تقارير

دمشق بعد عشرة من الجمر…

سلمى الأسمر: دمشق

بعد عشر سنوات من اندلاع الحراك المعارض لنظام الحكم وفي ذكراها السنوية، تبدو دمشق معزولة من دائرة الانهيار؛ لكن هناك تغييرات حدثت وتحدث، إذ توافقت الإرادات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على عزل دمشق وكان مطلوباً أن تبقى العاصمة “المفيدة” والواجهة القوية.
دمشق، مدينة موسومة بالفصام؛ حيث خمسون بالمئة من مساحتها الجغرافية هي أماكن سكن عشوائية، يختلط الحابل بالنابل، تتلون الوجوه وتتعدد اللهجات، وتنصهر الاختلافات ليوحد القهر والفقر وغياب الخدمات الفضاء العام. مدينة بات التنوع الحاد فيها عبئاً حتى على هوائها وليس امتيازاً أو تنوعاً وطنياً إيجابياً، وباتت صورة مكثفة لتبدلات غير مفهومة وعصية على التقبل أو المناورة.
خمسون بالمئة من الجغرافيا الشامية يشغلها أكثر من ثمانين بالمئة من السكان، والخمسون الباقية يشغلها العشرون الباقون من أهل دمشق، ولكن بنسب متفاوتة جداً ما بين حي وآخر. بيوت فارغة وواسعة مغلقة منذ عشرات السنين بعضها يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، وبيوت تتسع على أهلها حيث يسكنها شخص واحد متقدم في العمر بقي إما لعدم قدرته على تقبل المجتمعات الغريبة، حيث سافر واستقر الأبناء، أو ظناً منهم أنهم حراس المكان ومفاتيح عودة الأبناء.
يتذكر الدمشقيون وخاصة سكان ضاحية دمشق الجديدة أو مشروع دمر الشاحنات التي وقفت على مشارف المشروع ولأسابيع متتالية لتنقل سكان وادي المشاريع الأكراد إلى القامشلي، سميناها عملية “إعادة توطين”. فجأة خلا وادي المشاريع وجبل الرز من نسيجه الكردي، هل كان الخوف؟ أم التحكم السياسي القومي الحزبي بجمهور الكرد؟ أم محاولة استباقية لدولة كردية قادمة؟
على الطرف المقابل، عادت غالبية سكان ريف دمشق ذوي الأصول الدمشقية والذين اضطروا للسكن في ريف دمشق لضيق ذات اليد وصعوبة تأمين مسكن ضمن مدينتهم الأصلية بسبب ارتفاع أسعار البيوت وضعف الدخل، عادوا إلى بيوت أهاليهم، وكان الجميع يعتقد أنها فترة مؤقتة ثم يعودون إلى منازلهم، ولم يكن خيار العودة لبيت الأم أو بيت العائلة الأصلي أو بيت أحد أفراد العائلة الذي سافر إلى الخليج وتركه فارغاً لزيارته سنويا في الصيف أو في مواسم الأعياد، خياراً مطروحاً، غير أن الحرب فرضت ما لا تشتهيه السفن.
هنا حدث اختناق غير مشهود ولم يكن مقبولاً أبداً، أن تسكن خمس عائلات على سبيل المثال لا الحصر في بيت واحد، فالجميع له حصة في هذا البيت، والجميع عاجز عن تأمين بدلات الإيجار التي فاقت قدرة الجميع في مواجهة ارتفاع أسعار جنوني وغياب للموارد المالية.
تضيق شوارع دمشق بالغرباء، من يصنف الغربة؟ ومن يبدد الشعور بالاغتراب العميق لأهل دمشق؟
دمشق التي ما زالت مركزاً وحيداً ومستهدفاً للعلاج من أمراض السرطان في المشفى المختص الوحيد، وفي بعض المراكز الطبية والمشافي الخاصة التي تقدم جرعات العلاج الكيميائي بشكل خاص لكنه مكلف جداً. فخصوصية دمشق كمركز للعلاج الأكثر تنوعاً ومرجعية علاجية، لكنها ضاعفت من أعداد طالبي الاستشفاء وجعلت من دمشق مدينة أكثر ازدحاماً وتنافراً.
وشكلت ظاهرة زيارة عيادات الأطباء الاختصاصيين الذين باتوا نادرين بسوريا كلها، لدرجة أن بعض المدن خلت حتى من طبيب متخصص واحد يلجأ إليه المرضى اليوميين، ولو لمتابعة عرض صحي بسيط كالإنفلونزا أو ألم الأسنان.
ولم يتبق منهم إلا القليلين القلائل أصحاب السمعة الطبية المشهورة، والذين تلتصق بهم الآمال العريضة بالشفاء والخلاص.
حافظت دمشق على كونها الوجهة الأهم للحصول على جواب عن ابن أو زوج أو أخ غائب أو مفقود، حافظت على مركزها لإنهاء معاملات التقاعد والتسريح المرضي، وتعويضات نهاية الخدمة أو تعويض عن ملكية مشتركة لم يسدّد بعد، أو لحل مشاكل عقارية متداخلة أو دعاوى قضائية لإثبات زواج أو نسب أو شراكة اقتصادية توقفت وبات مطلوباً ضخّ الدم في أوردتها لتفعيلها من جديد، وساطة مالية، صفقة، جهات نافذة، وعود بالشراكة وبالأرباح، كلها تعزز حضور دمشق كورقة اللعب أو المقامرة أو المقايضة الأقوى.
في ظل هذا التناقض الوظيفي للعاصمة؛ لم تعد تمتلك حتى قواماً هندسياً متسقاً ومسايراً لوظيفتها المركزية، والأكثر تهافتاً هو شبكة المواصلات المهترئة ووسائط النقل اللا إنسانية. تحولت قضية النقل اليومي في دمشق إلى ذلّ موصوف ولا خيار أو بديلاً عنه إلا باستعمال الهوندايات (الشاحنات الصغيرة) لنقل الناس وقوفاً، أو الانكفاء في المنازل.
اضطرت العائلات التي تعيش في بيت واحد إلى التأقلم مع شروط تغيب عنها الخصوصية المطلقة، مع الإشارة إلى أن الكثير من العائلات ورغم عودة مراكز سكناها في ضواحي دمشق إلى قبضة الحكومة لكنها لم تعد إليها، لتداعي البيوت وخطرها الفعلي على سكانها في ظل غياب أي خطط لإعادة الإعمار، أو لغياب الخدمات العامة الأساسية، خاصة الصفوف المدرسية والمعلمين والخدمات الصحية والطرق وخدمات الماء والكهرباء في ظلّ تراجع هائل وطغيان قاسي لغياب الخدمات في سوريا قاطبة، مع تمييز فاضح وفاقع لحجم الخدمات ما بين مدينة وأخرى وحي وآخر في نفس المدينة.
فالشام التي يتنافر مشهدها العام ما بين وهم بأنها دمشق القوية والمفيدة وما بين تصدعات أفقية وشاقولية تهدد البنيان المدني والسكاني والوظيفي، تنتظر كما أهلها وكما السوريون والسوريات جميعاً فسحة من التعافي ومساحة من التعرف إلى الذات التي هشمتها الحرب بعد أن بلغت قبل الحرب من الهشاشة ما يكفي لأن تتهافت بقوة الوهم والإهمال.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى