ثقافة

في الظلمة تتفتح الأحلام

هذا الكتاب ينطلق من رغبة المؤلف “في أنسنة ما حدث من خلال تتبع، صفحة تلو صفحة، حياة من حلموا وآمنوا بالتغيير وشاركوا فيه

مراجعة: حواس محمود

عرض لكتاب “في الظلمة تتفتح الأحلام” تأليف: بنديك سورفيغ

يتحدث الكتاب الصادر عن (دار الجديد – ط1 2020) عن الثورة السورية من بدايتها حتى عام 2017، يربط المؤلف النرويجي الحدث الثوري السوري وتحولاته بيوميات وتحولا ت 6 شخصيات سورية فاعلة شاركت في صناعة الحدث الثوري في سوريا.
وبحسب المؤلف فإن هذا الكتاب ينطلق من رغبته “في أنسنة ما حدث من خلال تتبع، صفحة تلو صفحة، حياة من حلموا وآمنوا بالتغيير وشاركوا فيه: الكاتب ياسين الحاج صالح وزوجته سميرة الخليل والمدونة مارسيل شحوارو والمهندس عبيدة أبو قويدر والصناعي مروان الحميد وطالب الطب كاوا”
يبدو أن المؤلف قد حاول أن تكون شخصياته المتناولة من كل المكونات السورية أو معظمها، ومن أكثر من منطقة سورية وعلى أكثر من شريحة، فنجح في متابعة يوميات الثورة السورية وهو يبدي تعاطفه وتأييده لمطالب الثورة السورية وامتعاضه من التحول الذي طرأ على مسار هذه الثورة وطبيعتها، باعتبارها ثورة سلمية نادت بالحرية والكرامة وإسقاط النظام الاستبدادي، وكانت تمثل كل مكونات الشعب السوري، إلى ثورة مسلحة اعتمدت على أجندات خارجية وتم اختراقها بفصائل متطرفة مارست العنف وتشتيت صفوف الثوار مدعومة من قوى إقليمية ودولية، أدت إلى إضعاف الجيش الحر وحالت دون أن يتصدر هذا الجيش المشهد السوري للنضال ضدّ النظام، كما ظهر في بداية الثورة السورية وحركة الانشقاقات التي شكلت زخما كبيراً للثورة والثوار.
يبدأ المؤلف كتابه بفصل عنونه “بالروح والدم.. والبلاد” يتحدث عن خطاب الطاغية بشار الأسد في مجلس الشعب في 30 مارس 2011 والشعارات والتصفيقات التي قوبل بها من مؤيديه داخل قبة البرلمان وخارجه، كما أنه يربط هذا الحدث بالشخصيات التي يتناولها ومدى تأثير هذا الحدث على هذه الشخصيات؛ فالطالب عبيدة أبو قويدر ذو الثلاثة والعشرين عاماً لم يتمكن من متابعة الخطاب لأن النظام كان قد قطع التيار الكهربائي بعد دخول جنوده درعا منطلق الثورة وذلك لعقوبتها.. هذه الممارسات أثرت على عبيدة وغيرت من حياته البسيطة رأساً على عقب.
في تلك اللحظة في بلدة كفرومة التابعة لمحافظة إدلب كان مروان الحميد وهو في الثامنة عشرة من عمره ويدير معملاً لغزل القطن، كان مروان وعائلته يتابعون الخطاب الجاري في البرلمان السوري، وفي مقصف كلية الطب جامعة دمشق جلس أعضاء اتحاد الطلبة التابع لحزب البعث يهتفون لبث روح الحماسة “الله سورية بشار وبس” علماً أنهم قبل يوم واحد كانوا قد نظموا مسيرة عامة دعماً للطاغية في العاصمة، وهذه المسيرة بالطبع لاستعراض شعبية النظام ورداً على مظاهرات الشعب ضد النظام والمطالبة بالتغيير.
لاحظ طالب الطب الكردي العشريني كاوا أن مجموعة من زملائه هم الذين هتفوا وحمسوا في انتظار الخطاب، أنهم شباب مثله.. لكن كاوا لم يصدق وعود النظام بالإصلاح؛ إذ أن ما حدث في درعا سجلته عدسات كثيرة، وتم قتل العديد من المتظاهرين، كما أن القتل قد استمر حتى بعد هذه الوعود.
مارسيل شحوارو، الطالبة التي تخرجت للتو طبيبة أسنان من جامعة حلب هي الأخرى مرت على الكلية لرؤية زملائها. وجدت نفسها قبالة شاشة كبيرة في الجامعة بانتظار البث المباشر لخطاب الطاغية، كان الترقب سيد الموقف والتوقعات كثيرة، إذ ضم المكان مؤيدين للنظام، ومعارضين يتبادلون الابتسامات الحمالة لمعان كثيرة، ومستقلين لم يحسموا موقفهم بوضوح بعد.
في الكلية نفسها حيث كانت مارسيل تنتظر البث المباشر، كان الكاتب ياسين الحاج صالح قد تجول آنذاك في هذه الممرات والقاعات، تذكر ياسين ابن الرقة المقدمات التي أفضت به الى السجن. يتساءل المؤلف تعليقاً على تكرار حدث مأساوي بالقول “ألم تبدأ الأمور يومها تماماً كما هي الأحوال اليوم في إدلب؟”.
بعد 30 سنة على تلك السنوات القاسية جلس ياسين مع زوجته سميرة الخليل في شقتهما الواقعة في ضاحية قدسيا غرب دمشق ينتظران قبالة شاشتهما الصغيرة خطاب الطاغية، لا أمل يرتجى في أن تصل عدوى الربيع العربي إلى سوريا، هذا ما توقعه ياسين، فالقمع الذي مورس في درعا يؤكد أن أساليب النظام القمعية والعنفية لم تتبدل.
فصول الكتاب تناولت عدة موضوعات تعطي صورة عن مضامينها، منها: بالروح بالدم.. والبلد، الجدران إن حكت، عهد جديد، ياسين والقائد الأبدي، مارسيل في الميدان، تركة حماة الثقيلة، الشبيحة، الثورة، العقل الأمني، ساحات الإعدام الافتراضية، الجيش ينقسم على نفسه، الثورة تتعسكر، سلمية سلمية، حلب المقسمة وأعلام الدولة، كاوا والاعتقال الثاني، كاوا والاعتقال الثالث وأطياف قيصر، الجيش الحر يتلاشى، من السلمية إلى الحرب الكونية، أوباما وسراب الخطوط الحمراء، وداعاً حلب، الجبهة الجنوبية، حروب الآخرين، تعب هي الحرب، مارسيل وياسين.
يتابع المؤلف تحركات الشخصيات المتناولة، مستفيداً من علاقاته الواسعة بالناشطين ومؤيدي الثورة السورية، ومن عمله الإغاثي في سوريا، وإقامته في لبنان حوالي عقدين، والتقائه بعشرات السوريين والسوريات من شتى الخلفيات المهنية والسياسية.. مختتما كتابه بالقول: “سوريا اليوم في ظلام دامس، ولكن أليس في الظلمة ما تتفتح الاحلام؟”.
ختاماً تكمن أهمية الكتاب من كونه من الكتب النادرة أوروبياً، والتي تتحدث عن المأساة السورية من بداية الثورة، مروراً بالانتكاسات المتتالية، وصولاً إلى منتصف 2017، ومتابعته جاءت في الكاتب بصورة دقيقة، لكونه كان قريباً جداً من الحدث ومن الشخصيات المتناولة والعديد غيرها، وبالتالي هذا الكتاب يعتبر وثيقة أوروبية باللغة النرويجية.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى