ثقافة

كيماوي الأسد وخط أوباما “الأحمر” ومطامع ترامب في سوريا في كتابين صدرا في واشنطن

تصدر بين الحين والآخر في الولايات المتحدة الأمريكية كتب أو مذكرات شخصية لمسؤولين أمريكان ممن قضوا سنوات طويلة أو حتى عدة شهور في مواقع صناعة القرار في البيت الأبيض أو في الوزارات السيادية، وكذلك لصحفيين ومراسلين خاضوا غمار تجارب في ساحات الحروب والسياسة في الدول التي تتدخل الإدارات الأمريكية المتعاقبة في شؤونها حسب المصلحة العليا لأمريكا.
من هذه الكتب الهامة التي صدرت في نهايات العقد السوري الدامي نستعرض في مقالتنا هذه، كتاب لمراسل صحفي بذل جهودًا استقصائية للكشف عن سياسات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما (صاحب “الخط الأحمر”) تجاه سوريا ونظام بشار الأسد، إضافة إلى مذكرات مسؤول سابق في إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، يعرف عنه أنه من صقور الجمهوريين، لنقف بالرصد والتحليل على سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه الثورة السوريّة، التي جعل منها سفاح سوريا مقتلة القرن في الألفية الثالثة.
الكتاب الأول الذي نتناوله هنا عنوانه “الخط الأحمر: تفكيك الأسلحة الكيميائية السوريّة والسباق الأمريكي لتدمير أخطر ترسانة في العالم”، لمؤلفه “جوبي واريك” مراسل الأمن القومي في صحيفة “واشنطن بوست”.
الكتاب الصادر مؤخرًا، يشرح لنا المفهوم الجديد في عالم السياسة الأمريكية لـ “الخط الأحمر”، الذي ابتكره أوباما في سوريا سنة 2013. وبين دفتيه يسلط المؤلّف الأضواء على العديد من الوقائع التي تفسّر نوعًا ما سياسات إدارة أوباما ونتائجها التي دفع ثمنها باهظًا الشعب السوري.
وكان كتاب واريك اشتهر قبل انتشاره بسبب الفصل الأول منه الذي ظهر في العديد من الصحف العالميّة، والذي عرّفنا بقصة عالم الكيمياء السوري الذي كان عميلًا لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، وسرّب لهم في ثمانينيات القرن العشرين معلومات دقيقة وموثقة عن امتلاك نظام الأسد الأب لترسانة أسلحة كيماوية، والتي تصل إلى قرابة الـ 13 ألف طن من المواد السامة كالسارين وأنواع أخرى، الأمر الذي انتهى بإعدام العالم الذي يدعى “أيمن” بعد أن اكتشف أمره الضابط آصف شوكت (زوج بشرى حافظ الأسد)، الذي قتل مع مسؤولين آخرين اثنين في تفجير استهدف مقر الأمن القومي بدمشق، في 18 تموز/ يوليو 2012.

خط أوباما الأحمر ضد الشعب السوري..

أهمية الكتاب لا تكمن في تفاصيل قصة ذلك العالم السوري التي حصل عليها المؤلّف إثر مقابلات سريّة لم يفصح عنها، وإنما ما هو هام هنا هو الكمية الهائلة التي يمتلكها النظام الأسدي الاستبدادي من السلاح الكيماوي، والتي استخدمها (الابن الوريث) لاحقًا إثر اندلاع الثورة في سوريا، الأمر الذي اعتُبر تجاوزًا لـ “الخط الأحمر” الذي وضعه أوباما، والذي كان الهدف منه تهديد الأسد، بل إسقاطه في حال تجاوزه. لكن، وكما نقرأ في الكتاب، وهو ما عايشناه في سوريا، أنّ الأسد تجاوز هذا الخط عشرات المرات، وبقي في مكانه!
يبدأ المؤلّف أحداث كتابه من العام الثاني لثورة السوريين، تحديدًا في 25 أيلول/ سبتمبر 2012 إثر تفجير (فرع فلسطين) في دمشق، ما فتح أعين الإدارة الأمريكية حينذاك، على مخاوف من وجود الجماعات الإسلامية المسلحة، وتمكن هذه الجماعات من مهاجمة قلب العاصمة دمشق، ما يعني أنّ الأسد لم يعد قادرًا على السيطرة على البلاد، وأنّ ترسانة السلاح الكيماوي، الذي تعرف عنه الـ CIA بدقة منذ الثمانينيات، ستكون في متناول أي جهة تسيطر ميدانيًا على سوريا.
يلخص واريك موقف إدارة أوباما و”خطه الأحمر” من وقوع السلاح الكيماوي بيد الإرهابيين، أما استخدام بشار الأسد له وقتله المستمر للشعب السوري فلم يكن المحرك الأول! وفي هذا السياق يسلط الصحفي الأمريكي بين دفتي الكتاب كيفية استخدام الأسد للأسلحة الكيماويّة في الغوطة الشرقية وفي بلدة سراقب، والتي تحمل (الأسلحة الكيماويّة) لمسة “سورية” خاصّة، إذ طور العلماء العاملون في مركز البحوث في دمشق أسلوبًا لمزج المواد الكيماويّة قبل ساعات من إطلاقها، ما يساعد على الحفاظ عليها في التخزين لفترات طويلة.
وبناء على هذه المعلومات يتطرق واريك إلى بعثة المراقبين الأمميين التابعين لمنظمة حظر الأسلحة الكيماويّة، وكيف رضخ الأسد في نهاية المطاف وسمح بدخولهم بل وقرر تسليم ترسانة أسلحته الفتاكة بأكملها. لتواجه واشنطن في هذه المرحلة مشكلة كبرى في التنفيذ، فالكمية الكبيرة التي يمتلكها الأسد من المواد الكيماويّة تركت المراقبين ووزارة الدفاع الأميركية وإدارة الرئيس أوباما أمام معضلة تقنيّة، حيث أنّ نقل هذه المواد ثم التخلص منها صناعيًا ليس بالأمر السهل، والعديد من الدول رفضت استقبالها، ناهيك عن إمكانية نقلها بأمان في سوريا التي كانت المعارك تشتعل فيها.

