مقالات رأي

بانتظار الموجة الثالثة من الربيع العربي

تشكلت دول، ودويلات، ومشيخات العالم العربي من مخلفات الحربين العالميتين القرن الماضي، بمخططات خبيثة مع نهايات الحقب الاستعمارية، وقبيل صحوة الشعوب الأولى والدعوة للتحرر. وتسلمت نخب سياسية واجتماعية الحكم فيها بسمات مختلفة باختلاف شرعيتها: بانتخابات صورية أو شبه ديمقراطية كما حصل في لبنان وسوريا، أو أحادية وراثية كما في الجزيرة العربية، والأردن (الملك عبد الله)، والعراق (فيصل الأول)، وليبيا (السنوسي)، أو كارزمية كتونس (الحبيب بورقيبة) وموريتانيا (مختار ولد دادا)، أو بشرعية انقلابية كما في مصر (جمال عبد الناصر)، والجزائر (أحمد بن بيلا)، والسودان (إبراهيم عبود)، واليمن (عبد الله السلال).

هذه الدول باختلاف الشرعيات التي استندت عليها في حكمها للبلاد والعباد تشابهت في أنظمتها من حيث: التفرد في السلطة واحتكارها، السيطرة على وسائل الإعلام، فرض خطاب سياسي لا يقبل معارضة، قمع الحريات والرأي والتعبير، الاستئثار بثروات البلاد وتحويلها للخارج، عدم القدرة على الوقوف في وجه إسرائيل المغتصبة للأراضي الفلسطينية، والدفاع المستميت عن معاهدة سايكس بيكو؛ فكل دولة نشأت بحكم هذه المعاهدة تدافع عن حدودها المصطنعة أكثر من سايكس وبيكو نفسهما. ولم تشذ عن هذه القاعدة سوى الوحدة السورية المصرية التي انتهت بمأساة الانفصال.

سياسات هذه الدول والدويلات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت في معظمها لا تقوم على دراسات علمية، بل كانت ارتجالية وعشوائية وغير قابلة للتنفيذ، أودت إلى نتيجة واحدة وهي تفقير الشعوب والقضاء على الطبقات الوسطى التي ترتكز عليها كل المجتمعات وهي أساس الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كما أفضت سياسة قمع الحريات، إلى تصحّر ثقافي وإبداعي ضروريين لتقدم الشعوب وتطورها. وكانت النتيجة الحتمية لمثل هذه السياسات هي الوقوع في أزمات عديدة: أزمة أمية، أزمة صحة، أزمة سكن، أزمة مواصلات، أزمة اتصالات، أزمة بطالة.. بل وزاد الطين بلّة العداء المستشري بين الدول والحروب البينية التي أودت بأكثر من بلد إلى الدمار وهدر أموال طائلة كما حصل في العراق والكويت، والمغرب والجزائر، واليمنين الشمالي والجنوبي، والصومال، وليبيا ومصر، والسودان الجنوبي والشمالي، وليبيا ومصر، وليبيا وتشاد…

هذه الأوضاع التي سادت القرن الماضي وضعت أجيالاً متعاقبة أمام معضلة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة تفاقمت في بعض الدول بتأجيج غول الطائفية والعرقية كما في العراق وسوريا ولبنان. ولم يستطع أي من الشعوب العربية أن يفك الحصار السلطوي المفروض عليه، لكن الجمر كان تحت الرماد بتراكم الأزمات وتعدد الهزائم أمام الدول الغازية والمحتلة. 

جيل ما بين القرنين الذي عانى ويعاني كالأجيال السابقة من التهميش انفتح على ثورة المعلوماتية والانترنت بتطبيقاتها المختلفة التي جعلت مهمة الاتصال والتواصل سهلة المنال والانتشار، فكانت سلاحه الأول للمطالبة بالتغيير، ولم تدرك الأنظمة المسيطرة على وسائل الإعلام والاتصال خطر المنظومة الجديدة وانعكاساتها على شرائح واسعة من المجتمعات العربية ما كان نتيجتها الأولى ثورة تونس التي اندلعت بشرارة محمد البوعزيزي والتي أضرمت النار في هشيم الأنظمة الأكثر فساداً وتعسفاً فكانت الموجة الأولى التي أسقطت النظام التونسي والمصري والليبي واليمني وكادت أن تسقط السوري.

واعتقد البعض أن الربيع العربي انتهى بهذه الموجة التي كانت آثارها كارثية في بعض الدول كسورية وليبيا واليمن، وانطلقت الثورات المضادة بفعل بعض الدول المرتعشة من وصول النار إليها، ظنّاً منها إن باستطاعتها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء كما حصل في مصر والآن في ليبيا واليمن، لكن المفاجأة جاءت بعد حوالي ثماني سنوات بانطلاقة الموجة الثانية من الربيع العربي في العراق ولبنان والسودان والجزائر، وعادت الاضطرابات إلى مصر وهذه الموجة اتسمت بسلميتها كون الشباب الذين أطلقوها فهموا لعبة الأنظمة التي حاولت شيطنة الثورات بتخوينها ووسمها بالإرهاب، فوجدت هذه الأنظمة نفسها في حرج كبير وهي تتأرجح اليوم وتترنح كما ترنحت الأنظمة السابقة تحت ضغط الجماهير كما نرى اليوم في لبنان والجزائر والعراق رغم العنف الذي اكتنف بعض المناطق فيه، ولا تجد حيلة تقيها غضب هذه الشعوب.

ووجدت الأنظمة الداعمة للثورات المضادة نفسها عاجزة أمام هذه الموجة الجديدة التي لم تكن تتوقعها بعد أن اطمأنت إلى أنها وأدت الربيع العربي إلى الأبد. إلا أن هذا الربيع مازال يزحف وأعتقد جازماً أنه ما زال في بدايته وموجاته ستنتشر إلى أنظمة أخرى عاجلاً أم آجلاً؛ فالظروف التي أوجدت الموجتين الأوليتين تتشابه فيها، فلا بد وأن تصلها الموجة الثالثة، فسياسات أنظمة القرن العشرين لم تعد صالحة في القرن الواحد والعشرين، وأن هذه الشعوب التي عانت الأمرين من هذه الأنظمة الفاشلة التي تستعبد شعوبها وينخرها الفساد تأخذ اليوم مصيرها بيدها ولن يثنيها عن أهدافها أي ثورة مضادة أو حرب إجرامية.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى