Site icon مجلة طلعنا عالحرية

في الموضوع السوري: «العجز ليس قدراً»!

كاريكاتير سمير خليلي

كاريكاتير سمير خليلي

عبدالله أمين الحلاق

يفترض حازم صاغيّة أن كتاباً وصحافيين سوريين سيُذهلون إن قيل لهم أن ما يشهده بلدهم هو نسخة مفترضة عما شهده لبنان في أتون حربه الأهلية – الطائفية، داعماً فرضيته هذه بذلك الذهول والجرح النرجسي الذي أصاب الكائن البشري عندما علم أن «الشمس، لا أرضه، هي مركز الكون»، وغير ذلك من «نوازل» علمية أصابت الكائن البشري الذي كان يعيش في الخرافة. (مقاله «سوريون ولبنانيون، حساسيات ونرجسيات» الحياة، 18 نيسان – ابريل 2015). ويأتي كلام حازم، بعد سلسلة من النقاشات والسجالات التي دارت على مواقع التواصل الاجتماعي بين سوريين ولبنانيين، محورها التبسيط الذي يدور أحياناً في النظرة إلى الحدث السوري، واختزاله ونسبه فقط إلى بعض الظواهر الكارثية، مع تغييب تعقيدات المجتمع السوري الذي يبدو اليوم «مجتمعات» أكثر من كونه واحداً. وهذا ما يستدعي من سوريين كما من لبنانيين، الابتعاد عن اعتبار المجتمع السوري متجانساً، وهو التجانس المزعوم الذي خلقه البعث بقوة المخابرات، قبل أن يتشظى اليوم إلى قطع متناثرة، بين بعضها من التشابه والتقارب ما بينها من الاختلاف والتنابذ، ما يجعل من الصعوبة البالغة أن يستوي اجتراح أي وطنية بعد ذاك.

أصاب حازم كبد الحقيقة عندما قال إن «الجرح يكبر كلّما كبر الفارق بين الواقع الفعليّ وصورته المؤمْثَلة»، وهذا ما يعرفه سوريون كثر، ولبنانيون، حازم منهم على ما أجزم، هم على تواصل دائم أو متقطع مع هؤلاء السوريين، وعلى اطلاع على بعض تفاصيل الوضع السوري عن طريقهم. إذاً، هنا وردة، فلنرقص هنا.

يعرف سوريون، كي لا نقول «السوريون»، درجاً على عادة رائجة هذه الأيام في التعميم، أن حلمهم الذي بدأ في آذار (مارس) 2011 لم يعد قائماً مع ترحيل الأهداف الأساسية للثورة إلى الأفق البعيد، أقله في بناء دولة ديموقراطية، في ظل تعقد الوضع السوري واستحالة الحل الذي قد يجعل من سقوط الأسد فاتحة طريق التغيير وليس نهايته. ومن المكابرة القول إن ما تشهده كل سورية هو ثورة، وهي مكابرة لا يعادلها إلا القول أن ما تشهده كل سورية هو حرب أهلية. ذاك أن تنوع وتعقد المجتمع السوري، وهو ما يغيب عن كتابات كثيرة تعالج هذا الواقع، تفرض أن ما يحدث اليوم هو ثورة في بعض المناطق، وحرب أهلية في مناطق أخرى، و «استقرار» كاذب ووهمي لا يقبض عليه من السوريين إلا أولئك المنكوبون الذي يعيشون تحت سلطة الأسد أو «داعش»، والمناطق التي يحكمها هذان الطرفان.

واستطراداً، وإلى جانب المراجعة الضرورية لأربع سنوات من الحدث السوري، وهي دعوة ملحاح ولا شك، لا يبدو أن سوريين كانوا بعيدين عن تلك المراجعة، في كتابات رافقت كل تحولات الثورة من طورها السلمي إلى طورها العسكري الثوري، وصولاً إلى الكتابة عن التجاور بين المناطق السورية، ثورةً هنا وحرباً أهلية هناك و «استقراراً» هنالك. كما أن وجود اقتتال أهلي – طائفي في مناطق لا يعني أن ثمة «شعوباً متقاتلة عاجزة عن تجاوز طائفيتها»، فهذا العجز المفترض، ومن المؤسف أن حازمنا العزيز قد وقع في حتميته، يعني في مكان ما منه، أن الطائفية قدر شعوب هذه المنطقة، سوريةً ولبنانية وعراقية و…، من دون أن يعني ذلك منا، بالطبع، التغاضي عن وجود الطائفية وإنكار وجود هذا الاقتتال الدموي، بزجليات وطنية تتغنى بالأرز هنا، وببردى هناك، أو بنسبه فقط إلى «حروب الآخرين على أرضنا».

لا حاجة لــ «الآخرين» ليخوضوا حروباً مباشرة على أرضنا، فوكلاؤهم المحليون أو الوافدون يخوضون تلك الحرب، وهم الوكلاء الذين، وإن يكن بعضهم قد خرج من «إهاب الثورة»، إلا أن طول أمد الثورة (أو الحرب إن شئتَ تسميتها كلها كذلك)، كان كفيلاً بأن يتحول هؤلاء إلى أيادٍ تنفذ ما يريده «الآخرون» على «أرضنا»، وهذا توصيف للواقع وليس ارتكاباً لنظرية المؤامرة عليه. فإذا ما أضفنا إليه تفرج «الآخرين»، الغرب تحديداً، على المقتلة السورية للعام الخامس على التوالي، بات «داعش» وأخواته الأفقَ السوري الذي سيقضي على نقاط الثورة المتبقية، والتي يبقى من الممكن أن يبنى عليها تمدد لقضية السوريين في التغيير والخلاص من كل تلك الظواهر إن تغيرت الحال، وهي مسؤولية يتحملها الغرب بدرجة كبيرة، كما يتحمل مسؤوليتها طاقم سوري معارض لم يفعل شيئاً سوى سوء التسويق والاستغلال لقضية السوريين المحقة في المحافل الدولية.

نحن لا نلد الخير بالضرورة، هذا أكيد، لكننا لسنا، لبنانيين وسوريين وعراقيين ويمنيين وغيرهم، مجرد ملل ونحل وطوائف تتقاتل، ويضاف إليها، منعاً لسوء النية، أننا لسنا شعوباً وطنية بالضرورة، بل إننا لم نصل عتبة التشكل الوطني كشعوب في كيانات وطنية ناجزة، وهو ما لا يبدو قريباً. ويعرف حازم، ولا بد، أن أي صراع على قضية محقة، كما هي ثورة السوريين، قابل للتحول إلى حرب أهلية شاملة مستقبلاً إن نزل بها ما نزل بهؤلاء وما قد ينزل لاحقاً، وهذا رهن بالأيام القادمة، أو الشهور والسنوات التي ربما لن يبقى فيها وجود إلا للحرب الأهلية، للأسف وللبداهة. أما القول أننا «عاجزون عن تجاوز طوائفنا»، فما لهذا قامت الثورة، ولا لهذا ناصرها لبنانيون أعزاء يعتبر بعض السوريين وقوفهم مع الثورة «تدخلاً»، فيما لا تزال هذه الثورة القائمة في بعض سورية، ثورة لبنانيين وثورة سوريين، وليست حربنا وحربهم الأهلية.

الحياة:23/4/2015

* كاتب سوري

Exit mobile version