كيماوي الأسد و(ماكينة المارغريتا) ومازال الخطر مستمرًا..
جوهر الكتاب برأينا، هو تعريف المؤلّف بمواطنه الخبير بالأسلحة الكيماويّة “تيموثي بلايد”، الذي يعمل في القسم الخاصّ بالأسلحة الكيماويّة في البنتاغون، فما قام به هذا الخبير -كما يذكر واريك -: “شبه مستحيل، إذ صمّم آلة لتفكيك الأسلحة الكيماويّة باسم (ماكينة المارغريتا)” وأهمية هذا الإنجاز، تكمن في نقله من مكان إلى الآخر، ولأنّ الهدف هو إخراج الأسلحة من سوريا، طور بلايد النموذج كي يصبح صالحًا للعمل في البحر، أي ضمن سفينة “كاب راي” العملاقة، ما يعني -مع ترجيح احتمالات غرقها أو تسرب الكيماوي منها- خطرًا بيئيًا هائلًا، لكن بعد ما يقارب الأربعين يومًا تم تفكيك كل المواد الكيماويّة، ونقلها خارج سوريا.
وبهذه العملية المعقدة سلّم الأسد ترسانته الكيماويّة صاغرًا، ليذهب أدراج الرياح جهد أكثر من ثلاثة عقود من الأبحاث وتطوير الأسلحة الكيماويّة، التي هددت المنطقة والغرب لا لخطورة الأسد بل خوفًا من أن يستخدمها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، المصنف عالميًا كتنظيم إرهابي، والذي استهدف الأكراد بغاز الكلور عدة مرات.
يؤكد الصحفي الأمريكي في كتابه، أنه بالرغم من تسليم الأسد لترسانته الكيماويّة -كما زعم-، “بقي كثير من (المواد الكيميائيّة) مجهول المصير”. لافتًا إلى أنّ “أكثر ما يثير الحنق، هو استخدام الأسد لغاز الكلور أكثر من 200 مرة بعد تسليمه الأسلحة الكيماويّة، فهذا الغاز غير مصنف كسلاح كيماوي، لكونه لا يسبب الموت إلاّ بأعداد قليلة، وإنتاجه بكميات كبيرة سهل بل و”شرعي” لكون مكوّناته موجودة في المبيدات الحشريّة، وهنا تظهر لمسة النظام السوري مرة أخرى، عبر استخدام “البراميل الكيماويّة” لا المتفجرة وإلقائها على الأحياء المدنيّة، الأمر الذي لم يحصل منذ الحرب العالميّة الأولى، لسبب بسيط، هو أنّ “غاز الكلور ينشر الرعب والفوضى أكثر مما يؤدي إلى موت العدو” بحسب واريك.

سوريا “دولة الرمال والموت”.. في مذكرات بولتون
الكتاب الثاني، يناقش أيضًا ما وصفه بـ “التقصير” في طريقة تعاطي الرئيس السابق دونالد ترامب مع الهجوم الكيماوي الذي نفذه الأسد، خلال الأسبوع الأول من تولي مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، لمنصبه -أواخر شهر آذار/مارس 2018- والذي كان سببًا لتمادي النظام وقيامه بهجوم مماثل آخر.
يروي بولتون في مذكراته الموسومة بـ “الغرفة حيث حدث ذلك” تفاصيل خاصّة حول رؤية ترامب، لسياسة بلاده تجاه سوريا ونظام الأسد، وكذلك وجهات نظر إدارة ترامب، بما يشمل وزيري الخارجية والدفاع والمبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا جيمس جيفري.


