Site icon مجلة طلعنا عالحرية

صدام الهمجيات في سوريا

افتتاحية طلعنا عالحرية بقلم ماهر مسعود

تلتقي في سوريا اليوم عدة همجيات دولية ومحلية من “أصدقاء” الشعب السوري، وأصدقاء النظام، وأعداء الحضارة وأصدقائها الطيبين. يلتقون ضمن حالة تاريخية نادرة تجمع كل أشكال الصدام الحضاري والتاريخي في حلبة واحدة، وبما يتجاوز صدام الحضارات الهنتغتوني وآلياته، نحو صدام الهمجيات الماقبل تاريخية وما بعد حداثية في آن.

فالصراع القائم على أرض سوريا، هو في الوقت ذاته صراع ثقافي وسياسي، ديني وأيديولوجي، امبراطوري وقومي وأهلي، تجتمع فيه الإمبريالية والاشتراكية وحركات التحرر الوطني دون تناقض.. وأحياناً دون تمايز، وتجتمع فيه العنصرية بأحطِّ صورها مع الديمقراطيات المدافعة عن حقوق الإنسان دون تنابذ، وتتجانس فيه الأقطاب المتعددة مع القطب الواحد، والمراكز مع الأطراف، والعولمة المُوحِّدة مع الفوضى.. الخلاقة.

هذه الحرب العالمية المكثّفة مكانياً، والممتدة زمانياً في سوريا، والتي يتحالف مجمل أطرافها موضوعياً، رغم تنابذهم الذاتي واختلافهم (الفعلي أحياناً والكلامي أحياناً أخرى)، يمارس فيها الجميع تقريباً دور اللاعب الذي يلعب بقوة، لكن يتم اللعب به وعليه ومن خلاله في الوقت ذاته، ليبقى الخاسر الأكبر هو الشعب السوري، وشعوب المنطقة العربية و”الربيع العربي” في المحصّلة وعلى المديين القريب والمتوسط.

فبشار الأسد الذي يعدّ اللاعب الأساس، والمُسبب الأبرز لكل الخراب السوري الحاصل، يستخدم الميليشيات المحلية والجيش السوري والميليشيات الطائفية العابرة للدول، مثلما يستخدم إيران وروسيا في حربه ضدّ السوريين. لكن كلّ من سبق ذكرهم يستخدمونه أيضاً ويلعبون به وعليه لتحقيق مصالح لم يكن لهم تحقيقها دونه. واللاعبون الدوليون بخاصة، يستخدمونه بخفّة واستخفاف عزَّ نظيرهما؛ فقيصر منفوخ مثل بوتين قالها بالحرف الواحد منذ عامين: “هذا الولد أتى بالعالم كلّه إليّْ”!

أما النظير الأبرز للأسد في القوة وفي تحطيم سوريا وثورتها، والمستجلب الأهم للتدخل الدولي ضدّ الثورة السورية، أبو بكر البغدادي، فلا نحتاج لكبير عناء كي نقول إنه ثاني لاعب همجي بعد الأسد، ممن يستفيدون من المظلمة السورية والتدخل الدولي ليستقطب المسلمين من أربع جهات الأرض ويمدد دولته المتخيّلة، مقابل اللعب به والاستفادة منه التي يحققها باقي الهمج من المتدخلين الدوليين في سوريا؛ فالجميع يحاربه لكي يحارب به، ويعلنون الحرب عليه لكي يقصفوا المدارس والأفران والأطفال، ويحاصروا المدن المنكوبة ويحتلّوا الأراضي ويهجروا البشر.

وما يحصل مع روسيا في ترابطها العضوي لكن البراغماتي مع النظام واستخدام داعش، يتكرر مع الأمريكان -وإن بصيغة أخرى- مع الأكراد في الشمال السوري؛ فالأمريكان الذين يلعبون بالجميع ليخسر الجميع ما عداهم، يدعمون ويستخدمون الأكراد في حربهم البرّية المطوّلة ضدّ داعش، ليعاود الأكراد استخدامهم والمحاولة عبرهم ومن خلال دعمهم والثقة الأمريكية العالية بهم، تحقيق حلمهم القومي المستحيل، بكردستان الكبرى، أو حلمهم القابل للتحقق بالاستقلال والحكم الذاتي وتكريد بعض المناطق العربية بالقوة، بعد أن كان النظام سابقاً يعرّب المناطق الكردية بذات الطريقة.

السوريون ليسوا مغرمين بالحرب بكلّ تأكيد، ولو قيّض للموالين، من غير المستفيدين المباشرين من الحرب، أن يختاروا اليوم، لما اختاروا الأسد، لكنّ الأسد الذي اختار المعركة بالسلاح منذ خطابه الأول أمام مجلس الشعب، لم يترك خيارات سياسية بديلة لا لأنصاره ولا لمعارضيه، حيث أن فكرة البديل التي شغلت حلفاءه وأعداءه حتى اللحظة، لم تكن لتحتمل أكثر من خيارين اثنين: إما أن يختار الأسد السياسة، وعليه يصبح أي رجل مبتدئ في ألف باء السياسة قادراً وقابلاً لأن يكون البديل؛ حيث أن السياسة هي ولاّدة للبدائل في طبيعتها وتاريخها، أو يختار الحرب، وعليه تصبح البدائل خاضعة لموازين القوة الصرفة، بحيث لا بديل جدّي إلا بتحطيم الأسد ونظامه ودولته المركبة أمنياً. وهذا ما كان خياره بالفعل، وهو الخيار الذي دفع ثمنه موالوه مثل غيرهم بالمعنى النسبي، وقاد المجتمع السوري إلى التمزق والانشقاق الحاصل.

إن الحرب التي تصنع السياسة وتقودها واقعياً في سوريا، ترسم أيضاً حدوداً هزيلة للسياسة عينها، وللحلول السياسية أياً كان طريقها. والحشود الدولية المتكثّرة في سوريا، تنجرُّ تدريجياً نحو التخلي عن قشرة العقل الهزيلة في الحضارة، لصالح الهمجية الكامنة في الحضارة ذاتها. والمخاوف الدولية حول الأمن والسلم الذاتي لكل دولة، تندفع نحو مكافحة الإرهاب بالإرهاب، في حفلة جماعية لردّ المخاوف بالتخويف والتورط بالقتل والهمجية.

وإذا أخذنا في اعتبارنا أن الحرب في سوريا تتخذ صفة عالمية تبعاً لعدد دول العالم المشاركة فيها، وتبعاً لشعوب العالم المتأثرة بها؛ إن كان بالإرهاب الذي يرتد صداه من جاكرتا إلى كاليفورنيا، أو بالهجرة ومشاكلها الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، سنجد أن صدام الحضارات القائم على خطوط التماس الثقافية والدينية لم يعد ممكناً في عصر العولمة، دون التحول الجمعي نحو الهمجية وصدام الهمجيات، وإن كان السوريون اليوم هم المحرقة وهم الرماد الذي يعبر من خلاله وفوقه التاريخ، فإن النار التي تحرقهم لن تبقى في ديارهم، في قرية صغيرة.. هي العالم.

Exit mobile version