ثقافة

كاتب أمريكي يروي فصولًا من سيرة عائلة أحرقت شهوتها للحكم سوريا ودمرتها

يناقش الكاتب الأمريكي سام داغر، في كتابه «الأسد أو نحرق البلد : كيف دمرت شهوة عائلة واحدة للسلطة سوريا» Assad or we burn the country، كيف دمرت عائلة الأسد التي تحكم سوريا منذ قرابة الخمسين سنة، بسبب تمسكها بالبقاء في السلطة، منطلقًا من أبرز الشعارات التي أطلقتها أجهزة النظام الأمنية الطائفية وأكثرها دلالة على ما جرى ويجري في سوريا منذ بداية المظاهرات الشعبية المنادية بإنهاء حكم الرئيس بشار الأسد، ألا وهو شعار “الأسد أو نحرق البلد”.


الكتاب الذي نُشر باللغة الإنجليزية، جاء ضمن قائمة أفضل الكتب الصادرة في عام 2019، التي وضعتها صحيفة “الغارديان” (The Guardian) العام المنصرم، والتي قالت عن الكتاب: إنّه “يقدّم رواية مقنعة من الداخل عن الطموح المميت للأسد”.
بحسب الصحيفة البريطانية، يشرح المؤلّف كيف أعاد الصراع في سوريا تشكيل الشرق الأوسط وأدى إلى زعزعة النظام العالمي ككل، معتبرًا أنّ الأسد كان على استعداد لقتل مئات الآلاف من الشعب السوري للبقاء على كرسي السلطة، وذلك قبل ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي.
ويربط “داغر” بين القمع الكبير الذي مارسته قوات النظام الأمنية والعسكرية ضد السوريين، وإطلاقه سراح مئات الإسلاميين من السجون.
كما نقل المؤلّف عن مصادر من داخل النظام، أنّ الأسد أمر ضباطه بالتخلي عن نقاط حدودية مع صعود تنظيم “داعش” الإرهابي، متهمًا إياه بقتل صهره العماد آصف شوكت، نائب وزير الدفاع السوري السابق (زوج شقيقته الكبرى بشرى الأسد)، إضافة إلى شخصيات أمنية أخرى، فيما وصف آنذاك (عام 2012) رسميًا بأنه هجوم إرهابي.
كما يؤكّد الصحافي الأمريكي من أصول لبنانية، أنّ مقتل زميلته الأمريكية ماري كولفين، ورفيقها الفرنسي المصور الصحفي ريمي أوتشليك، في مدينة حمص (وسط سوريا)، في 22 شباط/ فبراير 2012، كان “له ما يبرره” بالنسبة للنظام كما أخبره ضابط سوري في جيش الأسد.
ويبيّن “داغر” بأنّ معادلة إمّا نحن أو الجحيم ميزت حكم الأسد الأب وابنه الوريث سواء في حكمهم لسوريا أو تعاملهما مع العالم الخارجي لا سيما الغربي، فحافظ الأسد، الذي حكم ما بين عامي 1970 و 2000، وضع السوريين بين خيارين إمّا الرضوخ الكامل له، وإمّا إلقاؤهم في سجن تدمر الصحراوي وتدمير مدنهم وبيوتهم كما فعل في مدينة حماة. وكذلك قال للعالم الغربي: إمّا أن تتركوا لي حريتي في حكم لبنان وسرقته أو أنّ المجموعات الإرهابية ستهاجمكم في لبنان وفي أوروبا ذاتها، وهذا ما فعله في سبعينات وثمانينات القرن الماضي عن طريق عدّة مجموعات مثل مجموعة أبو نضال (الفلسطينية المنشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية) وميليشيا حزب الله (اللبناني الشيعي الطائفي).
كذلك فعل الابن الوريث -بحسب المؤلّف-، الذي تسلم الحكم منذ العام 2000 وإلى يومنا هذا، حيث قال: إمّا أن تتوقف الولايات المتحدة الأمريكية عن تهديد نظامه أو أنه سيتابع ضخ المقاتلين الإسلاميين إلى العراق وتدريبهم ودعمهم، وإمّا أن تتوقف أوروبا عن نبذه وتجاهله وتعفيه من العقوبات وتهمة قتل رفيق الحريري (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق)، أو إنه سيحرق لبنان وسيتابع عبر ميليشيا (حزب الله) سلسلة الاغتيالات، وسيعمل على تزويد هذه الميليشيا المتطرفة بالأسلحة، وبعد انطلاق الثورة السورية وجه تهديده للغرب قائلًا: إمّا عدم دعم المعارضة والثورة الشعبية ضد نظامه وإمّا فإنّ سلسلة من التفجيرات والهجمات الانتحارية ستطال أوروبا، ليطوّر تهديده أو معادلة البقاء لاحقًا إلى “إمّا أن أحكم أو أنّ داعش سيسيطر على سوريا”، وهذه المعادلة التي التقطتها الإدارة الأمريكية وفعلًا بدأت في عام 2014 حملتها ضد التنظيم الإرهابي مع توفير كل الضمانات للنظام بأنه غير مقصود بحملتها هذه!