الكتاب الذي جاء في خمسمئة صفحة، نلاحظ فيه تتبع ملامح السياسة الخارجية لإدارة ترامب مع سوريا، التي لم تبرأ من الصراعات السياسية والتدخلات الخارجية، والتي جاء بولتون على ذكرها بـ “تفاصيل مفاجئة” من داخل المكتب الرئاسي لترامب، كاشفًا أنه لم يكن أيّ من الشخصيات الرئيسة المهمة في إدارة ترامب “مهتمًا بما يجري للشعب السوري”؛ إذ أنّ سوريا بالنسبة لترامب لم تكن إلّا “مطمعًا إستراتيجيًا جانبيًا” على أجندة إدارته.
كما يذكر بولتون تفاصيل كشفت عن رغبة ترامب بالتفاوض “مرارًا” مع الأسد لإعادة أسرى أمريكيين يُعتقد أنهم محتجزون لدى النظام في سوريا، وهو ما رفضه الأسد.
وبحسب المؤلّف، أوقف ترامب مساعدات مالية تقدر بـ 200 مليون دولار أمريكي كانت مخصصة “لتعزيز استقرار المناطق المحررة”. وجاء تبريره للقرار “صادمًا” -وفقًا لبولتون-؛ إذ قال إنه “يريد بناء دولته وليس دولة الرمال والموت”، كما وصف ترامب سوريا مطلع عام 2019.
كما خاض بولتون في مذكراته في تفاصيل إعلان ترامب الانسحاب النهائي للولايات المتحدة من سوريا في كانون الأول/ ديسمبر 2018، والمحادثات التي أجراها مع نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، بهذا الخصوص. مرجعًا سبب رغبة ترامب بالانسحاب الكامل من سوريا إلى عدة أسباب، أبرزها تركيزه على حملته الانتخابية، وعدم اقتناعه بضرورة وجود القوات الأمريكية، أو وجوب تحمّل الولايات المتحدة المسؤولية الرئيسة لما يجري في سوريا.
وكشف بولتون عن “عدم اقتناع” ترامب بسياسة الولايات المتحدة المتعلقة بمحاربة تنظيم (داعش)، في دول تعتبر “عدوة” لواشنطن أو حليفتها في سوريا (قوات سوريا الديمقراطية).
وكان الرئيس ترامب، أقال مستشاره للأمن القومي جون بولتون، في أيلول/ سبتمبر 2019، على خلفية الاختلاف معه بوجهات النظر.
يبيّن المستشار الأمريكي المُقال في مذكراته، أنه لم يكن لدى ترامب “أيّ تصوّر واقعي” لحلّ الملف السوري، إذ كان يأمل بمبادرة تدخل قوات عربية لحلّ الصراع السوري بدعم أمريكي، وهو ما لم يحصل خلال فترة وجود بولتون بمنصبه، ولا بعد إقالته.
وقدم بولتون دليلًا آخر يوضح “عدم واقعية” تصوّر ترامب لحلّ الصراع في سوريا من خلال اعتقاده بأنّ دول الاتحاد الأوروبي “ستظهر التزامًا أكبر وترسل قوات إضافية إلى سوريا حال انسحاب الولايات المتحدة منها، وهو ما بقي بحدود التصوّرات ولم يتحقق على أرض الواقع”.
إلى ذلك نقرأ هجوم بولتون على المبعوث الأمريكي الخاصّ السابق إلى سوريا جيمس جيفري، ووصفه بأنه كان مؤيدًا “لسياسة تركيا في سوريا، وحاول رسم خريطة سيطرة كل من الأتراك والأكراد في سوريا، وهو ما تم تجاهله من قبل تركيا”.
كما أشار بولتون في كتابه إلى اختلافات محورية في إدارة ترامب متعلقة بالملف السوري، وقال إنه شخصيًا كان مهتمًا بإيران، بينما كان وزير الدفاع الأمريكي السابق، جيمس ماتيس، مهتمًا بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في حين كان وزير الخارجية مايك بومبيو، مهتمًا بإرضاء ترامب فقط.
هذا ويُعدُّ جون بولتون (مواليد عام 1948)، أحد أبرز رجال الإدارة الأمريكية رغم تبدل الرؤساء المتعاقبين عليها، إذ بدأ مسيرته السياسية عام 1981 حين عمل كمستشار عام للرئيس الأسبق رونالد ريغان، كما شغل منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية في إدارة الرئيس جورج بوش الأب في الفترة بين 1989 و1993. وفي عام 2001 تولى منصب وكيل وزارة الخارجية لمراقبة الأسلحة والأمن الدولي، ليُعيّن بعدها بمنصب المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة، وذلك بعهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، واكتسب حينها لقب (الصقر) بسبب مواقفه المتشددة حيال روسيا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا، كما أنه أيد حينها حرب الولايات المتحدة على العراق. وحين استلم ترامب إدارة البيت الأبيض، عيّنه بمنصب مستشاره للأمن القومي.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top