Site icon مجلة طلعنا عالحرية

ديوان “طفلة لوثت فستانها”.. الأمومة في القصيدة

حسين الضاهر

البعض يعتبر الشعر حالة ترفٍ وربما طريقة معيشة تضمن لصاحبها بضع بلاطات من رصيف في حي اللغة، يعرض عليها بضاعته.. اليوم وبالنسبة للإنسان السوري، أعتقد أنه بات حاجة ملحة؛ دواءً يقي الجنون، دواءً يجلب الجنون في وقت صار التعقل فيه أداة حادة تودي إلى الموت بكل يسر وسهولة.
طفلة لوثت فستانها:
عديدة هي التجارب التي ارتقت لتكون دواءً، وأجزم أنّ آخرها مجموعة “طفلةٌ لوثت فستانها” للشاعرة السورية “بشرى البشوات” الصادرة مؤخرًا عن دار نينوى للنشر والتوزيع.. في هذه المجموعة التي جاءت في (122) صفحة من القطع المتوسط، ومبوبة بستة أبواب، يتجلى القلم الأنثوي السوري بشكل واعٍ، من حيث اصطفاف القصيدة إلى جانب القضايا الكبرى التي تهم السوري؛ اللجوء، الحرب، الاغتراب عن الوطن والنفس التي كانت عليها في آن واحد.. إلى جانب لجوئها إلى معالجة القضايا الصغيرة “الشخصية والنفسية”، فتطفو على سطح مفرداتها؛ عبارات وجمل تؤسس لذلك الطرح، فيكون الحب حاضرًا، العلاقات الإنسانية، التشوه الروحي والعطب الذي خلفته الحرب، وكأن الشاعرة أرادت أن تروي سيرتها ومكنوناتها من خلال القصيدة..
“ما من قلبٍ يتسكّع هنا
في هذا الوقت المتأخر من الليل،
كل القلوب ترجع عند المغيب.
أحببت مرةً رجلًا
يعوي قلبه حين يثمل،
يركل الكلاب النائمة في الطرقات،
يهاجم مرايا السيارات
يهاتفني آخر الصحوِ
يقول: لو كنتِ أجمل قليلًا
لسهل عليّ أن أفسر صوت الماء”.
الأمومة في القصيدة:
لا تستغل بشرى القصيدة لتثبت نفسها في هذه المساحة، بل تراها بعيدة كل البعد عن حالة التكلف والزخرفة، فعدا عن اختيارها لغة سلسة، صاغت أيضًا جملها بوجدانية طلقة. فعلى سبيل المثال، تطلق العنان لغريزة الأمومة لتسيطر بوضوح على الجو العام لبعض القصائد، التي تستحضر فيها ذكريات عن والدتها، الأم التي جاءت عنوانًا للباب الأول من الديوان والتي تشكل في قصيدة بشرى صورة البعث والحياة، كما تستذكر لحظات ولادتها، وأيضًا تتحدث عن أولادها في أكثر من موضع، وهذا تعبير واضح على إطلاق الشاعرة العنان لغرائزها لتجول في سهول القصيدة.. وعلى الرغم من ذلك لم تترك المجال للعاطفة كي تكون سمة بارزة لروح الديوان فتظهر بشكل يوحي بالطفولة الشعرية، بل تركت بصمات فنية واشتغالات جريئة في بنية قصيدتها..
“لم تشاهد أمي البحر ولو لمرة في حياتها
وحين قالت:
صفي لي شكله،
فتحتُ صَدَفَةً بين يديها الخشنتين”.
في حين تنحو “بشرى البشوات” نحو مواضيع أكثر تشاركية مع القارئ عندما توجه بوصلة القصيدة نحو رحلتها إلى الضفة الأخرى من مياه المتوسط، وهنا تقول:
“أنا وحيدةٌ أيها الرب
وأنت وحيد..
سألقيكِ في البحر، يقول قبطان الموت،
