مقالات رأي

في انتظار المثقّف المُستنير

مرزوق الحلبي – فلسطين المحتلّة

عندما قتلت قوات الأمن الفلسطينية -التابعة للسلطة الوطنية في رام الله- في الثالث والعشرين من حزيران الماضي الناشط المعارض، نزار بنات (من مدينة الخليل)، عادت إلى الواجهة تلك السجالات بشأن العلاقة بين نكبة الفلسطينيين ومحنة السوريين. فقد كان بنات معارضاً للسلطة في رام الله، لكّنه كان مناصراً لنظام المجازر في دمشق، ولعرّابه نظام الملالي الإيراني. ليس هذا فحسب، بل كثيراً ما كان يتشفّى ويسخر ويكايد عبر “إطلالاته” في أشرطة الفيديو، الشعب السوريّ ومؤيديه من العرب والفلسطينيين، ويدعو نظام المجازر إلى مزيد من التوحّش!
وأنا الذي لا أتبع “شيخاً” أو “طريقة” أو “عقيدة” مغلقة، رأيت من واجبي نقد جريمة قتله، والمطالبة بمحاسبة المنفّذين والمسؤولين عنهم، من أصغرهم إلى أكبرهم، مع الإشارة إلى أن الضحية كان من مناصري نظام المجازر. وكان للأمر أن ينتهي هنا لولا أن كثيرين من المتناقشين طالبونا بألّا نذكر له تأييده لنظام المجازر، ونكتفي بالوقوف معه كضحية سلطة غاشمة، أو تعمل لحساب الاحتلال، كما قالوا.
قسم من هؤلاء كان بنفسه من مؤيّدي نظام المجازر ومتقبّلاً لتوحّشه الذي فاق مليون مليون مرّة ما تقوم به السلطة “الوطنية” الفلسطينية. فأدركنا مدى التباس الأمور على بعضنا، ومنهم مَن يدّعي الثقافة أو إشغال خانة المثقّف الفلسطيني. فعُدنا إلى التأمّل في حالتنا لتفكيكها إلى عواملها الأولى، كي لا يستمرّ هذا السجال العقيم وهذا الانتقاص من مكانة المثقّف أو المعارض وزجّهما في شبكة من ازدواجيّة المعايير ومتاهات العقيدة والإيديولوجيا.
هناك اعتقاد ساذج لدى أوساط واسعة من مثقّفينا الفلسطينيين لا سيّما في الداخل الفلسطيني (الساحل وسائر الجليل) أنه بمجرّد أن تكون معارضاً للاحتلال ومناهضاً لسياسات إسرائيل الكولونيالية في فلسطين فإنّك محرّر من تبعات كلّ سؤال آخر في إطار “مناهضة” القهر والظلم، أو في إطار التضامن والتعاطف مع مقهورين ومظلومين آخرين. وقد شخّصنا في بداية الحرب على الشعب السوريّ تمسّك بعض الفلسطينيين بخانة الضحية بامتياز، ورفضهم الاعتراف بأن يكون شعبٌ آخر كالشعب السوريّ ضحيّة لنظامه ولقوى أجنبيّة تحتلّ وطنه. وأدركنا في وقت مبكّر أيضاً أن قسماً من الفلسطينيين -مثقفين وغير مثقفين- لا يزال يعيش وعياً زائفاً بخصوص النظام في دمشق، وعرّابه النظام في طهران. وعي ورّطهم بمواقف بائسة، كأن لا يُدركوا مثلاً دلالات تدمير مخيّم اليرموك فوق رؤوس مليون من أهله الفلسطينيين والمهمّشين!
لقد كشفت جريمة قتل بنات هشاشة مفهوم “المعارض” و”المثقّف” معاً؛ فالمعارض وفق بنات هو معارض للسلطة في رام الله، لكنّه متحالف أوتوماتيكياً مع كلّ معارضيها، بما فيهم فصائل أصولية كحماس والجهاد والموالين لإيران في غزة وسواها. علمًا بأن هذه القوى -لا سيّما حماس- مارست أبشع قمع في غزة؛ حيث استطاعت أن تفرض هيمنتها وتقمع وتقتل!
وكشفت أيضاً هشاشة “المعارضة” و”الثقافة” لأنها جهويّة تعمل باتجاه سلطة تناهضها، وليس على أساس قيمة أو فكرة تؤيّدها؛ ف-”المعارض” بنات الذي رفض بحقّ كل أشكال القمع الداخلي لسلطة رام الله، والهوان الخارجيّ أمام الاحتلال، لم تؤذِه حقيقة قمع سلطة حماس للناس في غزة ولا توحّش النظام في دمشق ولا جرائم التطهير العرقي لمناطق واسعة من سوريا.
لقد رأينا -في بنات وغيره- نموذجاً لقصور مفهوم “المعارض” و”المثقّف” في الثقافة السياسيّة الفلسطينية التي تأسّست على مدار عقود على محور واحد هو: مناهضة إسرائيل، وتوكيد المشروع الوطني الفلسطيني.
صحيح أن الأمر لا ينسحب على كل المعارضين والمثقّفين الفلسطينيين، لا اليوم ولا في الماضي، لكننا رأينا هذه النزعة بوضوح في كل مراحل المشروع الفلسطيني. وهي نزعة أضعفت هذا المشروع وشدّته إلى الخلف.
كلّما ابتعدنا عن حقبة “حركات التحرّر” و”حقّ الشعوب في تقرير مصيرها” ضعف التضامن الفلسطيني مع شعوب مماثلة، واتسعت الرهانات على أنظمة ومراكز أقلّ ما يُقال فيها إنها أسهمت إسهاماً جديّاً في تدمير قضية فلسطين وشطبها.. نظام دمشق ونظام إيران مثلًا. لم يمنع هذا من أوساط فلسطينية الإبقاء على رهانها معلّقاً على هذه الأنظمة بالذات.
