مقالات رأي

عن السجن بما هو لغة صارت مكاناً

مضر حمكو

كم هي سخيّة بلا منتهى هذه الحياة، إذ تمنح المرء فرصة أن يوجد خارج السجن بما هو مكان وزمن، كأنها تعطيك فرصة التنزه في الأبدية وتكتب عما كان تجربتك في السجن.
هل أنا خارج السجن فعلاً؟
سأحاول رفع الكلمات إلى ما تستحق من الجنون، سأهمس على مسمع اللغة والأفكار تمردي قليلاً كي أكون مارقاً من النوع الطيب. سأحكي عن اللغة من جهة أنها العبودية والحرية، من جهة أنها السجن والخلاص.
ربما جال في روعي أن من حق التجربة في السجن -وأنا تجربتي في السجن قصيرة بالمعنى الكمي، ولا تستحق الحديث عنها بهذه المثابة، لكن النوع يبقى ماثلاً على اختلاف الكم- أن أحاول تصعيد التجربة؛ أن أسمو بها -إن جاز لي ذلك- إلى اللغة، هذا الكائن العظيم الذي يجعلك تحار هل هو سجن أم حرية؟ أهو موت أم حياة؟ أهو حبّ أم كراهية؟ أهو سعادة أم شقاء؟
أظنه كل ذلك وأكثر، لم يقل أحد إنها سجن، فيما أظنها تاريخ كل السجون كما كل الحريّات وأقول الحريات بالجمع لأنها ليست الحرية المفردة بعد، بل أشكال نظنها كذلك. إلى ذلك سأكتب عن اللغة شيئاً يجعلني مرتبكاً كأنني الطفل يكتب لمعلم غشوم.
هل تجربة السجن لا تستحق الحديث عنها صراحة؟ جوابي هو لا نافية قاطعة جازمة.. وباكية! لماذا باكية؟ لأن التجربة عظيمة لكن بأي معنى هي كذلك؟ هل لأنها تجربتـ(ـي) أو (ـه) أو (ـها)؟ لا، بل لأنها كل ذلك. هي تجربتنا جميعاً كبشر نظنّ أنفسنا أحراراً، لهذا أقول يجب الكلام عنها بما يليق (في اعتقادي) بعظمة ألمها، يجب أن نتجذّر ونتسامق ونسمو كي نفهمها ونقاربها، بما يعيد إليها الحق من العظمة.
هل أقصد أن اللغة هي السبب في سجننا وليس السجًان؟ بالطبع لا، إنما قصدت أنها النمط الأشمل للسجن من جهة ما هي النمط الأسمى للحرية، إلى ذلك فهي النمط الخلاق للوجود بما هو سجن وحرية، وبما هو موت وحياة كذلك.
هل للكلام أجنحة تبعث فينا اشتهاء الطيران؟ لكن إلى أين؟
هل اللغة فيما نبوح ولا نبوح؟ فيما نفكر ولا نفكر؟ فيما نريد الخروج وليس ثمة درب؟ فيما يريد الطفل الذي خلفناه باكياً في أعماقنا يركل خبط عشواء على جدران الكون، وكل الأشياء حيطان؟ هل اللغة هنا سماء أم هاوية؟
هل اللغة غيوم تريد أن تمطر، وأي ماء يكفي عراءنا الفسيح؟
أهي لعنة التكوين أن نتعثر بأحجار اللغة على أرصفة الزمن، حينما أردنا الخروج من الغابة، وفيما كنا نغطي العورة كشفنا عورات بل هوّات، كلما أردنا ردمها حفرتنا دونما قاع.
دعوني أتساءل: أكان ثمة اختراع اسمه التفكير؟
هل كنا سنعرف العطر على أنه فرح الزهر بالوجود، وأن العسل غبطة النحل بالطيران؟
أكان سيجري الفزع والمفزع والرائع والمروع والريعان في دماء تاريخنا؟
أكان بوسعنا معرفة القتل والقاتل والقتيل، والسجن والمسجون والسجّان؟
هل كنا سنعرف الحرب وضدّها؟ هل كانت الحواسّ ستعرف كيف تقرأ العالم؟
أثمة سجن أعظم من اللغة، أثمة أعظم من اللغة بوصف أنها الملهاة جهة ما هي التراجيديا؟
ومما علمتنا أن نقرأ كفّ الحياة ونملأ الفضاء بالأشياء ثم نلهث خلف الفراغ، علمتنا كيف نختنق.
وفيما كنا نخترعها علمتنا كيف نجرح الكون ونداوي الكواكب، كيف نخيط الغيم ثياباً للشمس والقمر.
هل هناك أعظم من مخلوق يعلمنا كيف نسقط في الهاوية ولا نخرج؟
لست أعرف الآن إن كانت اللغة المخلوق أم الخالق.
لكنني لن أنسى كذلك أنها علمتنا ما الله وما الحب.
ليس يدري عصفور اليقين إن كان هو الله وإن كان هو الحب، لأننا بعدُ لم نحب.
لماذا أكتب عن اللغة الآن فيما ينبغي أن أكتب عن السجن؟
لأنها التكوين من جهة ما أنه أدخلنا رحب اللعنة والرحمة.
أو لأنها الوعي الذي دخل فينا ونام ومازال بعد يحلم، أو أنها النفس بقصد أنها تعيدنا إلى الجب دوماً مذعورين وفاريّن ومهزومين، أو طغاة وسفاحين وسفّاكي الدم من جهة أنه المعنى، والمعنى بقصد أنه السعادة والحرية.
لماذا أكتب اللغة فيما ينبغي أن أكتب السجن؟
لأن السجن في داخل اللغة كما الموت في داخل الحياة، والنفس سردية ما اخترعنا.
لأن اللغة وطن من جهة ما هي المنفى! لأنها آلهة الكلام أراودها عن حظي من الهرب، من كل السجون، من كل الحروب، من كل الطغاة، من كل الجهات.
إنها اللغة معلمتي الكتابة عن الجنون بدلاً من السجون، وها هي تهبني المدد ضدّ كل نسق، ضد كل معتقد، ضدّ كل مذهب، ضدّ كل النظريات، ضدّ كل الملكيات.
لن أكتب عن السجن لأنه ليس سوى شكل من اللغة. لغة الموت زرعت تراب الروح بالفزع، وأنا أريد طائر الفينيق لأخرج من كل السجون.
لماذا أكتب عن السجن وأنا سجين ذاكرتي لماذا وأنا مسكون بالموتى ودماء المقتولين؟ لماذا والعويل مازال معلقاً على الجدران، لماذا أكتب عن حصار الموت في كل مكان؟
لماذا أكتب عن المكان الميت فيه السجين والسجّان؟
لماذا أكتب عن نشيج اليتامى وانتظار الحبيبات العائدين من خيال العدم؟
لماذا والسجن حصتي من الأشياء، لماذا وهو ذاكرة البلاد؟
أي بلاد أنت أيتها اللغة، هل لي بقليل منك؟
في السجن كنت أسائل الموت عما تبقى من حصتي في الوقت. في السجن انفضحت لهفتي إلى الحب، تشوّفت إلى عدن الوجود، إلى أنفاس الطفل الذي أحمله في قلبي ويحملني في لهفته ومعه كل صغار العالم من الورد، في السجن ذهبت إلى أسفل العالم وعدت،
هل عدت؟
لهذا أكتب عن اللغة، عن الأبواب تُشرع على الضوء، عن عطر ينسكب من روح، عن روح تنسكب من جسد.
خذيني يا لغتي فأنا بعدُ سجين!

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top