حزينةً
وأنتِ لم تشتر سترةً للنجاة،
أقف كطائر ينظف ريشه
على شاطئ إزمير،
في ظهري غيمة ميتة
ستغرقني وإياها الكراكيب وتوابيت الحجر،
سم لي بحرًا لأرجمه”.
من الجملة الأخيرة التي تتحلى بشعرية عالية، كذلك تظهر مدى معاناتها وما تحمله تجاه الماء المالح الذي كان وما زال شريكًا لآلة الحرب في قتل السوريين، ومنه تشارك الشاعرة كثيرًا من البشر المعاناة.. ومن المؤكد لم تكن بشرى الأولى ولا الأخيرة في طرحها لهكذا مواضيع، لكن تبقى ذات بصمة فريدة في الطرح.
وعلى ما يبدو أن البيئة الجديدة كانت ظاهرة في نصوص الشاعرة، لكنها أخذت خط مسير مغاير للسائد لدى الشعراء الذين حلوا على تلك البيئة، حيث يحاول معظمهم الركون إلى التركيب البسيط للصورة الشعرية، قد يكون ذلك طموحًا بالترجمة، بينما بشرى، شاءت أن تكتب بسجيتها الشعرية، غير عابئة بالمتلقي، فقط أرادت الإفشاء بأسرار الشعر والمشاعر التي حملتها، من دون أن تفكر باعتبارات أخرى.
“المرأة التي تسبح داخلي
تعطش في الصباح فقط،
تترك الأغطية في حلق السرير
ترخي ستائر الشبق
لأن شمسه نبتت في أصيص
امرأة أخرى،
المرأة التي تحب الشجر مثلي
تسكب ماءً على أصابعه الميتة”.
ومن المؤكد أن يرى المطلع على الديوان، استخدام الشاعرة السرد كحجر أساس في بناء النص الشعري، السرد الذي يتكئ بذاته على التكثيف، وعليه استطاعت أن تكتشف الشعر الموجود في اليومي المعاش، فالشعر أساسًا موجود في كل شيء، إلا أنه يحتاج كيميائيًا ماهرًا يفصله عن أصله ويقدمه مادة مشغولة..
وبينما ينشغل معظم كتَاب قصيدة النثر في تنسيق خط عكسي لمواضع قصائدهم ضمن الكتاب، تبني بشرى خطًا مغايرًا، حيث تبدأ بما هو عادي من النصوص، ثم وبسير تصاعدي تنتقل نحو الرؤيوي، أو ما هو أكثر رمزية، وفي هذا ساعدها تبويب ديوانها لستة أبواب كما ذكرنا سابقًا، فتبدأ من الأم، ثم تنتقل إلى البيت، فباب الأسماء، الأصوات، الهوامش، وتنتهي إلى باب الخيبة. كما عمل التبويب على تصنيف القصائد، ابتداءً بما هو ذاتي، إلى ما هو ذاتي تشاركي أكثر.
وأخيرًا، ليس صعبًا التقاط الشعر في قصيدة بشرى فهو بالنسبة لها مادة استطاعت سبكها وتقديمها للقارئ بصيغة جميلة تحلو له.
من أجواء الديوان:
“أنا لا أكذب
فقد أخبرتكم قبل الآن
أن أمي هي بائعة الحليب تحت السوق المسقوف
لها جناحان أسودان
وعندنا كلب يقضي يومه لاعقًا وقته
أمي تربي تابوتًا في ظلها
تغش الناس
تكيل بمكيالين
وتضيف كل نهارٍ خيبة إلى مكيالها”.

بشرى البشوات:
شاعرة وكاتبة سورية من مواليد القنيطرة، ومقيمة في ألمانيا.
حائزة على عدد من الجوائز في مجال القصة القصيرة ومنها جائزة عبد الباسط الصوفي 2005.
وجائزة عبد السلام العجيلي 2008.
تكتب في عدد من الصحف والدوريات العربية.

Exit mobile version