Site icon مجلة طلعنا عالحرية

المرأة السورية والثورة

جورج كتن 

شاركت المراة السورية الى جانب الرجل في الثورة السلمية ضدّ النظام الاستبدادي الذي اذاق السوريين رجالاً ونساءً دون تفريق اشكالاً مُتعدّدة من القمع والاذلال. وكانت مشاركتها الواسعة في المرحلة السلمية في التظاهر والاعتصامات والقاء الخطب في التجمعات الشعبية وتوزيع النشرات والاشتراك في اطلاق الاحزاب الجديدة وتحرير صحف الثورة وتشكيل التنسيقيات والنشاطات الاغاثية وغيرها. كما نالت نصيبها من الاعتقال والاختطاف والتعذيب والقتل والاغتصاب والترحيل واللجوء، وتحملت المسؤولية عن اعالة اسرتها عند اعتقال او استشهاد المعيل. وقد تراجع هذا الدور عند الانتقال لمرحلة حمل السلاح بعد هيمنة الفصائل الاسلامية المسلحة.

*- وضع النساء في ظل حكم النظام السوري:

لا يتقدم النظام الاستبدادي رغم ادعائه العلمانية كثيراً في مجال التعامل مع المرأة قبل الثورة واثنائها، قانونه للأحوال الشخصية ترك للمؤسسات الدينية حريّة التصرف فيما يتعلق بالتشريع. وهو قانون يُميّز بين المرأة والرجل في امور الزواج والطلاق والوصاية والارث وغيرها. فالمرأة لا تستطيع تزويج نفسها دون موافقة ولي امرها، حتى في حالة طلاقها او وفاة زوجها، وفي الزواج المختلط يحق للمسلم ان يتزوج من غير المسلمة فيما لا يحق للمسلمة ان تتزوج من غير المسلم، وترفض السلطة اصدار قانون للزواج المدني.

المرأة السورية محرومة من اعطاء جنسيتها لاولادها، وهناك قيود على تنقلها وسكنها، ولا يعاقب القانون اجبار الزوج لزوجته على المعاشرة، ويعفى المغتصب من العقوبة فيما لو تزوج من ضحيته!!. وطوال حكم البعث عوقبت ما يُمسّى ب”جرائم الشرف” بالسجن لأشهر لا أكثر إلى أن رُفعت ل5 سنوات، دون الوصول لعقوبة القتل العمد المشابهة لها التي تحكم بالمؤبد او الاعدام، ممّا شجّع على ارتكاب عمليات قتل واسعة للنساء بحجة “الشرف!”.

كما ضيق النظام على أي نشاط نسائي مستقل لتحصيل حقوق المرأة، وعلى الجمعيات النسائية المدنية حتى المُشكّلة قبل الاستقلال أوبعده, والتي كان لها دور كبير في نضال المرأة من جل حقوقها، وقام بتحويل الاتحاد النسائي من “نقابة” تدافع عن المرأة وحقوقها الى جهاز سياسي تابع للامن يُقيّد أي نشاط نسائي سياسي أو اجتماعي أو ثقافي لضبطه ضمن توجهات السلطة. فيما سمح رغم علمانيته المزعومة بانتشار تنظيم “القبيسيات” الرجعي المُكرّس لتطبيق قيود متشددة على المرأة والمجتمع. وانضم ل”الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة- سيداو”، لكنه تحفّظ على مواد فيها تناقض تعامله التمييزي ضدّ المرأة. كما تعامل مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان والاتفاقيات الدولية المشابهة بانتقائية تفقدها تأثيرها في تطوير حقوق السوريين من نساء ورجال.

*- وضع النساء في ظل حكم النظام السوري:

ليست حال المراة بأفضل في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، بل إنّها اسوأ حسب الفصائل المسلحة المهيمنة عليها والتي تتراوح من أقصى التشدّد كما في مناطق داعش الى الفصائل الاسلامية المعتدلة. فبدل أن تجد المرأة حرية أوسع في المناطق المُحرّرة تمّ التضييق عليها وفقدت حقوقاً كانت قد حصلت عليها بنضال طويل. وذلك لما يسود في اوساط الفصائل الاسلامية من مفاهيم متخلفة تصنف المرأة في مرتبة أدنى من الرجل، حيث المرأة “ناقصة عقل ودين” مهمتها منزلية فقط لرعاية اولادها وارضاء زوجها القوام عليها.

    علا صوت السلاح على أصوات الناس المُطالبة بالحرية للجميع، بحيث أصبحت السياسة تنبع من فوهة البندقية، فحامل السلاح لا يتحكم فقط في السياسة العامة بل عمل لفرض قيود اجتماعية متشددة على الجميع وخاصة النساء، وبرّر ذلك بنصوص دينية وعرف سائد، بالإضافة لبنية مُجتمعيّة مُتخلفِة ذكوريّة التوجه وخاصة في الأرياف، تنسجم مع ما يهدف اليه الاسلام السياسي من ابقاء المرأة ضمن قيودها ومنعها من تحصيل حرياتها. وافضل مثال على التعامل مع المرأة الناشطة خطف “رزان زيتونة” و”سميرة الخليل” ورفاقهم اثناء تأديتهم واجبهم الثوري في مناطق يهيمن عليها الاسلام السياسي.

 التضييق على الحريات في “المناطق المحررة” يتناول الجميع رجالاً ونساء، لكنه اكثر قساوة بالنسبة للمرأة. وبذلك تراجعت المشاركة الواسعة للمرأة في الفترة السلمية الى أدوار ثانوية تكاد لا تتجاوز المُقرّر لها حسب النصوص المستقاة من الدين، فيما عدا بعض النشاطات الاغاثية . أمّا في المجال القتالي فقد اقتصرت على مشاركة جزئية، كما في الملتحقات بالقوات الكردية، او قوات النظام حيث اوكل لمجندات تفتيش النساء على الحواجز، أو اشراكها بمناطق داعش في كتائب امنية نسائية خاصة بملاحقة النساء وقمع مخالفاتهن للقيود المفروضة.

*- المشاركة السياسية للمرأة السورية:

مشاركة المرأة في المجال السياسي وصنع القرار كانت محدودة جداً في أوساط الهيئات السياسية المُعارضة كالائتلاف والمجالس المحلية رغم اعتبارها المؤسسات الاكثر تقدماً في أوساط المعارضة، ويكاد يكون تمثيلاً شكلياً او نوعاً من الديكور لاظهار الإئتلاف بوجه “حضاري” امام الجهات الداعمة, وربما ينتظر المرأة مستقبل اسوأ في حالة وصول تنظيمات الاسلام السياسي للسلطة.

ما يمكن استنتاجه من مسيرة الحراك النسائي السوري أن المرأة لن تحصل على حقوقها إلاّ في ظل نظام ديمقراطي علماني يقطع الطريق على تطبيق شرائع دينية لا تتوافق مع العصر ومع المسيرة الانسانية الحضارية.

الثورة لا تكون ثورة فعلاً إن اقتصرت على اسقاط نظام ليليه آخر يُعيد التضييق على الحريات وبشكل خاص حرية المراة التي يقاس بها مدى تقدم البلدان والشعوب. لن تكون ثورة إن لم تسن قوانين تقدمية، تناقش مسوداتها منذ الآن، وبخاصة قانون عصري للاحوال الشخصية يعتمد كمرجعية الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهود والاتفاقيات الدولية المتممة له، والخطوة الاولى في هذا المجال تشكيل منظمات نسائية لا تتبع النظام او المعارضة او اية جهة سياسية، تمثل المرأة وتعمل من اجل حقوقها ومساواتها بالرجل.

Exit mobile version