التدمير جوهر عائلة الأسد..
تأتي أهمية ما جاء في الكتاب من خبرة مؤلّفه في الشأن السوري، وشؤون الشرق الأوسط بشكل عام، وكونه كان مراسلًا لشؤون الشرق الأوسط منذ العام 2003، ومقربًا من الحلقات الضيقة لنظام الأسد الابن.
وعن اختياره عنوان كتابه يقول “داغر” في حوار أجرته معه “الإذاعة الوطنية العامة” (NPR) الأمريكية، إنه كان يرى هذا الشعار “الأسد أو نحرق البلد” على جدران البلدات والأحياء في دمشق وغيرها من مدن سوريا الثائرة “كانت قوات النظام تدخل وتقوم بما يسمّيه النظام تطهير هذه المنطقة، ويقومون في بعض الأحيان بإعدام كل من يعثرون عليه في هذه الأماكن، ينهبون جميع المنازل وصولًا إلى البلاط والأسلاك النحاسية الموجودة في الحائط، ويحرقون هذه المنازل. وبعد الانتهاء من ذلك، يكتبون على الجدران هذه العبارة، الأسد أو نحرق البلد”.
ومما نقرأ في الكتاب، ما نقله المؤلّف عن لسان أحد قادة الميليشيات التي أنشأها نظام الأسد بعد انطلاق الثورة، قوله: “سنقتلهم بالغاز والجوع وسندمر منازلهم، كيف يجرؤون على الوقوف ضدنا”، وهنا يلفت “داغر” إلى أننا نشهد حاليًا تطبيق معادلة الأسد في إدلب، فإمّا أن تستسلم إدلب وتخضع له وإمّا فإنه سيدمرها فوق رؤوس أهلها، وما تدميره للمستشفيات ومراكز الإغاثة إلّا جزء من تهديده، “هذا هو منطق نظام الأسد.. هذا جوهر هذه العائلة”.
ويوضح “داغر” أنّ رد فعل الأسد على أطفال درعا، كان بناء على نصيحة شقيقه الأصغر ماهر (لواء في الجيش، قائد الفرقة الرابعة) وابن عمه حافظ مخلوف (عميد في الأمن تم إبعاده لاحقًا)، بمضاعفة القمع وبإطلاق سراح المئات من الإسلاميين الذين تم تشجيعهم في السابق على محاربة الاحتلال الأميركي في العراق بعد سقوط الرئيس صدام حسين، لكنهم سجنوا عندما عادوا إلى ديارهم.
وكانت النتيجة -كما يصوّرها “داغر”- أنّ شعار “سلمية” الذي حملته الثورة السورية منذ البداية قد تلاشى تحت ضجيج الهجمات بالقنابل والتفجيرات الانتحارية الجهادية التي يذكر أنّ بعضها مزيف من قِبَل النظام.
وبحسب المؤلّف، فإنه في الأيام الأولى من ثورة الحرية والكرامة كان هناك جدل في العواصم الغربية حول كيفية ردّ فعل بشار الأسد، خاصّة أنّ صعوده إلى السلطة عام 2000 رافقه الإعلان عن “ربيع دمشق” قصير العمر، كما رافقه الحديث عن إصلاح فيما يتعلق خصوصًا بالتحرير الاقتصادي، ولكن كل ذلك لم يشمل “حاجز الخوف” الذي تحافظ عليه فروع مختلفة من شرطة المخابرات السرية في كل مكان.
ورأى “داغر” في كتابه أنّ الردود الدولية والإقليمية تعدُّ جزءًا مهمًا من هذه القصة القاتمة والمستمرّة، إذ دعا الرئيس الأميركي وقتها باراك أوباما في آب/ أغسطس 2011 الأسد إلى التنحي، وتلته في ذلك بريطانيا ودول الاتّحاد الأوروبي الأخرى.
وبحلول نهاية ذلك العام، كان عدد القتلى في سوريا قد تجاوز خمسة آلاف، وقد بلغت احتمالات التدخل الغربي، ذروتها عندما وصل الضابط المنشق عن جيش بشار الأسد، العميد مناف طلاس إلى باريس بمساعدة عملاء المخابرات الفرنسية.


