مقالات رأي

بين آلام الحاضر وأسئلة الغد

اللوحة للفنان سمير خليلي

يوسف صادق

حينما يحلم الإنسان ويتخيّل مكاناً آخر غير الذي يعيش فيه، فهو في غربة، هي الوجه الآخر المُعتم لانتمائه، وعدم تحقّق أسس الانتماء ينزع عن السلطة الحاكمة شرعيّتها.

فكيف ستكون هذه الغربة إذا كانت السلطة هي مَن تقوم بتهجير مواطنيها؟
قد لا نحتاج لهذا التقديم لإثبات عدم شرعية نظام حكمٍ مجرمٍ. لكن السؤال عن التهجير والاغتراب هو السؤال عن عوامل تحقّق أُسس الانتماء، لماذا يحلم السوريّ بالهجرة رغم ارتباطه بمكانه؟ ما الذي يريده فعلا؟ وما العوامل التي تدفع برغباته المتناقضة؟
التقديم يطرح علينا أسئلة الغد، بقدر ما نعي شقاء الحاضر؛ شقاء الغربة والتهجير.
البحث عن الذات الحضارية ليس جديداً علينا، منذ أيام جبران خليل جبران ورفاقه، والبحر يحمل الأحلام، طالما الأرض تحمل الطغاة. من سفربرلك إلى آخر، حتّى بات تاريخنا، تاريخ الاغترابات، والنيل دائماً يسير نحو الشمال كما أكّدها الطيب صالح، وموسم الهجرة مواسمٌ، والبحث عن تربة تعيد الخصب لفروع الأشجار المقطوعة، هو مطلب الذات الحضارية الضائعة.
اغتراب عن النفس، حينما يقف الإنسان عاجزاً أمام ما يسعى إليه. اغتراب عن تاريخ يقيّدنا ويشدّنا للماضي بعاداته وتقاليده ومُثُله، يجعلنا نُسخاً مشوّهة عن ذواتنا وعمّا هو جميلٌ حتى في ذاك التاريخ. اغترابٌ عن أسس تحقيق الذات وفاعليتها العامة، المدنية والسياسية، حينما لا تكون المشاركة بالشأن العام إلّا عبر تقديم الولاءات والطاعة والهتاف للزعيم.
الاغتراب والهجرة هما الوجه الآخر للانتماء، فلو توافرت أسس الانتماء لكان الحلم هو السعي للأفضل عبر إمكانيات الوجود ذاته.
هنا معضلة السوريّ بين حلمه بسوريا وطناً للجميع وللمستقبل، وبين انتمائه لحلم ضبابي لم يستطع الساسة ولا الأحزاب ولا التيّارات مسح الغبش من نافذةٍ يحاول الإطلال منها، فكان أن حمل وطنه في حقيبة وردّد خلف درويش: “كلّ قلوب الناس جنسيتي.. فلتسقطوا عنّي جواز السفر”، وكأنّ الزمن تلاشى بين هجرات شبابنا وهجرات جبران ورفاقه.
بينما السلطة غير الشرعيّة تحاول فتح الأبواب وآلات حربها تقول: إمّا أن تبقوا هنا عبيداً أو ترحلوا، أو مصيركم خلف الجدران العالية. معضلة السوريّ هوّيته التي اختارها في هذا المكان وهو يردّد: “وطني ليس حقيبة، وأنا لست مُسافرْ”.
ليس حديثنا عمّن هاجر لأسباب اقتصادية بحتة، فهو كذلك لو وجد ما يعينه على رزق أولاده لما غادرهم، حديثنا عن التناقض الحاصل داخل السوريّ، وهي أشدّ غربة حينما يصبح عاجزاً، ولا يشعر بأنّ لإرادته ورؤاه معنى، مُنعزلاً عن ركب القطيع الناجي من سطوة الطاغي.
