Site icon مجلة طلعنا عالحرية

الثورة المدنية.. الآن.. هنا ! / أسامة نصّار

436x328_85109_229671

ينشغل كثير من الناشطين بالتحسّر على مآلات الثورة السورية، وضياع قيم كانت تنادي بها في بدايتها.. حرية، عدالة، كرامة، مواطنة، وحدة وطنية، ديمقراطية، الشعب السوري واحد!

ويتهامس البعض بمرارة إن من هذه الكلمات ما صار مدعاة للسخرية، إن لم نقل مدعاة للمساءلة – من جديد- خاصة في بعض المناطق (المحررة)!

دون أن تخلو نبرة هؤلاء الثائرين المتذمرين من تبرؤ: (ألم نقل لكم؟ ألم نحذركم؟.. ضاعت البوصلة.. هذه الثورة لم تعد ثورتي…)

مقدمة.. ونتيجة

والحال إننا جميعاً مسؤولون عن مآلات الثورة، وهي نتيجة أدائنا الجمعي والجماعي، وكما أن انتصارها المشتهى هو انتصار للثائرين فكذلك انحرافها هو بسبب أخطائهم، أو لنقل بسبب عدم نجاحهم في تسييرها على النحو الصحيح.. ويقتضي المنطق أن النتيجة السلبية هي بسبب مقدمة سلبية، ولا ينتظر من الوسيلة الخاطئة أن توصل لنتائج صحيحة أو صحيّة. والعكس للعكس؛ فمن غير المنطقي أن نكون على صواب وتأتي النتيجة بغير ما يرام.

الثورة هي بنت الثائرين.. وأمهم. وأحدنا لا يتبرأ من (ضناه) عندما يقلّل الأدب، بل يسعى لتأديبه وتقويمه دون أن يفقد حبّه له.

 المناطق المحررة.. انشغال العسكري بالمدني

في المناطق المحررة غالبا ما يسيطر العسكر على كل شيء، عسكري ومدني؛ لا تستغرب إن رأيت شعارات الكتائب ممهورة على المواصلات العامة وعلى المدارس والأفران وسيارات النظافة والإطفاء والإسعاف!

ليس كل هؤلاء طلّاب سلطة ولكن غياب المؤسسات المدنية أو ضعفها وغياب المبادرات من النشطاء المدنيين يترك المساحات مفتوحة للصوت الأقوى والفاعل، وهو هذه المرة – أيضاً- لحامل السلاح.

نار النظام ونار بديله

من المؤسف أن تقتصر أخبار مدينة ما بعد تحريرها إما على القصف الوحشي بالطائرات والبراميل وربما بصواريخ سكود أو على تجاوزات (المعارضة المسلّحة) و (تخبيصاتها) في حقوق الناس وفي حق البلد.

وأين الثورة؟!

وفي ظروف الحصار الذي يضرب على المناطق المحررة، يدور الناس في حلقة عبثية تضعهم أمام خيارين مرّين؛ فإما مقاتل على الجبهة أو عاطل عن العمل، عاجز عن كل شيء، بانتظار السلة الإغاثية والخدمات المقنّنة من المؤسسات الثورية البديلة.

ودون كسر هذه الحلقة، يمكننا أن نمضي في ذم أخطاء العسكر والجماعات المسلّحة والأصولية المتطرفة، ونملأ كتباً وصفحات إلكترونية في توصيف الواقع السيء الذي وصلنا له..

ولكن يبقى إشعال مبادرة مدنية – مهما كانت بسيطة- خير من شتم لون العتمة.

 أنت المسؤول.. أنا المسؤول.. نحن المسؤولون

هل المؤامرة وتخاذل العرب والغرب هي من يمنعنا من أن نكون لطفاء في تعاملاتنا اليومية؟ هل النظام المجرم هو من يجعلنا لا نحترم الدور ولا نحترم بعضنا؟ هل كثرة الشهداء والمعتقلين والمهجرين تبرر لنا ما لا يبرَّر؟

 بعمل صغير يبدأ التغيير

إن من لا ينجح في عمل ضخم عليه – قبل الاستقالة وإعلان الاستسلام- أن يجد له عملاً أصغر وأسهل، فإن نجح، فبه ونعمَ، وإلا فلا يلومنّ إلا نفسه. وبالمقابل، من لا يصبر على عمل صغير وبسيط لن يتمكن من القيام بما هو أصعب وأكثر حماسة حين يطلب منه. والأبطال الحقيقيون هم أولئك الصبورون أصحاب الأعمال المستمرة الدؤوبة ولو كانت قليلة، فتكرار القليل يكثره.

لا تحقرن من المعروف شيئاً.. وكذلك لا تتهاون في أخطاء صغيرة. وعندما تكون ثورتنا ثورة حق ومن أجل الحق، فكل عمل صالح يصبّ في مصلحتها، وكل ما هو سيء يقف بينها وبين أهدافها.

 الظرف غير مواتية، لم يأت دوري.. (عم نشتغل لبعدين)!

نسمع كثيرا عن تحضيرات لمراحل ما بعد النظام وللمراحل الانتقالية، وهناك من لا يزال ينتظر تلك المراحل لأن الظروف الآن غير مواتية لمهاراته وخبراته.

مع احترامي لمن يفكرون بالمستقبل، عندي لهؤلاء خبر سيء آخر: الظروف لن تكون مناسبة للعمل في أي وقت؛ مع هذا النظام أو مع غيره، بمؤامرة دولية وإقليمية وبدونها، بميليشيات مسلّحة دخيلة على الثورة أو بغيرها، بمعارضة هزيلة أو قوية..

لم يكن درب التغيير يوماً سلسلاً ممهّداً أمام المصلحين، وهو لم يكن كذلك عندما بدأت الثورة ولا عندما استمرت، وهكذا سيبقى..

 لا تنتظرها!

ولكن الشيء الإيجابي في الأعمال الاجتماعية الأهلية أنها لا تنتظر الظروف بل تتعامل معها وتصنعها إن لم تجدها.

ومن حسن الحظ أن المبادرات المدنية لا تتعطّل على ذخيرة وامدادات، ولا تؤثر عليها ظروف إقليمية أو إرادة دولية.. ويمكن أن يقوم بها أي عدد.

الناس تموت بالعشرات وتقول لي “عمل أهلي”؟

رحمة الله على الناس، ولنرحم الأحياء أيضاً ونقدم لهم ما ينفعهم. فحسرتنا على ما فات لن تعيده، وندبنا على ما حصل لن يغيره.

و.. نعم.. عمل أهلي.. فبدون الناس لا قيمة لشيء. لا لسياسة ولا لمعارك ولا حتى لثورة!

هذه هي الثورة المدنية؛ وقتها هو الآن، ومكانها هو حيث نحن. رصيدها هو عقولنا وقدرتنا على الإبداع، وزادها هو حبنا لأهلنا وإيماننا بقضيتنا..

Exit mobile version