تحقيقات

عمالة واستغلال وأحلام ضائعة

هديل سالم – شمال شرق سوريا

أطفال المخيمات العاملون في شمال شرق سوريا..

تدقّ الساعة السابعة صباحاً، فيبدأ “حازم” في مخيم “واشوكاني” رحلته إلى عمله، يقف عند قارعة الطريق العابر من بلدة التوينة المجاورة إلى محافظة الحسكة، وبالوضعية ذاتها يقوم ببيع أنواع من علب السجائر المحلية والأجنبية الصنع لمدة 8 ساعات يومياً، لم ينس خلالها أن من حقوقه التعليم واللعب، لكن ضيق الحال ورحلة نزوحه وقفا عائقاً أمام التمتع بها ومتابعة تعليمه.
حازم (15 سنة) واحدٌ من بين آلاف الأطفال القاطنين في المخيمات، المحرومين من أبسط حقوقهم، ومن المئات الذين يعملون لمساعدة أهاليهم في مهن لا تناسب أعمارهم، أو تشكل خطراً عليهم، معرضين أنفسهم للحوادث أو سوء المعاملة بشكل مستمر من رب العمل، دون توفير عناصر السلامة العامة والحماية، ينقسمون بين عمال في الدكاكين وعلى عربات النقل ضمن المخيمات، وعمال مياومة خارجها.
سقط حازم مغمياً عليه في صيف 2020، ونتيجة وقوفه تحت أشعة الشمس الحارقة على قارعة الطريق، أصيب بحمى التيفوئيد، يقول لمجلة “طلعنا عالحرية”: “لولا ستر الله لصدمتني سيارة عابرة، أسعفني سائقها، لحظة سقوطي.. ظنّ سائق سيارة التكسي أنه صدمني فوقعتُ مغشياً”.
انقطع حازم عن العمل مدة أسبوعين حتى شُفي، ما كلّف عائلته اللجوء لتقشف شديد والاكتفاء بمخزون شحيح موجود لديها من الأغذية، مع القليل من المساعدات النادرة التي كانت تقدمها المنظمات العاملة في المخيم، كما وصفها.
نزح رفقة عائلته من بلدة تل حلف، إثر العملية العسكرية التي أطلقتها تركيا والفصائل الموالية لها على مدينة رأس العين وريفها في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، وأدت إلى تهجير أكثر من300 ألف عائلة بين نازحين إلى مخيمات اللجوء ومراكز الإيواء، ولاجئين في دول الجوار.


أحلام الطفولة تتلاشى
“ستير رشك” الرئيس المشترك في إدارة مخيم واشوكاني، لدى حديثها لمجلة “طلعنا عالحرية”، تقر بخطورة عمالة الأطفال وسلبياتها، والقوانين الموضوعة التي تمنع من ذلك، إلا أن الظروف المعيشية الصعبة والارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية والاستهلاكية التي تقدر بالدولار الأميركي، أمام انهيار الليرة السورية، دفعت إدارة المخيم للتغاضي عن عمل الأطفال، في ظلّ نقص المساعدات التي تقدمها المنظمات الإنسانية، وخاصة الدولية العاملة في شمال شرق سوريا.
يعد مخيم واشوكاني مدينة مصغرة عن رأس العين، يقع قرب بلدة التوينة 13 كم غرب مدينة الحسكة، عدد قاطنيه 14500 موزعين على 1800 خيمة و3287 عائلة، ويضم ثلاث مدارس تعليمية من المرحلة الابتدائية والإعدادية إلى الثانوية، بحسب “ستير رشك”.
وتؤكد “رشك” عدم تعرض أي من الأطفال العاملين في المخيم لحادث أو مشكلة، وهذا ما نفاه بعض الأهالي الذين قابلناهم، غير أن إدارة المخيم ليست على دراية بما يحصل خارجه.