تبدأ الغربة كحكاية صغيرة تكبر مع تساؤلات السوريّ الصغير عن هويّته وعن أناه وعن وجوده، ثمّ يبدأ الحصار بأذرع الأخطبوط عبر منظماته ذات الأسماء التي تحمل لاحقة المركز، تحصي عليه أنفاسه، توجّهاته، تحاول جعل الإنسان عدواً لنفسه وللآخرين، تنمّي لديه غرائز البقاء والاحتيال والوصولية والحيوانيّة، ليصبّ كلّ القاذورات في مدح الأب الأكبر، الأخ الأكبر، الرفيق الأكبر، وغيرها..
وحدث أن انقسم الناس بين فرقة ناجية تبعت غرائزها وصارت من الجلّادين، وفرقة ضالّة بالمعنى الإيجابي وهي مَن تعاني أشدّ الغربة، ضمير الحريّة أصيلٌ لم يفارقها ولم تحجبه كلّ الجدران، ولم يبقَ أمامها سوى خيارين، بعدما نفت خيار القطيع: إمّا خلف الجدران العالية، وهذا مصير آلاف المعتقلين لدينا، أو الهجرة القسرية.
يحاول الطاغية بعدما فشلت أذرع الأخطبوط لديه أن يلجأ إلى نزع كل الأقنعة ليظهر وجهه الأشوه كما اعتدناه من أيام مجازر حماة، إلى تدمر، فصيدنايا، أمّا الحديثة فلم تنته بعد، ودرعا لن تكون آخرها.
العنف، نعم.. هو يلجأ إليه، مع إبقاء باب القفص مفتوحاً، يريد قطيعاً “متجانساً” يسهل قياده، ليبقى أمام السوريّ خيارٌ وحيدٌ هو الهجرة رغماً عنه.
حينما تضيق الآفاق أمام الشباب بين مستقبل مجهول أو يكونوا وقوداً في حربه، أو يكونوا ممّن ارتضوا غرائز البقاء تحت جناحيه المعتمين.
السؤال المعضلة: كيف نقنع الشباب بعدم الهجرة؟ ولسان حالهم يقول: رفعنا كلّ الرايات وأسقطناها ولم نجد غير صورةٍ مشوّهة لأحزاب وتيّارات، ذواتنا فرغت، ولا نريد ملئها بقاذورات الطاغية، ولا بوعودٍ رومانسيّة. سنوات شبابنا ضاعت ولم تعد كلمة “وطن” تحمل ذات المدلول كما كانت لكم! كلّ هذه الأسئلة مشروعة، فمَن يجعل إرادة الشباب وطموحهم حاملاً للمستقبل؟ إذا كنّا نملك إرادة تجاوز آلام الحاضر الممتد!
هل ثقافة الحقوق ووعي الذات، قادرةٌ على ملء الفراغ لدى الشباب؟ هل تلبّي كلّ احتياجاته؟ نعود للسؤال بتفرّعاته: ماذا يريدون؟ وأيّ عوامل الدفع أقوى لدى تناقضات دواخلهم؟
لربّما المدخل والتقديم يقودان للنتيجة السبب: المستقبل هم المعنيّون به.
قد تكون الأجيال السابقة فشلت وساهمت بما نحن عليه الآن، لذلك لا بدّ من فتح النوافذ لهم، نوافذ الحقيقة التي وعوا قسماً كبيراً منها، نوافذ الإرادة وعدم الوصاية، إذ لا وصاية لغير ذي أهليّة، نوافذ الخيارات للأفكار، إذ كفانا قواقع الطوائف والأحزاب والديانات والعائلات، نوافذ الأمل والواقع دون تزييف أو تزيين، إذ كفانا الغبش المتراكم بحجّة الأمل، نوافذ القرار إذ كفانا ما قرّرت السلطة اللاشرعيّة عنّا، وكفانا ما قرّر السلف عنّا، وكفانا ما أُجبرنا على اتّخاذه من قرارات حينما لم تكن خيارات أمامنا.
وكفانا ما هُجّر من بيته، إذ احتلّه ظلّ الشيطان، وغيّر صورنا على الجدران، وحاول ويحاول تغيير روائح الأرض والمكان من أجل مجتمع القطيع المتجانس.
لندع المستقبل للشباب وكلّنا ثقة بهم، فهم الأقرب له منّا.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top