وهذا في رأينا نتيجة مباشرة لعقدة القوة؛ فالمقهورون أو المظلومون حتى النُخاع كالفلسطينيين يعلّقون الأمل على “مراكز قوة” في الجوار أو في الخيال والوهم، طمعاً في نصر أو فرج يُعيد الحقّ لأهله. عُقدة ليست حصراً على الفلسطينيين؛ فقد وقع في حفرتها سوريون كثيرون في محنتهم، وهي عُقدة “تُعفي” المنكوب بها من المبادرة والاعتماد على النفس وإنتاج الاقتدار الذاتي لمواجهة شرط القهر من خلال منظومة أخلاقية شمولية، إضافة إلى مشروع سياسيّ قابل للحياة لا للموت.
على مستوى آخر من هذه القضية، تكمن للمثقّف وللمعارض إغراءات الإيديولوجيا أو العقيدة (الدينية أيضاً). فقد رأينا أجيالاً من المثقّفين العرب وبضمنهم الفلسطينيين يسيرون معصوبي الأعين وراء العقائد حتى ضاعوا في المتاهات وأضاعوا كل مسالك النجاة. هؤلاء لم يدعوا الوقائع تغيّر لهم من فرضيات العقائد وأحكامها. ومن هؤلاء شيوعيون ويساريون في طول الإقليم العربي وعرضه، بما فيه حيفا وسائر الجليل. فقد ذهب كثيرون منهم في مسار الدوغما وفسّروا كلّ شيء تفسيراً غيبيًّا كأي عقيدة دينية إلهية وتجاهلوا كلّيًا الوقائع على الأرض. وهم واهمون إلى يومنا هذا بخصوص سوريا وشعبها ونظام المجازر فيها. وهم، رغم تقسيم سوريا الفعلي وتقاسم مواردها الطبيعية بين خمسة احتلالات، لا يزالون يتحدثون عن “ممانعة” و”مناهضة أمريكا” وما شابه! وهم، من فرط الدوغما، يعتبرون نظام بوتين المافيويّ استمرارًا لـ”الاتحاد السوفييتي العظيم”، وأن نظام الملالي القمعي المستبدّ تجسيدًا للحريّة المُشتهاة.
ظاهرة أخرى لاحظناها عبر السجال العقيم حول جريمة قتل بنات، وهي الاعتقاد بأن المعارضين في نقطة من الزمن والثوريين في مرحلة معيّنة هم ثوريون ومعارضون إلى الأبد. كأن الظواهر -ومنها المثقّف والمعارض- جامدة لا تتحوّل ولا تخضع للجدلية. كأنّ صلاح الماضي يمتد إلى ما لا نهاية مهما فعل المعنيّ وقال. فقد رأينا تحوّلات إشكالية في سيرة البعض ورأينا انحرافاتهم الفكرية ونكوصهم وتواطؤهم وعمالتهم.. لكنهم يُصرّون على أنهم “ثوار” أو “مثقّفون عضويون” وما إلى ذلك من مراتب لا يستحقونها.
لقد كشفت جريمة قتل بنات هشاشة الثقافة السياسيّة الفلسطينية في الراهن، ومكوثها غير المبرّر في معمعان الإنشاءات اللفظية لنظام متوحّش في الشام، وعقيدة شمولية إيرانية لا تترك للإنسان الإيراني مغزّ إبرة كي يسعد. هي ثقافة قاصرة عن رؤية الروابط المرئية وغير المرئية، بين خطر أنظمة شمولية متوحّشة على الإقليم، وبين خطر النظام الاستعماريّ كما تجسّده إسرائيل الرسمية. “ثقافة” عاجزة عن إحداث أي تغيير مأمول في الواقع القاهر. لأنها “ثقافة” تسير معصوبة الأعين وراء أوهام، ولا تؤمن بالأفكار المُشرقة المستنيرة إلّا بقدر ما تخدمها هي أو تخدم لحظتها. ثقافة تتبدّى لنا في كثير من المنعطفات بائسة تُطالب بالحريّة لنفسها وتناصر الهيمنة والاستبداد المفروض على شعب آخر. تنادي بضمان حقوق الإنسان لكنها تناصر سحقه كما في المسالخ البشرية للنظام الأسدي. وهكذا حتى الضياع.
من المفارقات أن “ثقافة” كهذه تلتقي وتتطابق من موقع “الضحيّة” مع سياسات التوحّش المُطلق والتدمير الكلّي للشعوب. هكذا تدور أوساط فلسطينية واسعة نسبيًّا في حلقة مُفرغة غير قادرة على مواجهة أي تحدٍّ مهما يكن صغيراً. من هذه الأوساط تأتينا قوى “الثورة المضادة” التي تُشجعها الجهات المتوجّسة من الثورات ومن الربيع.
المثقّف المستنير والثوريّ المستنير والمعارض المستنير هي النماذج القادرة على كسر هذه الحلقة والخروج من أسرها إلى احتمالات التغيير والتأثير. لأنها نماذج متمسّكة بأفكار وقيم وأنساق متنوّرة مستمدّة من الجوهر الإنساني، ومن فكرة بناء الاجتماع البشريّ على أساس من العدل والمساواة والحريّات، وليس على أساس استبدال نظام قهريّ بنظام شموليّ أكثر توحّشاً.
ليس كافياً أن تكون ملتزماً بقضيّة أو عقيدة. هناك حاجة إلى تجاوز ذلك صوب الاستنارة، فتكون منظومة القيم النبيلة كلّها هي البوصلة للسياسة وسواها.

تموز 22021

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top