لا إحصائيات دقيقة ولكن حوادث مؤكدة!
لا يوجد إحصائية دقيقة عن عدد أطفال المخيمات العاملين، والذين تعرضوا لحوادث العمل، لكن وفق جمع لقصص سردها من قابلتهم مجلة “طلعنا عالحرية” هناك إصابات عديدة.
ضمن مخيم الهول، أصيب شقيقان وطفل آخر (يعانون من الربو الصدري) بحالة من ضيق التنفس أثناء عملهم في توصيل المواد وسلل الإغاثة على عربة حديدية مقابل أجر بسيط يعطيها المستفيد لهم، ومن ضمنها مادة الكاز المستخدم في إشعال مواقد الطهي داخل الخيم، والتي تقوم إحدى المنظمات الإنسانية بتوزيعها على قاطني المخيم وفق بطاقة كل أسبوع.
كما تعرض 6 أطفال لسوء المعاملة من رب العمل، ما تسبب في تركهم العمل والتنقل من عمل لأخر منبوذين داخل المخيم.
وفي مخيم واشوكاني، تعرض طفل لكسر في اليد أثناء عمله بتوزيع مياه الشرب ضمن مدينة الحسكة، وانزلاقه من السلم الجانبي الذي يتمسك به من صهريج الماء، وتعرض 9 من الأطفال المياومين العاملين في حقل لزراعة الكمون بقرية مجاورة للمخيم للشتم والطرد جميعاً في ذات اليوم من مالك الأرض، وأصيب أحدهم بالحمى نتيجة ظروف العمل.
يقول المحامي كيلان أوسكان: “مع عدم جدية سنّ القوانين وتنفيذها، وعدم وجود احتياطات للسلامة من رب العمل، ما يجعل الأطفال معرضين لخطر إضافي، تشكل عمالة الأطفال انتهاكاً واضحاً لقانون العمال وحقوقهم، إذ تنص أحكام المادة 113 من قانون العمل السوري رقم 17 عام2010، بمنع تشغيل الأحداث من الذكور والإناث قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي أو إتمام سن الخامسة عشرة أيهما أكثر”.
ويضيف: “قانون العمل يسمح للأطفال بممارسة بعض الأعمال التي لا تتطلب جهداً عضلياً، ولا يتجاوز مدة العمل ساعات محددة، وأن يتم تسجيل الطفل العامل لدى التأمينات الاجتماعية لضمان سلامته، لكن للأسف يتم تجاوز كل هذا”.
منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة تؤكد في تقرير لها أن أكثر من 2 مليون طفل هم خارج المدرسة، ويواجه 1.3 مليون طفل خطر التسرب. ويعيش أربعة من خمسة أشخاص من السوريين تحت خط الفقر داخل سوريا، مما يدفع بالأطفال لاتخاذ تدابير قصوى للبقاء على قيد الحياة، مثل التوجه إلى العمل والزواج المبكر والتجنيد للقتال، وذلك لمساعدة أفراد عائلاتهم في سد الرمق.


خفض في الأجر
عماد (15 سنة) النازح وعائلته من ريف تل تمر، يقوم بنقل صناديق تحوي خضروات وفواكه من شاحنة صغيرة ليضعها على الرصيف متراكمة فوق بعضها أمام دكان في بلدة التوينة، والعرق يتصبب منه رغم برودة الطقس، يقول لمجلة “طلعنا عالحرية”: “أعمل أكثر من 8 ساعات مقابل 2000 ليرة في اليوم، ضعف الحال وقرب البلدة من المخيم هو ما دفعني لقبول هذا الأجر الزهيد”.
من جانبه شارك والده بالحديث، وهو موظف متقاعد لدى حكومة النظام السوري، موضحاً: “منذ بداية الحرب ونحن نعيش في مأساة تتكرر وبشكل يومي، وضحيتها وبدون ذنب، أطفالنا، الذين ابتعدوا عن التعليم وتحملوا المسؤولية كالكبار”، واصفاً من هاجر إلى الدول الأوروبية، بأنه “يعيش في الجنة ومستقبل أولاده مؤمن”.
ويضيف والغصة في حلقه كلقمة يصعب بلعها: “أطفال العالم يذهبون كل صباح إلى المدرسة لتلقي التعليم، بينما أطفالنا يتجهون إلى العمل لكسب لقمة العيش، إنها الحاجة والفقر”.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى