Site icon مجلة طلعنا عالحرية

تجلّى.. وابتسمَ !

في سهرة رمضانية عائلية أراد المضيف أن نلتفت إلى حديث واحد بدل الثنائيات والثلاثيات الجانبية، أو ربما بدل السرحات الفردية لكل منّا. فوجّه سؤالاً للجميع: ما هي أقدم ذكرى رمضانية يمكنك استحضارها الآن؟
المتسامرون هم قسم من شلّة أصدقاء وصديقات قدامى، التمّوا من جديد على بعضهم لأول مرة في الشتات، منذ فراقات السنوات العشر الأخيرة، وقد توسّعت المجموعة باتجاه الأولاد والبنات، بعد أن تآكلت بغياب الشهداء والمعتقلين ومجهولي المكان والمصير!
ياللفتة الذكية! الآن سنبدأ باستعادة الجيل الثاني المغترب إلى ثقافتنا ولغتنا، سنعرفه ببلده الحقيقي وليس البديل، سنحكي لهم عن نفحات رمضان وصلاة التراويح، وعن سهرات الفوازير وحواديت شهرزاد، وقراءة ختمات القرآن، إحياءات العشر الأخير، والعودة مع طلوع الشمس من صلاة الفجر.. سوق الجزماتية، صناعة المعمول المنزلي، وتقطير العرقسوس، المسحّر (أبو طبلة)، تقاسيم الناي على مقام الحجاز قبيل أذان المغرب، تحية الإفطار.. توفيق المنجد و”رمضان تجلّى وابتسم”.. “فـودّعوه”!
وبينما بدأ الحاضرون بسرد ذكرياتهم، كنت أحاول دفع التداعي الذي انهمر في ذاكرتي الرمضانية.. تشوّقنا لرمضان “حاسم” في السنة الأولى للثورة، اعتصام ليلة القدر في جامع الرفاعي في ساحة كفرسوسة، مظاهرات بعد التراويح، أيام العمل بالتواري في حواري الشام مع غياث مطر ونبيل ويحيى شربجي قبل اعتقالهم، رمضانات المعتقلات، أو الحصارات.. الأنقاض على سفرة الإفطار في بيت تعرض لقصف أودى بحياة سكانه الصائمين في دوما، أو أسرة أخرى ارتقت من مائدة مشابهة لكن من سلقين في ريف إدلب.. الشهيد الدكتور أسامة البارودي، الذي ارتقى صائماً من سجن صيدنايا العسكري، لهفة سميرة الخليل ورزان زيتونة لتأمين إفطار “نوعي” تحت الحصار لنا نحن الصائمين.. وابتسامة رزان لمّا ذكرت لها من السيرة النبوية قصة “ذهب المفطرون اليوم بالأجر”!
يبدو أني شردت..
حاولت أن أحفر أعمق في الذاكرة، مبتعداً عن ذكريات ما بعد الثورة. وقاومت الفكرة التي تتردد كل حين في ذهني: حياتنا انقسمت انقساماً حادّاً إلى قبل 2011 أو بعدها، وبتمايز واضح!
لكن سلسلة أخرى من المآسي تدفقت لتخنقني من جديد.. وفاة أبي، طرد مجموعة “شباب داريا” من جامع أنس بن مالك لما رفضوا الخضوع للمشيخة المتواطئة مع المخابرات، عجزي أمام نظرة بائعة المعروك العجوز الفقيرة المنكسرة في سوق باب سريجة، وهي تطالع بسطتها وقد دلقها صاحب المحل الجشع، لأنها تقف أمام “باب رزقـ”ـه.
قاطعت نفسي مرة أخرى: بلا مجاملة، ذكرياتي ليست لطيفة مع الشهر الكريم! وليست كلها متعلقة بما بعد 2011! بل حتى الذكريات العذبة تصبح صعبة لما تستحضرها بغياب صنّاع تلك الذكريات وصنّاع عذوبتها..
نخدع أنفسنا عندما نظن أن الأحداث القديمة هي “الزمن الجميل”!
يقترب دوري للكلام في سهرة الأصدقاء.. الأفضل أن أفكّر بشيء بسيط وخفيف.. آه.. نعم.. أتذكر “أبو يحيى” مؤذن جامع عمار بن ياسر قبالة بيتنا القديم في بستان البختيار؛ الجامع الملاصق لدار الأمان للأيتام.. نعم؛ المركز الذي حلّّ بشار الأسد مع زوجته ضيفين ثقيلين قبل أيام على إفطار الأطفال نزلاء المركز، ليطبقا حرفياً حالة “الأيتام على مائدة اللئام”!

أوف! ليست المشكلة في رمضان، ولا فيما بعد 2011.. عندي -وعند كثيرين- مهارة تعكير أيّ ذكرى من أيّ شهر وأيّ مكان! فنقطّب ونغوص في الكمد، رغم أن الكريم، رمضان، تجلّى.. وابتسم!

Exit mobile version