنوان) نفسه.

 

طلبنا من الأستاذ باسل مطر الخبير في مجال الحواسب وأمن المعلومات أن يشرح لنا ما يعنيه هذا الكلام، وكيف يمكن أن يحصل. أجاب: “عندما يتصل جهاز كمبيوتر بشبكة محلية يأخذ IP (عنواناً فريداً) على هذه الشبكة، وعندما يتصل الجهاز بشبكة الانترنت العالمية يأخذ IP (بمعنى عنواناً آخر أكثر تعقيداً وفريداً أيضاً على الشبكة) ويدلّ القسم الجديد فيه على الموقع الجغرافي لهذا الكمبيوتر. فكل العناوين الموجودة في دولة معينة تشترك بجزء من عنوان الآي بي.

كما في النداء الدولي الخاص بالهاتف الذي يحوي مفتاحاً خاصاً وفريداً لكل دولة ولكل مدينة فيها… وهكذا وصولاً إلى أن يكون لكل بيت أو محل رقم طويل خاص به يميزه عن أي رقم هاتف في أي مكان في العالم.

وفي سوريا لا يوجد ما نسميه Real IP، أي عنواناً حقيقياً بالنسبة للإنترنت العادي، ولكن من المعروف أن كافة الاتصالات مقطوعة في الغوطة الشرقية، مما جعل مستخدمي الانترنت يلجؤون لأجهزة الانترنت الفضائي لتسيير أعمالهم.

وبالتالي فإن ما ذكرتم يعني أن حسابات سكايب وفيسبوك وفايبر المذكورة قد أمكن تحديد الآي بي -وربما المواقع الجغرافية- للأجهزة التي استخدمت لفتحها. وطبعاً من الناحية الفنية يمكن رصد الحسابات التي تم إنشاؤها من هذا العنوان الافتراضي الذي يقابله عنوان جغرافي بالتأكيد، بل إنه من الممكن للشركات صاحبة المُخدّمات المزودة للإنترنت رصد جميع حركات هذا الجهاز على الشبكة.

قمنا بإحالة خبرة الأستاذ باسل للدكتور قصي مسلماني المحامي الأستاذ في القانون الدولي ومدير المركز السوري الأوربي لحقوق الإنسان. مع سؤال: ما هو موقف القانون والقضاء مما يسمّى “الأدلة المعلوماتية والتكنولوجية الجيوفضائية”؟

فكانت إجابة الدكتور قصي:

“من حيث قبول الأدلة المعلوماتية والجيوفضائية: أجمعت التشريعات العربية والأجنبية الناظمة لأصول المحاكمات والمرافعات الجزائية على مبدأ جوهري وهو حرية الإثبات في المسائل الجزائية؛ ويتلخّص هذا المبدأ بأنّه “تقام البيّنة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات”، من شهادة الشهود إلى الاعتراف، مروراً بالخبرة والمعاينة والقرائن، الأمر الذي يجعل الأدلة المعلوماتية والجيوفضائية مقبولة من حيث المبدأ في إثبات التهمة أو البراءة منها، شأنها في ذلك شأن جميع وسائل الإثبات التقليدية المتعارف عليها.

وأما من حيث حجيّة الأدلة المعلوماتية والجيوفضائية: تُشكِّل الأدلة المعلوماتية والجيوفضائية المستقاة من مصادرها -وفقاً لأصول العلوم الرقمية والتكنولوجية من قِبلِ خبير قانوني مكلّفٍ بشكل رسمي من القاضي- بيِّنات يمكن للأخير الاستناد إليها في تكوين قناعته الشخصيّة وعقيدته للحكم بالإدانة أو بالبراءة.

و في هذا الإطار، لم تتوانَ مؤسسات القضاء الجنائي الدولي عن الأخذ بهذا النوع من الأدلّة للتحقق من ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وهذا ما تمّ بالفعل مثلاً في عام 2006، حيث اشتملت لائحة الاتهام في المحكمة الجنائية الدوليّة بحق الرئيس السوداني عمر البشير، تهماً بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، كان من بينها التهجير القسري وقد أُدرجت بصدد هذا الجرم صورٌ للأقمار الاصطناعية تحدّد مواقع بعض القرى في دارفور التي تمّ تدميرها حرقاً.

وبناءً عليه، فإنه فيما لو ثبت بنتيجة الخبرة الفنية التي سيجريها القضاء بأن من قام بتحريك حسابات الأربعة المختفين قسريّاً هم عناصر من “جيش الإسلام”، فهذا يعتبر دليلاً على هوية الجاني وانتمائه، وهذا ما يستلزم البحث في مسؤولية قادة الفصيل العسكري الذي يتبع إليه هؤلاء.

وعن مسؤولية القيادة العسكرية: يتفق الشرع والاتفاقيات الدولية الخاصة بالقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي على مسؤولية القائد العسكري عن انتهاكات قواعد القانون الدولي الإنساني التي يرتكبها مرؤوسيه. فقد نصّت المادة 86 من البروتوكول الإضافي الأول الصادر عام 1977، الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949:

 

1- تعمل الأطراف السامية المتعاقدة وأطراف النزاع على قمع الانتهاكات الجسيمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع كافة الانتهاكات الأخرى للاتفاقيات ولهذا الملحق “البروتوكول” التي تنجم عن التقصير في أداء عمل واجب الأداء.