قواعد “دليل الإرهاب” الأسدي..
الكاتب والصحافي البريطاني إيان بلاك، يقول في عرضه للكتاب: “إنّ رواية سام داغر الكئيبة والمفصلة بشكل مثير للإعجاب عن تدمير سوريا، ترتكز على عاملين وثيقي الصلة فيما بينهما، وهما وجوده مع بداية الأزمة ثم دقة مصادره، خاصّة ما قدّمه له الجنرال السوري المنشق مناف طلاس وآخرون من رؤى عن الرئيس الأسد ودائرته الداخلية، وكذلك عن نشطاء المعارضة البارزين”. موضحًا أنّ مناف طلاس الذي انشق عن النظام في صيف 2012، كان أحد جنرالات الحرس الجمهوري النخبة في سوريا وأحد المقربين من بشار، وأنه لم يكن مجرد لاعب يشارك الأسد لعبة التنس، بل كان صديقه الحميم والمقرب بالفعل”.
وانشق مناف طلاس -كما جاء في الكتاب- “عندما شعر بالقلق من القمع الوحشي الذي قام به الأسد منذ اندلاع الاحتجاجات في مدينة درعا في آذار/ مارس 2011، بعدما قام شباب -تحت تأثير التغيّيرات التي حدثت في تونس ومصر وليبيا- مطالبين بالكرامة والحرية والإطاحة بنظامهم القمعي، وبدا حينها أنّ سوريا كانت متّجهة منذ البداية إلى وجهة مختلفة وقصة أكثر دموية”.
يؤكّد سام داغر في متن كتابه، أنّ الأسد استطاع عبر تطبيق ما أسماه قواعد “دليل الإرهاب”، الذي حكمت عائلته سوريا به لمدة خمسين عامًا، أن يتمكّن من البقاء حتى الآن مع كل ما عانته وتعانيه البلاد من قتل ودمار وخراب طال السواد الأعظم من عمران سوريا.
ومن خلال لقاءاته مع المسؤولين في النظام يفرق المؤلّف بين روايتين، ففي حين يتمسك الجانب الرسمي من النظام ويعيد مسؤولوه سردية المؤامرة الدولية والدور الإسرائيلي ومحاربة الإرهاب، فإنّ الجانب العسكري من النظام يتحدّث بصراحة ووضوح وبشكل مباشر، متفاخرين بالمجازر التي ارتكبتها قوات الجيش والميليشيات التابعة لها، والتي أطلق عليها هنا تسمية “قوات الدفاع الوطني”، وهي مجموعات من الشبيحة والمرتزقة من السوريين الموالين للأسد.
يتوقف المؤلّف الأمريكي، عند الدور الإيراني والروسي في تعزيز حكم بشار الأسد، لافتًا إلى أنّ المواقف الأمريكية والغربية المتردّدة قابلها عزم إستراتيجي من قبل إيران، لدعم كلٍ من الأسد وحزب الله، وتدخل من روسيا التي أغضبها دور حلف “الناتو” في الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي، في حين أنّ الدعم الإقليمي غير المنسق للجماعات السورية المعارضة من قبل السعودية وقطر وتركيا المتنافسة على النفوذ، ساعد في تغيّير المشهد العسكري والرواية الرسمية. وهكذا تحوّل ما رآه الصحافي الأمريكي صراعًا متحركًا من أجل الحرية، إلى “حرب على الإرهاب”، وفي هذا السياق كتب “داغر”: “ما يتماشى مع تقليد النظام الراسخ المتمثّل في رعاية الوحش ومن ثم تقديم نفسه للغرب باعتباره الوحيد القادر على ذبحه، ومن ثم يطرح شروطه المسبقة”.
ويؤكّد المؤلّف أنّ اللحظة الحاسمة في مسار الأحداث في سوريا تمثّلت في التدخل العسكري الروسي في أيلول/ سبتمبر 2015، “منذ ذلك الحين، استعاد الأسد السيطرة على معظم أنحاء البلاد باستثناء محافظة إدلب، حيث يجري الآن النظر إلى ما يبدو أنه الفعل الأخير في مأساة سوريا”.
جدير بالذكر، أنّ سام داغر يعتبر الكاتب والصحافي الأمريكي الوحيد الذي تواجد في سوريا بين عامي 2012 و2014، واعتقل في 2014 من قبل ميليشيات تابعة للأسد وتم حجزه تحت الأرض، ومن ثم تم إبعاده عن سوريا بسبب تقاريره الصحفية، وكان أن كتب من سوريا العديد من التقارير والمقالات في الصحف الأمريكية، مثل “وول ستريت جورنال” و”نيويورك تايمز”، وتم ترشيحه لجائزة “بوليتزر” (Pulitzer Prize)، ‏التي تقدّمها سنويًا جامعة “كولومبيا” في نيويورك، في مجال الصحافة، وخلال هذه الفترة -كما أوضح “داغر”- في عدّة تغريدات وندوات عن كتابه، التقى بالكثير من مسؤولي النظام وضباط مخابراته وقادة الميليشيات التي تم إنشاؤها بعد انطلاق الثورة، مشيرًا إلى أنه اعتمد في كتابه على حوارات مطولة مع العميد المنشق مناف طلاس، الذي كان مقربًا لبشار قبل انشقاقه ومغادرته سوريا إلى فرنسا.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى