مجلة طلعنا عالحرية

على الخريطة.. / افتتاحية بقلم أسامة نصار

 

درج لدى المحطات الإعلامية ومراكز الأبحاث المهتمة بالشأن السوري أن يضعوا خرائط لتوزع السيطرة في سوريا. والمقصود بخارطة السيطرة دائماً هو وجود القوات العسكرية. والمعيار الوحيد المعتمد لرسم هذه الخرائط وتغييرها كل يوم وكل ساعة هو الأماكن التي تتمركز فيها القوات المسلّحة لكلّ فئة من المتقاتلين. تتمركز حتى ولو مختبئة في خنادق قتالية أو متحصّنة وراء دشم. ولا يهمّ أن تكون المنطقة وسكانها محاصرين من كل الجهات ويأتيهم القصف الجوي والمدفعي وخلافهما من كل مكان.. بل المهم أن تنصب هذه القوات حواجزها بدءاً من أول (منطقتها) وحتى (حدود) منطقة الخصم التالي. وتشكل الحواجز (نقاط التفتيش) مشعراً يدلّ على بسط السلطة، فلا وظيفة أمنيّة حقيقية لمعظمها.

تقسم معظم الخرائط سوريا (أو سوريا والعراق) إلى: مناطق تحت سيطرة داعش، مناطق تحت سيطرة نظام الأسد، مناطق تحت سيطرة القوات الكوردية، ومناطق تحت سيطرة (المعارضة المسلّحة) ومناطق متداخلة. بعض الخرائط تعطي أو تحذف تفاصيل وفقاً لسياسة من يضع الخريطة ويعدّل عليها؛ فهناك مثلاً من يميز بين مناطق جبهة النصرة ومناطق المعارضة المسلحة أو من يضمّ النصرة لداعش أو لكل ما هو إسلامي. وهناك من يعرّف جميع المناطق بدلالة خروجها عن سيطرة النظام ومواليه. وبالطبع هناك من يرجع كل فصيل للدولة أو لمجموعة الدول الداعمة له، ويقدّم بالنتيجة خريطة أخرى.

بناءً على ذلك، تكون حالياً مدن مثل حمص وحماة وبانياس وغيرها والتي ملأ أهلها الساحات في مظاهرات كرنفالية ضدّ الأسد، (تابعة) للأخير! وتكون الرقة (تابعة) لداعش، وتكون دمشق التي فيها عدة ملايين من الدمشقيين والنازحين من مناطق ثائرة… تكون (تابعة) للأسد!.. وهكذا.

بالطبع ليس ذلك حقيقياً ولا يبدو عادلاً. ولكن الاحتكام لمنطق القوة هو ما يعطي مثل هذه المخرجات، سواءً من قبل الفصائل على أرض المعارك أم من قبل الباحثين والمحللين. فمنطقة نفوذك هي المكان الذي تضع فيه حواجزك المسلّحة بغض النظر عن رضى الناس بك وميل قلوبهم وآرائهم، أو عن الخدمة التي تقدمها لهم بعد إعلانك السيطرة على أرضهم وبالتالي شروعك في حكمهم!

والسؤال: هل حقاً تنتمي هذه المناطق للقوات المسيطرة عليها عسكرياً (لنقل بالأحرى حواجزياً)؟

لا مكان هنا لتذكر خرائط المظاهرات وتعداد نقاط التظاهر والمتظاهرين التي درجت بدورها مع بداية الثورة السورية. ومن سوء الطالع أنه على امتداد الخارطة الصماء لسوريا اليوم، لا يمكن إجراء استفتاء علني يرصد رأي الناس وحقيقة ولاءاتهم وخيارهم بمن يريدونه لحكمهم. لكن الإجابة على هذا السؤال ستحدّد مكانك على خريطة احترام الناس والإنسان على حساب الرضوخ لحكم العسكر والغلبة.

إن أجبت بـ (لا) فأهلاً بك في (منطقتنا).. ولا تبتئس بالغربة.. «فعلى الخريطة كلّنا أغرابُ» !

افتتاحية العدد 56

27 / 9 / 2015

Exit mobile version