2- لا يعفي قيام أي مرؤوس بانتهاك الاتفاقيات أو هذا الملحق “البروتوكول” رؤساءه من المسؤولية الجنائية أو التأديبية، حسب الأحوال، إذا علموا، أو كانت لديهم معلومات تتيح لهم في تلك الظروف، أن يخلصوا إلى أنه كان يرتكب، أو أنه في سبيله لارتكاب مثل هذا الانتهاك، ولم يتخذوا كل ما في وسعهم من إجراءات مستطاعة لمنع أو قمع هذا الانتهاك. وكذلك فقد نصّت المادة 28 من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية على ما يفيد نفس هذا المعنى.

 

نستنتج مما سبق أنّ ثبوت مسؤولية القائد العسكري تستلزم توافر ثلاثة عناصر رئيسية:

1 – وجود علاقة رئيس بمرؤوس: أي أن تكون ممارسة القيادة أو السيطرة محسومة ومحددة.

2 – أن يعلم القائد الأعلى رتبةً، أو كان بوسعه أن يعلم، بأن واحداً أو أكثر من مرؤوسيه اقترفوا أفعالاً إجرامية، أو كانوا يهمون باقترافها.

3 – أن يتهاون القائد الأعلى رتبةً في اتخاذ التدابير الضرورية والمعقولة لمنع اقتراف الأعمال المذكورة المجرّمة.”

بالعودة للأستاذ ياسين، وسؤاله عن الإجراءات التي تم اتخاذها بعد هذه المعلومة أجاب: “حين أُبلغ  زهران علوش شخصياً بالأمر لم يكن لديه ما يقوله غير إنه: “ربما هناك خطأ معين قد حصل”!! وهذا كلام غير مسؤول يذكر بما كان يقوله مسؤولو النظام السوري حين يواجهون بما يحرجهم”.

 

ويتابع الأستاذ ياسين المفجوع باختفاء زوجته سميرة وباقي أحبابه: “مصير أربعة أشخاص، امرأتين ورجلين من أنبل السوريين وأشجعهم، منهم زوجتي التي كانت معتقلة سياسية عند النظام وفي سجن دوما للنساء تحديداً، وجاءت إلى الغوطة هرباً من النظام الذي صار يلاحقها، هذا المصير ليس شيئاً يمكن القفز فوقه بهذه الخفة.

أطالب بمساءلة علوش أمام هيئة تحقيق مستقلة وبمشاركتي الشخصية، ومستعد لمناظرة علنية معه في وسيلة إعلام مستقلة. وهو في نظري المتهم الأول والوحيد، إلى أن يقدم هو، وليس غيره، ما يرشد إلى الأربعة، وما يبرئه من الجريمة”.

يختم الأستاذ ياسين مقالته (تسعة أشهر) بما أسماه (نصيحة للخاطفين): “لا تستهينوا بنا، لسنا ممن يسكتون على حقّ هو حقهم الخاص وحق مواطنيهم ووطنهم. ولا تستهينوا بدأبنا وصبرنا وطول بالنا، وبفاعلية أدواتنا في العمل. ولا تظنوا أننا يمكن أن نخضع للابتزاز، أو أنكم تستطيعون إسكاتنا. وحده تحرير الأربعة، الآن، يوقف الضرر الكبير الذي ألحقتموه بنا، والضرر الكبير الذي ألحقتموه بقضيتنا العامة، ويحدّ من الضرر الكبير الذي نعمل على إلحاقه بكم، ولن نتوقف”.

 

وبالتأكيد لا يقصد ياسين بـ (الضرر الكبير الذي نعمل على إلحاقه) أننا سنشكل ميليشيا مسلّحة لشنّ حرب مضادة على الميليشيا الخاطفة، ولا أن نلمّ عصابة ملثّمين لنخطف أقارب وأحباب المتورطين بهذه الجريمة ونلوعهم كما لوعونا.

لكننا -ووفاءً للنبلاء المخطوفين بالتحديد- ولكل من ناضل لإحقاق الحقّ وإقامة العدل، لا نعمل إلا بطرق قانونية وأخلاقية.

يضيف الأستاذ ياسين: “نريد الأربعة أحراراً الآن. وطالما هم ليسوا بيننا، فسنعمل، ونستطيع أن نعمل بطرق كثيرة، من أجل أن تبقى قضية الأربعة حية لا تتقادم، ومن أجل محاصرة خاطفيهم وجعلهم موضع ملاحقة في كل مكان”. ويختم: “لا ينبغي أن يمتحن أحد صبرنا وقدرتنا على الدفاع عن أحبابنا وأنفسنا. نحن مجربون، ومن لا يعرف، فليسأل النظام الأسدي الذي يعرفنا جيدا”.

Exit mobile version